المقالات
السياسة
إدريس الهادي .. ومدير شيفرون.. يفسِّران ظاهرة الغزو الأجنبي لسوق العمالة المحلية
إدريس الهادي .. ومدير شيفرون.. يفسِّران ظاهرة الغزو الأجنبي لسوق العمالة المحلية
12-20-2015 11:02 PM

حكى مدير شركة شيفرون لإدريس الهادي (أحد أعمدة ورواد المصنوعات الحديدية الحديثة في السودان)، أنه عند ما كان في منطقة "المُجلَد" -في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي-شاهد أناساً كثيرين منتشرين تحت ظلال الأشجار وقد غطى كل واحدٍ منهم وجهه بيده فاعتقد أن وباءً قد مسَّ القوم ما حدا به أن يطلق صافرات الإنذار لإحضار سيارات خاصة بالشركة ليكتشف أن الجماعة بأكملها تمارس حالة من الخمول أسلمتها إلى نومٍ عميق.

وفي مرة أخرى اصطحبه إدريس إلى سوق "أمدرمان" ليشتري بعضاً من مصنوعات العاج والجلد السودانية، فلفت نظره أن "عدداً" من أصحاب المحلات قد تمدَّدوا نياماً على "عناقريب" في مداخل المتاجر أسوةً برصفائهم في "المُجلد".
هاتان الواقعتان وإن كان العم إدريس قد رواهما من باب التندُّر على إهدار السودانيين للوقت ولامبالاتهم ولا أقول كسَلهم حتى لا تنتاشُني ألسُن وأقلام ممن يفتقرون إلى الموضوعية فيلوِّحون بشعار تلك الوطنية غير المُرشَّدة كلما لاحت في الأفق بوادر زحفٍ عمالي أجنبي في الطريق.

لقد وجدتُ في هاتين الواقعتين مدخلاً لتفسير ظاهرة اكتساح العمالة الأجنبية لسوق العمالة المحلية.. ذلك الاكتساح الذي دفعنا لأن..نشجُب.. ونستنكِر..ونُدين وجود أولئك الوافدين من العمال الذين قد جاءوا من بلدانهم يزاحمون أبناء الوطن في مصدر رزقهم، وغاب عنّا أن هناك خللاً ما في تركيبة العامل السوداني يجعله يميل إلى التسيُّب والتكاسُل في أداء عمله، وهو ما أغرى وشجَّع على ذلك الغزو غير المسبوق .. ذلك الغزو الذي أفزعنا وجعلنا نُولْوِل ونندُب.. عمال النظافة من البنغال .. القائمون بأعمال السِباكة والتمديدات الصحية باكستانيون ومصريون .. النجارة وتصنيع الأثاث والأبواب هنود وأثيوبيين ..عُمّال البناء من الصين.. مجال التنجيد وتصنيع المكاتب .. والمطابخ .. وتركيب الستائر أتراك.. العاملون بالمستشفيات الخاصة من الفلبين .. محلات الحلويات والعاملون بها سوريون .. أصحاب المطاعم الكبيرة والعاملون بها من لبنان وتركيا.. أعمال السراميك والبلاط باكستانيون.. عُمّال الكهرباء والِحدادة مصريون.. والآن الإخوة الأثيوبيون يَطرُقون مجال قيادة "الركشات"، وإن كان ذلك بنسبة ضئيلة لا ترقى لمستوى الاحتكار -على الأقل في الوقت الحالي.

وعليه نجد أن العامل السوداني للأسف لا يُعوَّل عليه سواءً من ناحية إجادة الصنعة والإخلاص لها أو الالتزام بالمواعيد.. أما والحال كذلك، فليس أمامنا سوى التسليم والاعتراف بأن التسيُّب واللامبالاة هما أهم ما يميِّز معظم العاملين في سوق العمالة المحلية.

• والله اليومين الفاتَن ديل ما قدرت أجي أصلو ود خالتنا اتوفى وبقيت ملازم "الفُراش" ..
• أول أمِس زوجتي وِلدت بعملية قيصرية الوكت كله أنا معاها في المستشفى ..
• هجمت عليّ الملاريا تلاتة يوم "مِغنْتِس" ما قادر أرفع راسي ..
• امبارح بالليل نطَّ علينا حرامي سرق جلابيتي وشوية هدوم حقات الأولاد. يومي كله ضاع في قسم البوليس..وإلخ من تلك الاعذار الملفَّقة...

ومن هنا أقول، إلى أن يتواجد العامل السوداني الحريص على عمله وأدائه على أكمل وجه سنظل نرفع لواء تلك الوطنية الزائفة والتي ينطبق عليها المثل القائل "الجمل ما بشوف عوجة رقبته"..

وبعيداً عن الصورة السلبية "الحالية" للعامل السوداني، أعود إلى مقالٍ سابق كنت قد تناولتُ فيه نموذجاً مشرِّفاً للعامل السوداني:
إدريس الهادي ... الأصـل والصـورة
في أحد نهارات شهر يوليو القائظة من عام 1997 كنت أدلف بالسيارة بصحبة الوالد داخل بوابة مصنع العم إدريس الهادي* في المنطقة الصناعية بالخرطوم بحري، وأنا أهدف من زيارتي له في تلك المرة لتقديم واجب العزاء، فقد رُزِئ العم إدريس أثناء غيابي عن السودان بفقد رفيقة دربه، وما لبث بعدها إلا قليلاً حتى عاجله القدر بقاصمة الظهر، إذ اختطف منه الموت في قسوةٍ مباغتة ابنه الشاب المهندس "أحمد"، وقد كان ساعده الأيمن وعصاه التي تتوكأ عليها أعوامه الثمانون.
وهكذا كانت تكبِّل خطواتي وأنا أسعى إليه أغلالٌ من الحزن جعلت من التماسك مهمة تبدو شبه مستحيلة.
وسط أزيز الماكينات ورائحة الزيت، راحت عيناي تجوبان المكان بحثاً عن صاحب الجسد النحيل في زيِّه العمالي التقليدي. سقطت عيناي بعد طول بحثٍ وتجوال على طيفٍ نحيل يجلس على كرسيٍّ صدئٍ قديم لتصفعني الحقيقة الُمرة أن العم إدريس الهادي قد تضافرت أعراض مرض السُكَّر اللعين عليه مع أحزانه الشخصية لتنال من بصره ولتحُدَّ من قدرته على الحركة.

على أن هذا العملاق يرفض أن يترك للأدواء النفسجسدية فرصة أن تنال منه ومن نهجه الذي اختطه في الحياة. فما زال يثابر على الحضور إلى المصنع كل يومٍ في السادسة والنصف صباحاً، ومازال يحمل تلك الذاكرة الفولاذية فيما يختص بأي قطعة في المصنع، فإذا حدث أن تعطلت إحدى الماكينات وهرع الجميع إليها كان هو القائل «ارجع إلى الملف كذا صفحة كذا».

ونحن نقفل راجعين بالسيارة كنتُ أعيش حالة جَلدٍ ذاتيٍ وتقريعٍ معنوي لإغفالي عظمة ذلك الرجل، والذي قد ارتبط اسمه فقط «بمسلة إدريس الهادي» الكائنة في شارع العرضة بأم درمان.

بداية إدريس الهادي كانت سنة 1945 م أثناء الحرب العالمية الثانية عندما كانت قوات أميركية تعُسكِر في «وادي سيدنا» وكان من بين قواتها ضابطٌ يُدعى "ماكنمارا" والذي أصبح في الستينيات وزيراً للدفاع في عهدي الرئيسين "كنيدي" و"جونسون".
التحق إدريس مع بعض السودانيين بالعمل في الورش الكبيرة التابعة للقوات الأميركية، وسرعان ما لفت بمهارته وموهبته وحبه للعمل، نظر الضباط الأمريكان وخاصة "ماكنمارا" الذي نَمَت بينه وبين إدريس صداقة وطيدة ظلت مستمرة، حتى بعد مغادرة "ماكنمارا" «وادي سيدنا» في صورة رسائل متبادلة.

وعندما أصبح "ماكنمارا" وزيراً للدفاع الأميركي دعا إدريس لزيارة "الولايات المتحدة" ولكنه اعتذر عن تلبية الدعوة في حينها لظروفٍ تتعلَّق بالعمل.

بعد ذلك استهل إدريس مشروعه الخاص بورشة صغيرة في أم درمان عام 1946 بالقرب من نادي الخرِّيجين لا تتجاوز معدَّاتها «زردية» و«مفَك» و«عفريتة».

وما لبث أن واكب التطُوّر الذي حدث في وسائل ري مشاريع القطن في النيلين الأزرق والأبيض بأن صمَّم سواقي الري الحديدية. وعندما أصبح الريّ يتم بالطلمبات اقتنى مسبكاً لصهر الحديد وقام بتصنيعها.

وعند تنفيذ مشروع امتداد المناقل كانت الشركات الأجنبية المنفِّذة للمشروع تُزمِع استيراد المواسير والأبواب الخاصة بالقناطر والهدَّارات بالعملة الصعبة، إلا أن إدريس قام بعمل تصميم وتنفيذ لها بنفس المواصفات وقدمَّها لوزارة الري، التي ترددت في البداية، ما حمل إدريس أن يطلب من القائمين على أمر الوزارة - آنذاك - تجربتها من دون مقابلٍ مادي، وقد نجحت نجاحاً مذهلاً. قام بأعمال الحفريات والتجهيزات الميكانيكية في العديد من محالج القطن مثل محلج «كوستي» و«حمدنا الله» و«ربك» .. إلخ، ومصانع السكر في حلفا الجديدة والجنيد.

كما يمتلك إدريس الهادي مصانع أوكسجين وثاني أكسيد الكربون ومعدات لِحام إلى جانب مصنع الثلج الجاف. وقد مُنح عدة شهادات فخرية في الهندسة بمجالاتها المختلفة.

عندما انكسرت إحدى حفارات شركة "شيفرون" إبّان فترة تنقيبها عن البترول في غرب السودان كانت الشركة بصدَد إرسالها للولايات المتحدة لإصلاحها، ولكن إدريس استطاع إصلاحها ومن ثم نشأت بينه وبين مدير شركة "شيفرون" صلة حميمة، وكان معجباً بإدريس وبتكريس وقته للعمل وحذقه للحرفة والصنعة. ويبدو أنه -أي مدير شركة "شيفرون" -كان يُحسِن الظن بالشعب السوداني ويظن أنه كله على شاكلة العم إدريس في حب العمل والتفاني فيه حتى عايش بعض الأحداث الطريفة التي أثبتت له للأسف أن العم إدريس يعتبر في عُرف شعبنا الأبيّ حالة نادرة يتوجب الوقوف عندها.

إن إدريس الذي ظل يعمل حوالي ثماني عشرة ساعة يومياً حتى أُخريات أيامه ، لم يتأخر خلالها أو يتغيب يوماً عن العمل، كان يُمثِّل القدوة والنموذج الحي لعمال مصنعه، وقد أحاطهم بحنانٍ أبويٍّ خاص جعله مُلِمّاً بكل ظروفهم ومناسباتهم. لا تغفَل عينه عن احتياجاتهم، يعيش بينهم حياة البسيط، فلا عجب أن احترموه احتراماً كاملاً وأحبوه وأحبوا العمل في شخصه. وفي مجتمعه، ظَل ابن البلد السوداني الأصيل يُشارك في أفراحه وأتراحه بماله وبما يسمح به القليل والقليل جداً من وقته.

بقي أن أُضيف أن إدريس الهادي هو الابن الوحيد للسيدة "بتول محمد عيسى" التي وُلِدَت في مدينة "رفاعة" عام 1906، وتلقَّت تعليمها الأولي بمدرسة الشيخ بابكر بدري، ثمَّ انتقلت بعد ذلك إلى مدينة أم درمان لتلتحق بالدفعة الثالثة بمدرسة القابلات.
السيدة "بتول محمد عيسى" كانت مثالاً حياً للقابلة التي تتميَّز بالتفاني والإخلاص في العمل إلى جانب كفاءتها التي أهَّلتها لتدريب عددٍ كبير من "الأطباء" الذين يعملون في مجال التوليد آنذاك.

وفي عام 1946 شَغَلت منصب ناظرة "مدرسة القابلات بأمدرمان"، ومن هناك عمِلَت على تشجيع النساء السودانيات للالتحاق بمدرسة القابلات حتى يتمكَن من ممارسة مهنة التوليد على أُسسٍ حديثة وصحية، ونجحت في ذلك إلى حدٍّ كبير.
وحريٌّ بالذكر أن السيدة بتول محمد عيسى كانت من أوائل السودانيات اللائي استعملن الدرَّاجة كوسيلة عملية للتنقل الذي تقتضيه واجبات مهنتها وذلك في عام 1937.

هذه شذراتٌ مما تحفل به سيرة تلك المرأة العظيمة التي ناهزَت المائة عام عند وفاتها عام 1998، والتي ظلَّت حتى أواخر عمرها ورغم أمراض الشيخوخة تزور مدرسة القابلات بأمدرمان من حينٍ لآخر، تزوِّد المعلِّمات بما لديها من عِلمٍ وخِبرة، هذا إلى جانب معاشها الذي ارتأت منذ أربعين عاماً أن تتبرَّع به للمدرسة للمساهمة في النهوض بالخَدَمات الخاصة بالعنابِر وتحسين المرافق. وكذلك كان دأبها مع أي منحةٍ مالية أو مكافأة حصلت عليها.

ساعدها ذكاؤها الفطري فعلمَّت نفسها الإنجليزية وتحدثتها بطلاقة كما فعل ابنها.
وهكذا جاء العامل الوراثي مع العامل المُكتسَب ليجعلا الصورة طبق الأصل.
ـــــــــــــــــــــ
*توفي العم إدريس الهادي عام 2001.

بدور عبدالمنعم عبداللطيف
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2870

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1388682 [حسن حامد يوسف]
3.00/5 (1 صوت)

12-21-2015 04:34 PM
سطرت كلماتك واقعاملموس فى حياتنا فى عدم المبالاة وعدم اهتمامنا بقيمة العمل والوقت وادريس الهادى كان علما ومثالا يحتذى به وكنا صغار نذكرة بالبرج الحديدى بصينية تقاطع شارع الاربعين بالعرضة عند الارسالية (التيجانى الماحى) حاليا رحمة تغشاهمن رب كريم بقدر ما قدم

[حسن حامد يوسف]

#1388598 [جاغريو]
5.00/5 (3 صوت)

12-21-2015 02:16 PM
ابحثي عن الادارة تجدي سبب هذا التسيب والخمول،فسحة الفطور في المرافق الحكومية اكثر من ساعتين كاملتين ولكن بالرغم من ذلك كانت هناك صور مشرقة،ععمالمصانع النسيج زمان وعمال مصانع السكر والغريبة في الامر ان ملاك المشاريع في اثيوبيا كانوا يفضلون الجنقو علي العمال الاثيوبيين،لماذا ?لانهم كانوا اكثر قدرة لتحمل الاجواء الصعبة،عاصرت خالي الفلاح الذي كان يخرج لمزرعته الساعة الخامسة ولا يعود الا الساعة الخامسة مساء صيفا كان او شتاء،في صباي عملت وكما غيري في المونة،اليومية لا تكفي طلب فول وقيسي علي ذلك،لاحظت ان عمال المشاريع يتجنبون عمل اليومية ويصرون علي القوال او المقاولة!لماذا?حتي ينهوا العمل في اسرع وقت،،محلات الحلويات والفطائر من كان يديرها قبل الشوام?الافران والمخابز!الم يكونوا سودانيين..لا يمكنك ان تقيم اداء العامل السوداني الا اذا جربت يوما ما ان تكون عاملا،حفز العامل بالمرتب الجيد ومن ثم قيمه

[جاغريو]

بدور عبدالمنعم عبداللطيف
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة