المقالات
السياسة
الأحزاب السودانية .. هل إلى إصلاح من سبيل؟ (1)
الأحزاب السودانية .. هل إلى إصلاح من سبيل؟ (1)
11-01-2015 01:08 PM


يعرف بعض علماء السياسة الحزب السياسي بأنه: (عبارة عن تنظيم يضم مجموعة من الأفراد لها تصور فكري مشترك وتعمل على تعبئة الرأي العام لصالحها، من أجل الوصول الى السلطة وتنفيذ برامج ورؤى محددة). وإذا حاولنا تطبيق هذا التعريف على الأحزاب السودانية لوجدنا أن معظمها يخبط خبط عشواء؛ نظراً لأنها يعوزها التصور الفكري الذي يمكن أن يقوم عليه حزب سياسي فاعل. فمن المعلوم أن نشأة الأحزاب السودانية تزامنت مع الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، وتوفرت لها في بادئ الأمر قيادات وشخصيات تميزت بقدر عال من الكاريزما والوعي والوطنية والثقافة والإدراك السياسي، وكان لديهم أجماع شبه تام على نيل الاستقلال والفكاك من ربقة الاستعمار؛ إلا أنه، في ذات الوقت، صاحبتها أوضاع غير مواتية بتاتاً؛ منها الوضع القبلي والطائفي السائد في البلاد. ومما يلاحظ على الأحزاب السياسية التقليدية في السودان أنها فشلت في الارتقاء بالشعب السوداني من المستوى القبلي إلى المستوى الوطني؛ فقد استأثر كل من الحزبين الكبيرين بمجموعة من القبائل في جهة معينة من البلاد. فعلى سبيل المثال، نجد أن حزب الأمة يتمتع بنفوذ واسع في بعض المناطق كالنيل الأبيض وغرب السودان عموماً، ليس فقط سياسياً؛ ولكن حتى من حيث الفكر والمظهر. وينطبق ذات الشيء على الحزب الوطني الإتحادي أو بالأحرى الإتحادي الديمقراطي الذي توجد مناطق نفوذه في بعض أجزاء الوسط والشمال والشرق! وهذا يعني أن الممارسة الحزبية عززت مفهوم القبلية والجهوية في الوقت الذي ينبغي أن تكون فيه الأحزاب مواعين وطنية تستوعب كافة الفوارق الاجتماعية التي من شأنها الحيلولة دون وحدة ضمير الأمة. ومن الأمور التي أعاقت تطور الأحزاب، هيمنة القوى الأجنبية عليها، خاصة دولتا الحكم الثنائي، بريطانيا ومصر، إذ كانت كل واحدة منهما تسعى لإيجاد موالين لها في صفوف الحركة الوطنية. فقد ساندت كل من الدولتين مجموعة من الكيانات السودانية التي كانت تتنافس في الساحة السياسية، سواء عبر قلم المخابرات أو عن طريق الإغراء والمال والمناصب! وسعت بريطانيا على وجه الخصوص لعزل الجنوب عن الشمال عبر قانون المناطق المقفلة؛ وبذلك أعاقت تواصل أبناء السودان وانصهارهم في بوتقة الوطنية، وغرست بينهم الفرقة والشتات حتى حصلت أحداث مؤسفة ظلت تؤثر على سير العملية السياسية في السودان حتى اللحظة الراهنة. ومع توفر حسن النية والإخلاص والحس الوطني، لدى قادة الأحزاب، لم يكن لديهم أيديولوجية أو استراتيجية أو منهج أو خطة واضحة لإدارة البلاد وتنميتها والنهوض بها من وهدة التخلف. فقد كانت الشعارات المرفوعة في الأوساط الحزبية هي تحديداً ( الجلاء والسودنة والاستقلال) دون ذكر لخطط تنموية أو نهضة، واستمر هذا الوضع حتى بعدما نال السودان استقلاله وصار الأمر بيد الحكومات الوطنية المتعاقبة، المدني منها والعسكري. إننا نعلم أن الحكومات الوطنية قد ورثت خدمة مدنية متميزة وبنية تحتية لا بأس بها، وتعليماً راقياً، ومشاريع عملاقة، كان من الممكن أن تكون أساساً لنهضة شاملة، مستفيدة من موارد البلاد وإمكانياتها! وكما هو معلوم لدى كثير من المهتمين بالشأن السياسي، فإن كثيراً من أحزابنا، المنقرضة مثل الحزب الجمهوري قد تأسس بإيعاز من الإدارة البريطانية فاستقطب رجال الإدارة الأهلية وغيرهم ممن كانت لهم صلة بالمستعمر. أما الأحزاب القائمة فقد نشأت أساساً إما حول مواقف وأحداث تاريخية، عفا عليها الزمن، أو حول أشواق لا يمكنا تطبيقها على أرض الواقع، مثل حزب الأمة والأحزاب الإتحادية! وعلى سبيل المثال التفت مجموعة ما يعرف بالأحزاب الاستقلالية لتكوّن حزب الأمة بزعامة السيد عبد الرحمن المهدي. وهذا بكل تأكيد مسعى سياسي للتمسك بفكرة المهدية، على الرغم من أنها قد تجاوزها الزمن؛ ولكن لا يزال البعض يرفع شعاراتها؛ لأمر في نفس يعقوب، دون إيجاد بدائل فكرية عصرية يمكن أن تفضي إلى حراك سياسي يسهم في إثراء الساحة السياسية في السودان. من جانب آخر، لجأت مجموعة ما يعرف بالأحزاب الاتحادية إلى الاصطفاف خلف السيد علي الميرغني، مكونة الحزب الوطني الاتحادي، الذي دعا، في بادئ الأمر، إلى الاستقلال عن المستعمر والاتحاد مع مصر؛ إلا أن زعيم الحزب السيد إسماعيل الأزهري أعلن الاستقلال من داخل البرلمان؛ وبذلك نسف الأساس الذي قام عليه الحزب، على ما يبدو في محاولة لسحب البساط من الاستقلاليين، الأمر الذي فاجأ كل الأطراف. ومما يلاحظ على هذين الحزبين أنهما ظلا يتسيدان ساحة العمل السياسي في السودان، سواء في المعارضة أو الحكم، استناداً على الطائفية والقبلية، والتأثير الشخصي لبعض الزعامات التاريخية والوطنية، ولكنهما للأسف الشديد لم يقدما رصيداً فكرياً يصلح لأن يكون مرتكزاً لعمل سياسي. وإن كان حزب الأمة قد ارتبط بالمستعمر البريطاني، الذي كان يقدم له الدعم المالي والسياسي، فإن الاتحاديين من جانبهم قد ظلوا يقبعون تحت العباءة المصرية، ومن يريد التأكد من ذلك فليراجع مذكرات عبد اللطيف الخليفة، ليرى كيف كانت مصر تفرض هيمنتها على هذا الحزب!



[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 606

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1364278 [ابن السودان البار]
3.00/5 (1 صوت)

11-02-2015 05:07 PM
سلمت يداك علي التحليل الموضوعي بعمق. واعتراضي فقط علي تسمية الطوائف الدينية المتخلفة باحزاب ؟ هذه الطوائف من مصلحتها بقاء السودان متخلفا وقطعانها جائعة ومتخلفة حتي يدينوا لهم بالولاء ويركعوا ويبوسوا الايادي ويسبحوا بحمدهم ابتقاءا لشبر بالجنة او فاتحة من ابوعلي ؟؟؟

[ابن السودان البار]

#1363866 [ابن السودان البار]
3.00/5 (1 صوت)

11-02-2015 12:12 AM
التعريف الذي بدأت به موضوعك أخي الكريم مبتور غير كامل ومضلل ومبهم ؟؟؟ المجموعة التي يتحدث التعريف لا بد أن تكون مستنيرة ووطنية ولها برنامج وطني مدروس؟؟؟ يعني مش شوية شرامة او لصوص او صعاليك او تجار دين او عسكر سذج هدفهم السلطة والمال او مأجورين من دولة معادية او لها اطماع يمكن أن يكونوا حزب بالمعني العميق والصحيح لكلمة حزب ؟؟؟ والبرنامج لا بد من يكون برنامج وطني مدروس موضوع من قبل متخصصين كل حسب تخصصه فالاقتصادي يضع الخطط الاقتصادية وكذلك القانوني والسياسي والتجاري الخ والحزب لابد من تكون له لائحه ودستور ديمقراطي ورئيس منتخب ولجنة تنظيمية منتخبة ملتزمة بلائحة الحزب ودستوره ؟؟؟ ولا يمكن أن نسمي أي لمة فتة او لمة صعاليك لصوص بحزب ؟؟؟ لمة لا تعترف بالديمقراطية وليس لها برنامج وطني مدروس مكتوب ومنشور ليكون الولاء للبرنامج وأهدافه الوطنية فقط وليس للافراد الذين هم زائلون ؟؟؟ فإذا كان الولاء للفرد هذا يعني أن الحزب سوف يزول إذا غيب الموت هذا الفرد ؟؟؟ وللأسف الشديد الاحزاب التي أطلقت عليها لقب تقليدية هي في الواقع طوائف دينية متخلفة لا برنامج او أهداف وطنية لها انها مملوكة حصريا لأسر محددة ويطلق عليها لقب حزب الذين يجهلون التعريف الصحيح للحزب ؟؟؟ ولك التحية والاحترام .

[ابن السودان البار]

#1363700 [ناير]
0.00/5 (0 صوت)

11-01-2015 04:46 PM
عندما تعجز الدولة عن إنجاز مهامها في كل أقاليم البلاد، و يغيب العدل و القانون، و تقمع الحريات، و لا يوجد هناك طريقا لتوصيل الصوت و الرأي، يبرز العنف كأحد الأدوات السياسية، تعبيرا عن الرفض للسياسة القائمة، و تبرز الهوية كعامل مثير للجدل و لكن تثار بهدف إنها تستبطن حقوق أخرى تعجز النخبة عن إثارتها بشكل مباشر، لذلك تلجأ لقضية الهوية حتى تستطيع من خلالها إثارة جميع التظلمات، و لكن بعد الوصول إلي تفاهمات سياسية، و تتحول الدولة من الشمولية إلي الديمقراطية، و تتعدد المنابر التي تقبل الرأي الأخر، و تطرح القضايا بأريحية، تتراجع قضية الهوية، لأنها مرتبطة بالحقوق السياسية و الثقافية.

[ناير]

محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة