المقالات
السياسة
أجل الحضارة أنثى
أجل الحضارة أنثى
03-09-2016 06:31 AM


1
الحضارة أنثى. وكثير من صفات الجمال فاز بها التأنيث: فالوردة أنثى وكذا الموسيقى والنسمة التي تذهب الضجر والعناء ، كلها أنثى. ولأنّ تاريخ البشرية المعروف لدينا خضع لكثير من التحريف بيد المجتمع الذكوري منذ عصور سحيقة في القدم ، فقد صار ما نسميه الشراكة والمساواة في القسمة ينسب للرجل ولو كان فاقدا للرجولة معنى ومبنى! لذا كان الرجل هو القائم على تشريع القوانين وتفسير الكتب المقدسة بعينه هو، باخساً دور المرأة. وفي العصور الحديثة (بعد الثورة الصناعية) عرفت أمم – عبر نشر الوعي الذي قام به رجال ونساء خلدهم التاريخ – عرفت أمم قدر المرأة فسعت إلى مساواتها ولو بمقدار. بينما ارتدت أمم إلى العصور الوسطى لأن المرأة عندهم عورة وفضيحة يجب سترها في الملبس ومداراتها بعيدا عن العين!
ترى كيف يكون طول الليل لو سادت الفصول الأربعة ثقافة سلخ جلد المرأة وانتصر فقه الحيض والنفاس؟
2
تتلمذت – مذ جئت للحياة- على يد امرأة. ما كنت سأعرف مفردات الكلام لو لا صبرها على تلقيني لغتي كلمة إثر كلمة وجملة بعد جملة. وإما أخطأت أو ألحنت في الكلام صوبتني وهي تبتسم. وألهو مع رفاقي فأعود معفراً بالتراب والطين، فتدعوني للاستحمام. وأمرض كما يمرض ملايين الأطفال في هذا العالم.. تحرمني الحمّى النوم، فتسهر معي..لا يغمض لها جفن والناس نيام. ينام أبي وكل العالمين ولا تنام حتى تراني شفيت ونمت. وأكبر فيكبر حبها مع الأيام. تذكرت كل هذا حين جاءني نعيها وأنا في منفى فرضته ألعن سنوات زماننا، حين ولدت أيام النحس في بلادنا من يقتلون النساء والأطفال بدم بارد ويغتصبون الحرائر بوحشية تتبرأ منها الوحوش. جاءني نعيها عبر البحار والمحيطات، فجلست أبكي مثلما يبكي الطفل الرضيع!
اليوم هو يوم المرأة العالمي. قلت بعض الشعر في رثاء بعض من آلمني فراقهم الأبدي، إلّاكِ يا أمي! ظلت قصيدة رثائك منذ قرابة العقدين من الزمان صخرة يصعب على الكلمات تسلقها. مرثيتك من بين كل القصائد هي الوحيدة التي ظلّت قاصرة عن بلوغ سمائك.. فغلبني نظمها !
3
في يوم المرأة العالمي نحني الهامات لجنس المرأة في بلادنا ونعترف على رؤوس الأشهاد أنها شريكة النضال في كل خطوة يقوم بها الرجل السوداني في التصدي للمشروع الظلامي الذي لم يستهدف أحداً في مقتل مثلما استهدف نون النسوة. إن المشروع الظلامي الجاثم على صدر أمتنا اليوم لا يغيظه شيء مثلما يغيظه خروج المرأة من القبو ومشاركتها في نشر الوعي من البيت حتى أعلى مؤسسات التعليم وسلم المعرفة. لذا كانت سياط الإنكشارية الجدد قد اشتهت أكثر ما تشتهي أن تلهب جسد المرأة وعلى مرمى من المارة! بل إنّ عداء دولة الظلام للمرأة جعل من اغتصابها سلاحاً في حروبه العنصرية والعبثية التي ستعود وبالاً عليه..وقريباً جداً. لقد أصيب مشروع الخيبة بالذهول وأرحام نسائنا ما فتئت تلد بنات صامدات في كل محفل..مثلما أعطت رجالاً عرفوا قيمة المرأة فوضعوها فوق رمش العين.
4
التحية للمرأة السودانية أينما كانت. أذهلت صلابتها نظام النازيين الجدد – حلفاء داعش والقاعدة وكل خفافيش العصور الوسطى. مزقوا جسدها بالسياط فأرعبهم دمعها الذي غسل عارنا وفضح همجية وحش التخلف في دمائهم إن كان لهم دم. ورموا المرأة بالقنابل في المزارع والأودية في دار فور وفي جبال النوبة والأنقسنا.. فحملت فلذات أكبادها وآوتهم في الكهوف ، بدلاً من أن تعلمهم الهرب من تراب آبائهم وأجدادهم. طاردوا قلم المرأة الصحفية في بلادنا والناشطة السياسية والحقوقية بذات القدر فلم يلن لنساء السودان عود. وكاتب هذه السطور يعيد سؤاله: ترى كيف يكون طول الليل لو سادت هذا العالم ثقافة وضع المرأة على الرف إلا عند شهوة الرجل للجنس وكفِّ حاجةِ بطنه للطعام؟
5
أختم رسالتي هذه للمرأة في يومها بتحية خاصة جداً لسيدة كدت أسقط على قفاي أكثر من مرة فكانت حائطي عند الميل. وكم لفني ليل الغربة في المنافي فكانت بوصلتي وأبنائي للوطن. تحية من القلب لزوجتي وهي - مثل الآلاف من أخواتها من بنات هذا الوطن ، يعطين ولا ينتظرن رداً للجميل.
وتحية لكل النساء : صديقاتي وأخواتي وزميلات المهنة والنضال .. أينما التقيت الواحدة منهن كانت مثل بارقة الأمل بابتسامتها وحديثها الحلو وأمنياتها لي ولغيري بالنجاح. أنا مدين للمرأة بأي نجاح متواضع أنجزته في حياتي ، ومدين للمرأة بكل ومضة حلم داعبت الأشواق واللواعج في وجداني فانحنيت لأكتب ما يراه قرائي كلاماً يستحق الإشادة. كثيرات يربتن على كتفي فيمنحن حرفي من الوهج والأناقة ما أضفين عليه من سحر المرأة التي تعلمنا ما معنى أن تكون الحياة وما جدواها. فإذا كان تاريخ الرجل هو تاريخ الجيوش والحروب والدمار فإن تاريخ المرأة هو تاريخ إعمار العالم وبناء الأمل في نفوس الأجيال.
أجل ...الحضارة أنثى!

فضيلي جمّاع
لندن/ 8 مارس 2016

[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 803

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1426270 [عبود]
0.00/5 (0 صوت)

03-10-2016 12:24 AM
تعيش انت انت يا فضيلي يا رائع. نسال الله أن يكون في عون الشعب السوداني الفضل وبخاصة من عصابة الكيزان.

[عبود]

#1425976 [سودانية]
0.00/5 (0 صوت)

03-09-2016 11:45 AM
الله يجبر بي خاطرك ... انت (انسان) راقي ومتحضر
الحضارة انسان راقي بغض النظر عن جنسه...
الناس الراقية كلها فاتت البلد ...
كل مااقرا حاجة راقية ومكتوبة بوعي ونضج فكري القا الكاتبها برة البلد ...البلد مافضل فيها غير البعاعيت والكيزان وشوية ناس لسة قابضة علي جمر النضال تلمحهم من زمن لزمن ...الله يديك العافية ويرد غربتك ويزيح البلا ده من علي صدر البلد..التحية ليك والرحمة والمغفرة للوالدة

[سودانية]

#1425811 [ود يوسف]
0.00/5 (0 صوت)

03-09-2016 07:30 AM
ما أروعك ...

[ود يوسف]

فضيلي جمّاع
فضيلي جمّاع

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة