الموت في اليوم العاشر
03-10-2016 09:02 AM


في اليوم العاشر، إنتهت مراسيم إحتفال الظار، خرجت السرة تتقدم موكبا صغيرا الي نهر النيل، تقضي طقوس اليوم الاخير أن تغسل آخر أدران جسدها في النهر المقدس، لتبدأ مواسم البشارة والفرح. تقدمت بخطوات نشطة وجسد خفيف بعد أن طرحت عنها أثقال سنوات من الانتظار والامنيات الزائفة، خرجت بوجه ناصع ومشاعر جديدة وبدا كأن هواجس أكثر من ثلاثة عقود قد تبخرت مع دخان البخور وغبار الموسيقي الشيطانية التي نظفت ذاكرتها من وقائع قرن من الاحباط وفتحت بوابة الذاكرة علي مدي فسيح من أمنيات جديدة تبدو لحظة خروجها الي العالم وكأن العناية الالهية تسبغ عليها رعايتها وتحصنها ضد الزمن والنسيان.

خرجت الي ضوء الشمس المحرقة في ثوب ناصع أبيض، إرتعبت قليلا في البداية من فكرة عودتها الي الحياة الجديدة في ثوب أبيض أشبه بالكفن، لكنها مثلما تعلمت خلال عشرة أيام كيف يتحول الحزن الي أمنية قابلة للتحقيق وتتحول الذكريات الي رماد، تغلبت علي هاجس الموت الطارئ، لقد حققت في خلال عشرة أيام أمنيتين كان يمكن في ظروف عادية الا تتحققا قبل مرور قرن كامل: أن تنسي كل تفاصيل أحزانها وأن تقود مسيرة تمضي دون هدف الي المجهول ،أثناء الطقوس، شربت زجاجة ويسكي كاملة قبل ان تغرق في الرقص، وأمتشقت في اليوم الأخير سيفا طويلا كان يخص أحد أسلافها لتتوجه به الي نهر النيل.

قادت السرة الموكب الذي أغرقه صبية المدرسة الذين تبعوا الموكب أثناء عودتهم من المدرسة في جلبة أناشيد ثورية منسية خلف غطاء من موسيقي مزامير البوص وعلب الطعام الفارغة. نزلت السرة مباشرة وهي تشهر سيفها الي نهر النيل وبدت مع أشعة الشمس الغاربة مثل قائد يستعد لخوض غمار آخر معاركه الخاسرة.

هبت نسمة أطارت خصلات شعرها فاندلقت الخصلات الذهبية فوق الخيوط الواهنة لاخر ومضات الشمس الغاربة، فبدت أشبه بآخر يوم سعيد في حياتها الاولي قبل عشر سنوات، اليوم الذي ستعرّفه لاحقا في متاهة الانتظار بأنه اليوم الذي عقد فيه زواجها علي رجل ميت!

كان ذلك صحيحا .. ففي اللحظة التي أعلن فيها المأذون أن السرة عثمان الفضل، البنت البالغ قد أصبحت زوجا لابن عمها سعيد وانطلقت الزغاريد تمزق رتابة الحياة في موسم الشتاء، في تلك اللحظة تحديدا كان سعيد يرقد في المشرحة وقد تجمد الدم في الثقب الذي أحدثته الرصاصة في صدغه الأيمن، في جيبه كانت ترقد آخر المنشورات التي لم يتمكن من توزيعها، وفي محفظته التي سرقها رجل الأمن الذي أطلق عليه النار كانت ضمن اوراقه ونقوده ترقد صورة فتاة باهتة الملامح مكتوب عليها أن تبقي في الانتظار حتي الموت.

إحتاجت لعشرة أيام لتفرغ فيها مرارة عشرة أعوام، كل يوم مقابل عام كامل، تساقطت في حمي غبار الرقص، وفوضي ضربات الطبول تفاصيل الحياة البائسة التي قضتها في انتظار يائس علي أمل أن تصل رسالة تكذّب خبر موته أو أن تحدث كارثة تهز العالم كله من حولها لتستيقظ من هول الكابوس الذي تعيشه.

تقدمت السرة المسيرة المنهكة بسبب القيظ، وبدت أثناء خروجها علي رأس الموكب من غابة أشجار المسكيت وكأنها تقود جيشا من الغبار يتقدم لغزو النهر العجوز النائم في سبات قيلولته.

أيقظت ضجة الطبول وصراخ الصبية النهر فتبعثرت في وجهه موجات قوية تحطمت علي جدار الشاطئ قبل أن يستعيد صفاءه وينفض عن وجهه برفق الفراشات النائمة وطيور الرهو والسمّان المهاجرة.

تقدمت السرة المسيرة وحين إندلعت صورة نهر النيل أمامها شعرت أنها لم تكن تقود المسيرة، لكن قدرا غامضا كان هو الذي يقودها ويقود الموكب وضربات الطبول وصراخ الصبية وأنغام مزاميرهم بخيوط خفية تختلط مع أشعة الشمس ورائحة أسشجار الصفصاف ك ، أعادها مشهد النهر عدة أعوام الي الوراء فرأت نفسها تصارع كي تبقى علي قيد الحياة، بعد أن باعت تدريجيا كل الاثاث المنزلي الذي اشترته لبيتها، تذكرت عراك الديوك في الاسواق التي كانت تحمل اليها بضاعتها الكاسدة من الحلوي وأعواد قصب السكر وقشور الفواكه المجففة.

رأت أمها المريضة بحمي الملاريا، تنهض من فراشها متغلبة علي قهر الشيخوخة والمرض لتساعدها لتخرج من بيات أحزانها الطويل. ترسل النقود القليلة التي اقتصدتها بدلا من شراء دواء للملاريا، ترسلها مع الصبية لشراء حجارة بطارية ليعمل جهاز الراديو القديم في البيت حتي لا يزحف سكون الموت الي المكان. تسحبها من يدها مثل طفلة لتطوفا القرية الغارقة في جحيم القيظ ، تغني لها في ضوء القمر نفس الأغنيات التي كانت تغنيها لها في طفولتها، تغرقها في أخبار تنسج الجزء الاكبر منها بنفسها وتجمع خيوط أجزاء اخري من النسوة اللائي ثابرن علي زيارتها أحيانا خاصة في الصيف وفي الأعياد، رغم انها لم تعد تذكر أسماء أكثرهن أو حتي تفاصيل الذكريات السعيدة التي جمعتها بهن.

تحاول عن طريق مشاعرها الجديدة وهي تقود المسيرة شاهرة سيفها أن تواري ذكريات حياتها الاولي في النسيان لكن صفحة النهر التي استعادت هدوءها بدت مثل ذاكرة بديلة لا يتسرب اليها النسيان، مثل مرآة لتفاصيل زمان دفنته من خلفها في قرع الطبول وهياج الرقص والامنيات الجديدة، رأت علي صفحة الماء وجه ذاك الشاب الطيب، الذي يعمل مدرسا في مدرسة القرية، تري بوضوح تفاصيل أول زيارة له: جاء الي البيت ذات صباح بوجهه الطيب المتعب وملابسه القديمة والمعول الذي كان يحمله في يده لأنه كان قادما للتو من المزرعة، قال ردا علي تساؤل أمها:

لا أستطيع الذهاب الي المدرسة هذه الايام قبل أن أفرغ من زراعة المحصول!.

وجدتها أمها سانحة لتتعرف علي العالم المنسي خلف باب البيت: وهل لا يسبب ذلك مشكلة مع المدرسة؟.

ضحك الشاب الطيب وقال: لا يوجد من يعمل في مهنة مدرس، ما يعطونه من مقابل مادي لا يساوي ثمن الخبز ولا لبضع أيام وضحك قبل أن يحكي:

ذات مرة كنت ذاهبا الي المدينة، طلب مني رجل مسن أن أتسلم نيابة عنه معاشه الشهري، كان قد أفني عمره كله في مهنة التدريس قبل ان يتقاعد قبل اعوام، بعد أن فرغت من مهمتي في المدينة ذهبت لاتسلم المعاش، حسبت أن مبلغ المعاش ضخم جدا حين طلب مني الموظف المسئول أن أحضر شاهدا يوقع علي استلامي للمبلغ، ترددت قليلا قبل ان أخرج وسألته عن قيمة المعاش، لم استطع تمالك نفسي من الضحك حين ذكر لي المبلغ، بضع جنيهات هي ربع المبلغ الذي دفعته أنا ثمنا لتذكرة الوصول الي المدينة بالحافلة، لو أن الرجل المسن حضر بنفسه وتسلم المبلغ لاحتاج أن يعود الي القرية ماشيا علي قدميه!.

قلت للموظف : لن أحضر شاهدا وا ذا لم تسلمني المبلغ سأدفعه للرجل المسن من جيبي! عندها رضخ الموظف وسلمني المبلغّ.

حين فتحت السرة باب البيت وطالعها الوجه المغطي بتراب أمشير حسبت في البداية أن الرياح العاتية التي اجتاحت القرية منذ الصباح هي التي دفعت بهذا الرجل الي بيتهم دون هدف. أزاحت جسدها من امامه وفتحت الباب الصغير علي مصراعيه، تأكدت فكرتها حين اندلق جسده داخلا بفعل الريح دون ان يبدو عليه أنه كان يملك سيطرة علي جسده القادم بفضل ريح أمشير.

جلس مع أمها التي كانت تهذي من الحمي لحظة دخوله ثم استعادت نفسها وشربت قليلا من مغلي العرديب ووضعت السعوط في فمها وبدأت تجاذب المدرس الشاب أطراف الحديث.

كان يتحدث بلهجة مزارع بسيط، يقول الحمد لله أن الرياح هبت، لأنها تكافح مرض (العسلة) الذي يقضي علي محصول الفول المصري.

تسأله العجوز وهل زرعت مساحة كبيرة من الفول؟

ضحك المدرس الشاب وقال: اذا كنت تقصدين الارض الصغيرة أمام بيتنا فأنا لم استطع زراعتها هذا العام بسبب غلاء مدخلات الزراعة، ذهبت الي المشروع الزراعي واشارك مع مزارع آخر في زراعة مزرعة واحدة.

ضحكت العجوز وقالت: أليس هو نفس المشروع الذي كنت تريد نزعه قبل سنوات من صاحبه وتحويله الي شركة تعاونية؟

ضحك المدرس الشاب وقال: تماما، كنا عائدين للتو من دراستنا وكان الزمان يبدو مبشرا، ورأينا في صاحب المشروع اقطاعيا يتحكم في قوت الناس، الان هو افضل من كل الاخرين لأنه وفي نهاية الموسم الفاشل كل عام لا نخسر نحن شيئا حتي لو خرجنا بقوت يوم واحد، بينما يذهب هو الي السجن وحده!

حين سمعت العجوز التي كانت تهذي من وطأة حمي الملاريا صوت خطوات القادم، عرفت انه آخر أمل لتخرج بنتها من بيات أحزانها، نفضت عن جسدها الحمي وقامت لتستقبله، شرب كوب الشاي بصوت عال تناغم مع صوت الحياة في الشتاء، وحين مدت له العجوز جهاز الراديو القديم الذي توقف منذ أيام قام باعادة ربط الخيط الذي يحرّك المؤشر فنطق الجهاز مرة اخري. وضع الراديو جانبا ونفض شال الصوف الضخم الممزق الذي يضعه حول رقبته فثارت عاصفة صغيرة داخل البيت من الغبار قبل أن يطلب يد السرة.

بدا الفرح على وجه الأم، لكن السرة لم تقل شيئا، كان ظاهرا على وجهها أنها لا تملك خيارا خارج حدود إنتظارها، مجرد التفكير في خيار آخر سيكون خطيئة. خرج الشاب الطيب علي أمل ان يعود مرة أخري . عاد عدة مرات خلال أيام كان يقوم فيها كل مرة بربط خيط جهاز الراديو،وينفض الغبار عن شال الصوف العتيق، أحضر للعجوز في المرة الثانية بضع حبات من دواء الملاريا، وملأ لها كوب الماء لتأخذ الدواء، بعد عدة زيارات بدا كأن السرة لانت قليلا لضغوط أمها وقبلت أن تجلس معه للمرة الاولي بعيدا قليلا عن أمها.

حين وضعت قدمها في الماء شعرت السرة ببرودة خارقة تخترق عظامها، وقفت قليلا أملا في أن تؤدي خطوتها الاولي في الماء الي استعادتها زمام مبادرة الذكريات، لكن صفحة النهر مضت تفتح أمامها مزيدا من الجراح، رأت صورته في المرة الاخيرة التي تراه فيها يوم مأتم أمها: نفس الوجه الطيب وشال الصوف المترب الذي يطوق عنقه وومضة الرجاء التي لازالت تنبض من عيونه.
نظرت الي الجموع الحاشدة من خلفها ومضت تحرسها الأشعة الغاربة والظلام الوليد الذي بدأ يرخي سدوله علي النهر ومن علي البعد سمعت آخر دقات الطبول وآخر أنغام مزامير البوص تضيع وراءها في عتمة النهر.


للحصول على نسخ بي دي اف من بعض اصداراتي رجاء زيارة صفحتي
https://www.facebook.com/ortoot?ref=aymt_homepage_panel
[email protected]



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2108

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1426720 [سوداني]
4.18/5 (8 صوت)

03-10-2016 09:58 PM
سرد متمكن ورائع كما عودنا احمد الملك. also very emotive. and sad
فشكرا.

تصويبات:

ﺃﺳﺸﺠﺎﺭ ﺍﻟﺼﻔﺼﺎﻑ ﻙ = أشجار ﺍﻟﺼﻔﺼﺎﻑ؛
ﻓﺜﺎﺭﺕ ﻋﺎﺻﻔﺔ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺒﺎﺭ =
ﻓﺜﺎﺭﺕ ﻋﺎﺻﻔﺔ ﺻﻐﻴﺮﺓ من الغبار ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺒﻴﺖ

[سوداني]

أحمد الملك
أحمد الملك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة