المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
صلاح الدين عووضة
حب في الكنيسة..!ا
حب في الكنيسة..!ا
03-26-2011 01:19 PM

بالمنطق

حب في الكنيسة..!!

صلاح عووضة

٭ زميل صبانا «وهبة» كان يعشق مسيحيةً في زمان مضى بتلك البلدة المتبتلة في محراب النيل حيث ترسو الجواري في البحر كالأعلام..
٭ كان حبا من طرف واحد بما انه كان يكتفي بنظرات والهة يصوبها نحوها حين تلج الكنيسة ـ أيام الآحاد ـ وحين تخرج منها..
٭ وحب فتانا هذا لـ «ماجدة» ما كان ليعنينا في شيء لو انه تركنا في حالنا ولم يزج بنا في عشق لا ناقة لنا فيه ولا جمل..
٭ فهو كان يلح علينا بسماجة ان نرافقه الى الكنيسة صباح كل أحد، ثم نبقى لدى بابها حتى تنسرب متهاديةً فتاته نحو عربة أهلها «الجيب» القابعة بالخارج..
٭ نعم؛ فقد كانت تتهادى في مشيها حين تخرج من الكنيسة دون أن نعلم نحن إن كان التهادي ذاك بسبب رضا عن واجباتٍ دينية أدتها بالداخل، أم رضا عن حاجياتٍ غرامية يؤديها تجاهها عاشقنا الولهان بالخارج..
٭ ومرت «آحاد» على هذا الحال حتى بلغ الهيام الوهبوي من العمر حولاً..
٭ ورغم أن ماجدة وهبة لم تكن أكثر جمالاً من ماجدة الأخرى «المسيحية» التي كان أهلها جيراناً لنا إلا أن حب الناس ـ كما يقولون ـ مذاهب..
٭ وماجدة الأخرى هذه كان أهلها متداخلين مع الجيران ـ من المسلمين ـ تداخلاً تظن معه أنهم قد أضحوا على دين الإسلام..
٭ والجيران المسلمون هؤلاء كانوا متداخلين كذلك مع أهل ماجدة تداخلاً تظن معه أنهم قد أضحوا على دين المسيحية..
٭ ففي عصارى رمضان ـ مثلاً ـ كان والد ماجدة يُخرج فرشه وإفطاره إلى حيث مكان الإفطار الجماعي بالحي..
٭ وفي أعياد مولد المسيح كان أهل الحي يتدافعون نحو منزل أهل ماجدة محملين بالهدايا والأطعمة..
٭ وحين كانت تبصرنا ماجدة هذه بجوار الكنيسة صباح كل أحد كانت تغمر وجهها الطفولي أمارات الدهشة دون أن تفصح يوماً عما كان يعتمل في دواخلها في اللحظات تلك..
٭ ربما ظنت أننا نود حضور القداس ويحول بيننا وبين ذلك حائل تعلمه..
٭ أو ربما ظنت أن الفضول هو حادينا ـ غدواً ورواحاً ـ صباحات كل أحد..
٭ أو لعلها ظنت أكثر من ذلك مما نحن منه بُرآء إلا واحداً منا يستحق أن نقول فيه «الله يجازي اللي كان السبب»..
٭ ومن بين غيوم السنوات التي تراكمت على الذاكرة ألمح وقائع متفرقة قد تعين على فهم ما حدث لصديقنا وهبة بعد ذلك..
٭ فها نحن نصعد يوماً الدرج المؤدي إلى الدهليز الرئيسي للكنيسة الحجرية العتيقة رضوخاً لرغبة لدى وهبة مشفوعة بالدموع..
٭ فقد أراد يوماً ـ خلاف أيام القداس ـ أن يستنشق عبق المكان الذي «يحتوي» معشوقته كل أحد حسب قوله..
٭ وأن يتنسم أريجها الذي يتماهى مع ذلك العبق..
٭ وأن يستشعر وجودها في قاعة القداس ذات المقاعد الخشبية..
٭ ثم ها نحن نسير بحذر بين أبواب مغلقة صغيرة على جانبي الدهليز والصمت المطبق له «طنين» في الآذان..
٭ ويفضي الدهليز إلى بهو واسع «بارد» نستشعر إزاءه رهبة تكاد تدفعنا إلى التراجع..
٭ وصرير «مرعب» يُفجِّر سكون المكان لتلفظ العتمة أمامنا قسيساً شاباً وضيء الوجه تسبقه نحونا إبتسامة ودودة..
٭ وبعد قليل أخذ ورد يفصح كاتب هذه السطور عن أسباب الزيارة..
٭ وعن أسباب زيارات أيام القداس من كل أسبوع..
٭ ويكاد عاشق ماجدة أن يقع مغشياً عليه، أو لعله فعل..
٭ ثم أُبصرُ القسيس الشاب وهو يقود وهبة بحنوٍّ نحو الباب ذي الصرير..
٭ وبعد نحو «عام» يخرج إلينا صاحبنا وحده وابتسامة نعجز عن فهم كنهها تكسو وجهه..
٭ ويزداد هنا ضباب السنوات كثافة على الذاكرة..
٭ كل الذي أذكره الآن أننا لم نعد نذهب إلى الكنيسة العتيقة صباح كل أحد منذ اليوم ذاك..
٭ ولم أر ـ أنا شخصياً ـ ماجدة مرة أخرى إلا أمسية حفل زفاف ماجدة جارتنا..
٭ كان ذلك بعد سنوات عديدة من يوم اقتحامنا الكنيسة..
٭ وطوال السنوات هذه لم أعد أدري ما حل بوهبة بعد أن نُقل والده إلى مدينة أخرى لا تدوي في أرجائها صافرات من جهة النيل..
٭ ولكن بالأمس ـ وهذا هو سبب كلمتنا هذه ـ صادفت رفيقاً من رفاق صبا تلكم الأيام ليخبرني أن وهبة، وزوجه ماجدة، وأبناءهما قدموا للاستقرار في الوطن بعد طول تغرُّب..
٭ وتعمدت ألا أسأل محدثي عمن تكون ماجدة هذي حتى أفسح للخيال مجالاً لاختيار تتمة جميلة لقصة جميلة..
٭ فالواقع حين يكون جميلاً لا يجب أن نضن عليه بخيال يناسبه جمالاً..
٭ واقع التعايش الديني في السودان قياساً إلى ما نرى من حولنا..
٭ ودوت في الذاكرة رنّة ناقوس لها صليل..
٭ وأعقبتها صافرة ذات «ارتواء»..

الصحافة


تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 3437

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#118113 [mohammed]
0.00/5 (0 صوت)

03-27-2011 10:11 PM
يديك العافية ياعوووووووووووضة و اجمل شي انك ماسالت عن الاسم


#117966 [الزول السمح ( الأصل )]
0.00/5 (0 صوت)

03-27-2011 03:49 PM

يا ود عوووضة

هذا سردُ بخيال شاعر....( ذكرتنى أغنية الأسكلا وحلا)..

أهدى هذا الإبداع لياسر وباقان

مسكاكمي


#117645 [تغير]
0.00/5 (0 صوت)

03-27-2011 01:25 AM
استاذ عووضة رغم الابداع فى لسرد اعتقد ان المقال يحمل فى طياته شفرة يفهمها الاذكياء فقط


#117582 [أبورماز]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2011 08:35 PM
أبدعت يا أستاذ عووضه .. ياخى إيه رأيك تخصص لينا يوم فى الإسبوع لمثل هذه الكتابات .. على الأقل ننسى إنو نحن فى016667 بلد يحكمه أعداء الجمال ..........


#117559 [محمد ابوشريعة]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2011 07:26 PM
حقاً انت اكثر من رائع شكرا شكرا شكرا شكرا


#117515 [سعودى]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2011 05:26 PM
فعلا تايتنك ياكوماندو .. عووووووضة جميل عووووووضة خطير


#117469 [احمد حداد]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2011 03:09 PM
بالله عليكم خلو مني سليمان تقراء هذا السرد الرائع وارجو من الكاتبة مني سليمان ان تذاكر جيد قبل ان تكتب سخافاتها تلك


ردود على احمد حداد
Sudan [منعم] 03-27-2011 06:26 PM
أحترمك يا جميل وأعتز بك كثيراً أن يكون لي ني بلد يدونون ويتحاورون لكن ان تجرح إنسان ومن الانسان صحفي وهي \"منى سلمان هي كاتبة أنيقة القلم ذات النص الحصين نحترمها كصحفية محايدة لحد كبير بقدر ما تسمح به خاصرة الوطن المكلومة
اعيد عليك إحترامي وودي وأترف لك اني لم أقراء لها منذ أكثر من عام لكني لا احمل عليها شيء لكن الظروف حملتني على فعل ذلك أرجوك الا تعرض بصحفياً لرقة هؤلاء الناس
ونتواصل
منعم
[email protected]


#117450 [كوماندو]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2011 02:31 PM
روعة فى السرد ....
غايتو السودانيين ديل الواحد تلقاهو اديب كبير بس ما ملمع نفسو....
شكرا الاستاذ عووضة على اهدائنا تذكرة الركوب فى هذه التيتانك المحلية....
تحريمة:انا عرفت المدينة المذكورة،اقولو؟؟؟
اولها كاف وكانت ملتقى طرق مواصلات لم الناس من كل حدب وصوب ،وهى مثال للتسامح والرقى فى التعامل بين الناس، نتمنى يعود عهدها الذهبى....


#117417 [ابو الهول]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2011 01:47 PM
استاذ عووضة
يديك الف عافية ..
واتعلمي يا الهريتينا مقالات ما فيها نكهة


صلاح عووضة
صلاح عووضة

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة