المقالات
السياسة
على هامش تكريم الدكتور منصور خالد: السودان وأفريقيا‏
على هامش تكريم الدكتور منصور خالد: السودان وأفريقيا‏
03-18-2016 07:29 PM



شهدت الخرطوم مؤخراً نشاطاً ثقافياً مكثفاً تمثل في الاحتفاء بالدكتور منصور خالد وإنجازاته ‏المعروفة في العديد من المجالات المختلفة. كانت المناسبة فرصة للاستمتاع بمساهمات طيبة ‏حول انجازات الدكتور منصور في المواقع الرسمية المختلفة التي شغلها. ويحمد للجنة المنظمة ‏للاحتفال أنها أفردت مساحات واسعة لمساهمات الدكتور منصور في المجالات الثقافية والأدبية ‏كذلك. ولعل مسك الختام كان تلك المحاضرة القيمة والمحضورة التي قدم فيها الدكتور منصور ‏عصارة خبراته السياسية ورؤيته الثاقبة حول أزمة الحكم في البلاد مقترحاً الوسائل المناسبة ‏لتجاوزها. غير أننا لا ننوي الحديث هنا عن الدكتور منصور أو إنجازاته بالرغم من أنه قد "ملأ ‏الدنيا وشغل الناس" كما كان الحال بالنسبة لشاعره المفضل أبي الطيب المتنبئ. لا شك أن ‏الاحتفاء بالدكتور منصور كان مناسبة لتسليط الضوء من جديد على الكثير من القضايا المهمة ‏في سياسات البلاد الداخلية والخارجية ، ولعل الذي يهمنا هنا هو علاقة السودان بالقارة الأفريقية ‏عبر العهود الوطنية المتعاقبة ، وما يعتري هذه العلاقات من نواقص تقتضي المعالجة العاجلة ‏إن أريد للسودان أن يلعب دوره الاقليمي المرتجى. ‏
من المعلوم أن النخبة المستنيرة في حواضر السودان وبصفة خاصة في وسط البلاد كانت ولا ‏زالت ذات ثقافة عربية جعلتها أكثر ارتباطاً بالشمال ، ولم تكن بعض مكونات الحركة الوطنية ‏قبيل الاستقلال تتردد في التعبير عن أشواق ترتبط بفكرة الوحدة العربية التي طرحت بقوة من ‏جانب القوميين العرب في ذلك الزمان ، وهي تعني في أدنى حدودها بالنسبة لهؤلاء "وحدة وادي ‏النيل" ، الشعار الذي كان يشكل تياراً مهما داخل الحركة الوطنية. لا شك أن بعض الأصوات ‏الخفيضة كانت تدعو أيضاً للارتباط بالقارة الأفريقية ، غير أن الانتماء الأفريقي كان ينظر إليه ‏على أحسن تقدير بأنه دعوة نحو التخلف. لعل ذلك كان أحد الأسباب المهمة وراء انعدام أي ‏استراتيجية واضحة للتعامل مع القارة الأفريقية في برامج الأحزاب السياسية السودانية وبالتالي ‏الحكومات التي تولدت عن هذه الأحزاب ، وذلك باستثناء بعض الاحزاب ذات التوجهات العقائدية ‏التي كانت تتبنى برامج وسياسات تدعو للعالمية وتتخطى حدود الوطن. ‏
لا شك أن ظهور مشكلة جنوب السودان قبيل الاستقلال كان من الأسباب التي انعكست ‏بصورة واضحة على سياسة السودان تجاه القارة الأفريقية ، وقد وقف "ستار الحشائش" حاجزاً ‏بين الحكومات المتعاقبة في الشمال والانفتاح على القارة. من جهة أخرى ، لا يمكن بالطبع إنكار ‏حقيقة أن الواقعية السياسية جعلت من الحرب في جنوب السودان سبباً للتعاون مع عدد من دول ‏الجوار التي كانت تعاني من مشاكل شبيهة. ظلت محنة تجاهل المكون الأفريقي في الشخصية ‏السودانية تلازم السياسة عندنا حتى يومنا هذا ، ولعل الأدهى هو محاولة البعض نكران وجود ‏هذه المشكلة من الأساس. عندما حاولت في عام 1998 نشر رسالتي للدكتوراه في شكل كتاب ‏تحت عنوان "صراع الهوية والسياسة الخارجية في السودان" رأى الناشر أن العنوان الذي اقترحته ‏ربما يقف حجر عثرة في طريق نشر الكتاب مما اضطرني للموافقة أخيراً على عنوان أكثر حياداً ‏هو "التنوع العرقي والسياسة الخارجية في السودان" خاصة بعد أن وعد الناشر بعدم المساس ‏بجوهر مادة الكتاب ، وقد أوفى الرجل بوعده.‏
كان وصول الحكومة العسكرية الثانية للحكم في مايو 1969 مرتبطاً بالأوضاع المتدهورة في ‏جنوب السودان ، لذلك فقد كان من الطبيعي أن تطرح الحكومة رؤيتها لحل المشكلة بعد ‏أسبوعين فقط على الانقلاب الذي أتى بها للحكم. جاء موقف الحكومة ضمن ما عرف باسم ‏‏"بيان التاسع من يونيو" كأول محاولة من جانبها لوضع حد للحرب في ذلك الجزء من الوطن. ‏رأى البعض أن انحياز السياسة الخارجية للحكومة في ذلك الوقت بصورة صارخة نحو العالم ‏العربي ومحاولاتها تحقيق الوحدة الكاملة مع مصر وليبيا كانت من الأسباب وراء تعثر جهودها ‏من أجل ابتدار الحوار مع القوى الجنوبية الرافضة للتوجه العروبي. غير أن ذلك لم يثن الحكومة ‏التي أثمرت جهودها عن توقيع اتفاق السلام بينها وبين حركة تحرير جنوب السودان بأديس أبابا ‏في مارس 1972 ، وقد لعبت عدة جهات دولية وأفريقية من بينها مجلس الكنائس الأفريقي دور ‏الوسيط بين الطرفين. كان التوقيع على اتفاق أديس أبابا أيذاناً بانتقال العلاقات السودانية ‏الأفريقية لمرحلة جديدة بعد زوال العوائق التي كانت تقف في طريق تطويرها.‏
من الواضح أن توقيع اتفاق أديس أبابا قاد لانفراج كبير في علاقات السودان بأفريقيا فشهدت ‏الفترة التي أعقبت التوقيع تطوراً مشهوداً في علاقات السودان مع كل دول الجوار. كما أن نقلة ‏مهمة حدثت في نوعية هذه العلاقات فبدلاً من التركيز ، كما كان الحال في السابق ، على ‏محاربة تسلل العناصر المتمردة عبر حدود دول الجوار أصبح التعاون السياسي والاقتصادي مع ‏هذه الدول هما مركز اهتمام الحكومة السودانية. بل إن بعض الكتاب ذهبوا للقول بأن الانفراج ‏الذي جاء نتيجة لتوقيع الاتفاق لم ينحصر على علاقات السودان مع الدول الأفريقية وحسب ، ‏بل انسحب على العلاقات العربية الأفريقية ككل. ويدلل هؤلاء على نجاح مؤتمر القمة الافريقية ‏في الرباط والحملة الأفريقية الجماعية لقطع العلاقات مع إسرائيل في أعقاب الحرب العربية ‏الاسرائيلية في اكتوبر 1973 وهو الأمر الذي كانوا يرونه مستحيلاً في ظل الحرب المشتعلة في ‏الجنوب.‏
الآن وقد ذهب الجنوب إلى غير رجعة فيما يبدو بعد الانفصال بين شقي البلاد ، فإن أهمية ‏دولة جنوب السودان بالنسبة لعلاقات السودان الأفريقية تظل كما كانت دون أي تغيير. لذلك فإن ‏المصلحة الوطنية تقتضي أن تتعامل الحكومة السودانية مع هذا الأمر بالحكمة المطلوبة. ومع أن ‏الدولتين تتهمان بعضهما البعض بدعم العناصر المعارضة في كل منهما فإن ذلك يجب ألا ‏يكون سبباً للقطيعة بينهما. اتخذت الحكومة السودانية مؤخراً قرارات مهمة فيما يتصل بكيفية ‏معاملة المواطن الجنوبي في الشمال ، وهددت بإغلاق الحدود بين البلدين. ومع أن القرارات ‏المذكورة والتهديد بإغلاق الحدود قد تكون مبررة بسبب موقف حكومة جنوب السودان الداعم ‏للحركات المسلحة في بعض مناطق السودان ، إلا أن ضررها لن ينحصر على حكومة جنوب ‏السودان فقط. لا شك أن تدهور العلاقات بين البلدين قد يقود للمزيد من التوتر ، الأمر الذي ‏سينعكس دون أدنى شك على المواطنين في البلدين كما أنه قد يشكل ، كما أثبتت التجربة من ‏قبل ، عقبة كؤوداً أمام تطوير علاقات السودان الأفريقية بصورة عامة.‏
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1865

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1431182 [السماك]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2016 08:25 AM
"لا شك أن بعض الأصوات ‏الخفيضة كانت تدعو أيضاً للارتباط بالقارة الأفريقية ، غير أن الانتماء الأفريقي كان ينظر إليه ‏على أحسن تقدير بأنه دعوة نحو التخلف".

لم ينظر السودانيون يوماً إلى الانتماء الأفريقي على أنه نوع من التخلف .. أنما نظر الغالبية المثقفة وغير المثقفة إليه على الدوام من خلال منظور عنصري وهو أمر متجذر في عقلية غالبية الشمالية ..

زمان في الستينات عندما تقول لواحد من "عرب" البطانة أو الدامر "أنت سوداني" يبادر إلى النفي بشدة وبلهجة استنكارية قائلاً "أنا ما سوداني .. أنا عربي"!!

قصدت بهذا أن أطرح سؤالاً على المثقفين الشمالية: لماذا نصر على نكران الحقائق وكأن ذلك ينفي عن الحقيقة صفة الحقيقة؟؟ هذا غش على النفس قبل أن يكون غش للآخرين ..

الأمريكان اعترفوا بما فعلوا بالهنود الحمر في أرضهم .. واعترفوا باستعباد الأفارقة وتسخيرهم في خدمة الاقتصاد الأمريكي لقرون .. إعترفوا بذلك لأن الإعتراف هو الوسيلة الناجعة لإزالة العقد النفسية وغسل نجاسة العقل البشري ..

أمثال تزويغ الكلام بهذه الطريقة شائعة عند السودانيين الشمالية.

[السماك]

#1431042 [سيكو]
0.00/5 (0 صوت)

03-19-2016 09:59 PM
يا جماعة صحل شنو في مقترح تكريم الدكتورة سعاد الفاتح وإطلاق لقب "أم أفريقيا" عليها؟؟

قالوا أم أفريقيا قالوا

[سيكو]

#1430832 [nagisidahmad]
0.00/5 (0 صوت)

03-19-2016 10:22 AM
قال الشاعر :

وهل يهرب الانسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء
هذا حالنا نحن السودانيون ظللنا وما زلنا في متاهة لا خروج منها إلا إذا غيرنا تربيتنا التقليدية وتاريخنا الشفاهي الذي نتلقاه من الأجداد والحبوبات في جلسات الونسة والتهكم من بني البشر وكأننا ملائكة ما خلق الله غيرنا في الدنيا .

فإذا جاء الحديث عن الدين يقول لك من لم يصلي الفجر يوما في وقته أنه تعلم القرآن في خلوة جده الرجل الصالح ... إلخ

وإذا جاء الحديث عن الأصل والعرق والأصل والقبيلة يقول لك أن اصله أصل كريم ينتهي في النبي محمد صلي الله عليه وسلم ,,,

وغذا جاء إلي السودان فريق كرة قدم من جنوب أفريقيا أو نيجيريا يقولون لك فريقنا سوف يتغلب علي هؤلاء الأفارقة.

إنفصام ديني وإنفصام جغراف وعرقي ؟؟؟!!!

إنفصام لا يأبه به ولا يستوعبه حتي حاملي الدرجات العليا في أميز التخصصات ذلك لتمكن ذلك الانفصام منهم في مركز اللاوعي حتي صار جزءاً من وعيهم وثقافاتهم ,,, فتأتيهم صدمة داوية عندما تطأ أقدامهم مطارات أوروبا وقبل أن يلجوا إلي داخل البلد الأوروبي يتفاجأون بالاستمارة التي عليهم تعبئتها وهي مكونة من ثلاثة خانات تختار واحدة منها : وهي : أأنت من أصل 1/أبيض , 2/ أسود , 3/ أسيوي.

وليس ذلك علي سبيل العنصرية او التمييز العنصري .

ولو كنا مسلمين حقاً فمالنا والعنصر أو العرق ,,, ربنا واحد وأمنا حواء وأبونا آدم , ولن يقبل الله تدينك لو كنت لا تؤمن بتلك الحقائق المعلومة من الدين بالضرورة ,,, أو تكون غير مؤمن بالله وبالتالي فأنت وإبليس سواء , لأن ابليس لم يتعالي علي عرق بل تعالي علي البني آدم ومادة خلق البني آدم ... تعالي علي البني آدم ابيضه وأسوده واصفره لأنه طين ,,,, كما يقال " كلكم عند ابليس طين " قياساً علي المثل العامي " كلو عند العرب صابون ".

ولكن السودانيون يصرون علي كسر أنف الحقيقة .

نعم لا ينكر إلا مكابر أن هنالك سودانيون عرب أو أصولهم عربية ولكن الجغرافيا جعلتنا أفارقة وتصاهر أجدادنا مع أجدادنا الأفارقة فصرنا هجينا,,,
فلا يستقيم أن تكون تحت سماء افريقيا و تأبي الانتماء لها لأن البلاد العربية أيا كانت لا تعاملك إلا كأجنبي ,

ثم أن الإنتماء إلي افريقيا كبلد والتعاون مع أخوانا الأفارقة باحترام علي قدم المساواة مع أخواننا العرب يحقق لنا المكاسب هنا وهناك ويقود إلي المصاهرة والاندماج فكلنا أمة واحدة أمة محمد (ص)رضي أم ابي أصحاب الملل الأخري في افريقيا , آسيا , أوروبا أمريكا , أستراليا وكل بقاع الأرض .

[nagisidahmad]

#1430721 [عمدة]
0.00/5 (0 صوت)

03-19-2016 12:03 AM
((الاحتفاء بالدكتور منصور خالد وإنجازاته ‏المعروفة في العديد من المجالات المختلفة. كانت المناسبة فرصة للاستمتاع بمساهمات طيبة ‏حول انجازات الدكتور منصور في المواقع الرسمية المختلفة التي شغلها. ))

لقد درج الكثيرون على ترديد هذه العبارات او ما معناها ولم يفتح الله على اى منهم ان يذكر لنا واحدا من هذه الانجازات. وكل من تسأله ذكر الانجازات يهرب بأن المجال لا يتسع لذكرها.

والحقيقة نجد كثيرا من الهالات الكاذبة حول كثير من الشخصيات (المصنوعة) المعاصرة بينما مات كثير من الذين قدموا للبلاد اجل الخدمات دون ان يذكرهم احد.

وهكذا تستمر عمليات تزوير التاريخ الى ما لا نهاية.

[عمدة]

ردود على عمدة
[ابو الخير] 03-19-2016 01:06 PM
صدقت يا عمدة
هذه مجموعة من الخونة تسببوا في تدير هذا البلد الجميل
الترابي
النميري
منصور خالد
الترابي
الصادق المهدي
الميرغني
علي عثمان
عمر البشير
هذه المجموعة وكلابهم لم نرى منهم خيرا


محجوب الباشا
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة