المقالات
السياسة
دورك في الطابور ..!
دورك في الطابور ..!
03-23-2016 01:11 PM


«ليس من شر أكبر من الفوضى!» .. سوفوكليس
* وقفت طويلاً بانتظار دوري في أحد صفوف دواوين الحكومة ـ بسبب امتلاء المقاعد ـ فهب شاب كان يجلس على المعقد المخصص لصاحب المعاملة، وعرض علي الجلوس بلطف، شكرته جداً، قبل أن أعتذر عن قبول عرضة لأن ذلك الكرسي مخصص ــ فقط ــ للعميل صاحب الملف، فالموظف المسئول يحتاج إجابات شخصية دقيقة لملء بيانات هامة، وعليه فلا يصح أن يجلس على ذلك الكرسي غيره، حتى وإن كان ذلك الغير سيدة استفز وقوفها الطويل شهامته السودانية..!
* جلس الشاب اللطيف مكرهاً، وبقيت واقفة ــ أفكر في أسباب بطء سير العمل ــ قبل أن يقودني التأمل في لوحة الواقفين والجالسين إلى إجابة منطقية، مفادها أن معظم الموظفين كانوا ينحون ملفات الجالسين جانباً، ثم ينهمكون في ملء ملفات مجهولة يضعها بعض الزملاء على مكاتبهم، بينما يجلس أصحابها للثرثرة واحتساء الشاي في مكاتب مسئولين أعلى درجة ..!
* كيف تعرف بأنك أمام موظف حكومي ؟! .. حينما تقف أمامه فيقطب في وجهك وكأنهم أيقظوه من النوم كي يطفئ حريقاً، فضلاً عن لغة الخطاب التي تنذر بسوء العاقبة، وعروض المماطلة والتسويف، وتنحية معاملات أصحاب السراط المستقيم ـــ من أمثالك ــ جانباً، والانشغال بمعاملات يجلس أصحابها للثرثرة واحتساء الشاي في مكتب السيد المدير ..!
* كيف تعرف بأنك تقف في طابور سوداني؟! .. الواقفون يتململون وكأنهم ذاهبون إلى المقصلة، الصفوف عشوائية، وهي أقرب إلى الجمهرة منها إلى الطوابير، الوجوه عابسة، ولغة الحوار تبدو عدائية قبل أن يعقبها في الغالب اندلاع شجارات مفاجئة لأسباب تافهة .. يحدث هذا في طوابير معاملاتنا الرسمية كل يوم، لذلك علينا أن لا نغضب عندما ينعتنا الآخرون بأننا «شعب عشوائي لا يحترم الطوابير»..!
* بينما تعمل طوابير شعوب العالم الأول بحكمة بوذا ـــ «أن تسافر جيداً خير من أن تصل» ـــ، في اليابان مثلاً، حتى الزلزال الأخير ــ الذي اعتبر الأكثر عنفاً خلال قرن من الزمان ــ لم يحدث تغييراً يذكر في صرامة الطوابير التي اشتهر بها شعبها .. وفي بريطانيا حينما أجروا بحثاً للتدليل على انخفاض معدلات الصبر في الطوابير، لم تذكر نتائجه شيئاً عن عدم الالتزام بالأولوية في الصفوف، بل دللت على نفاذ صبر البريطانيين بلجوء معظمهم إلى التسوق ليلاً، ودفع الفواتير عبر شبكة الانترنت..!
* وحينما خرج الرئيس الأمريكي أوباما يوماً لتناول شطيرة هامبورجر في مطعم شعبي، انشغلت صحف العالم بدلالة الحدث وتداعياته، بينما انشغل الإعلام العربي بوقوف فخامة الرئيس الأمريكي ـــ بنفسه ـــ في طابور هامبورجر..!
احترام الطوابير دلالة تحضر دامغة، والعلاقة بين دقة وانتظام الطابور وتطور المجتمعات طردية، لكن كيف نطالب بسيادة حكم الطابور إن كان الذي يخرق النظام ـــ في مجتمعنا ـــ هو المسئول نفسه!.. إذا أردنا أن تشيع فينا ثقافة احترام الطوابير، علينا أن نبدأ بفوضى السلطة التنفيذية..!
الحكومات ـــ على رأي رونالد ريجان ـــ لا تحل المشاكل بل تدعمها .. وقوف المسئولين في طوابير القوانين ـــ شأنهم شأن بقية الشعب! ـــ هو الذي يصنع حضارات الشعوب .. أليس كذلك ..؟!

آخر لحظة


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1982

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1434604 [عزو]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2016 10:30 AM
مقال جميل يعكس واقع حالنا نحن السودانيون .. متين نبقى زي الناس ..

[عزو]

#1433942 [الوقوف بالصف]
0.00/5 (0 صوت)

03-24-2016 02:41 PM
في مقال مشابه لغازي القصيبي رحمه الله ذكر أنه وقف في الصف، وذكر أن العسكري المكلف بتنظيم الصف كان يعاملهم بفظاظة، بحسب أن كل شخص محترم له واسطة، ولما لم تكن محترماً لماذا احترمك. وبعد فتره عرفه العسكري فأدخله مباشرة، وذكر أن محاولته النبيلة للوقوف بالصف فشلت.

[الوقوف بالصف]

#1433435 [الحدقنو]
0.00/5 (0 صوت)

03-23-2016 04:52 PM
ذكرتيني بمقال لك قديم بعنوان : المواطن السوداني مسافر عشوائي ، أو من هذا القبيل. صفة العشوائية هي متلازمتنا الأولى وفي كل شئ.
أرجو أن تستمري في الكتابة عن عشوائياتنا الكثيرة المثيرة الخطرة، وبالتوفيق دائما.

[الحدقنو]

#1433382 [سيف الدين خواجه]
0.00/5 (0 صوت)

03-23-2016 02:58 PM
يا سيدتي الكريمه اذهبي الي جهاز المعذبين بالخارج لتعرفي انك في السودان قلنا لهم اجعلوها رسم واحد ندفعه والتقسيم بين الادارات داخليا لا حياة لمن تنادي لابد من اذلالك لاهم لنا الا تاشيرة الخروج من الجهازفهو يوم الحشر حضرت لعزاء 10ايام ضيعت في الجهاز4 ايام تصوري !!!

[سيف الدين خواجه]

منى أبو زيد
منى أبو زيد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة