المقالات
السياسة
"كيري"- لافـروف" أم "سايكس- بيـكـو". .؟
"كيري"- لافـروف" أم "سايكس- بيـكـو". .؟
03-26-2016 10:13 AM


(1)
لربّما مِن غير الواضح لدارسي التاريخ، تلك المعايير التي أفضت إلى تقسيم منطقة الهلال الخصيب في الشام بعد انهيار الخلافة العثمانية، وعرف باتفاق "سايكس- بيكو"، لعام 1916 . الاسمان –أعلمك الله- هما لوزيري الخارجية للدولتين القويتين أوانذاك: بريطانيا وفرنسا. غير أنّ عوامل عديدة أغلبها خارجية، قادت إلى اعتماد معايير استجدّتْ عبر مخاضٍ طويلٍ في تلك المنطقة، خلال حقبة الحرب الباردة، وتشكلت عبر انتماءات فرعية، صارت تؤثر على الانتماءات القومية الكبرى، وبالتالي على الدول الوطنية في المنطقة . ليس خافياً أنَّ استزراع دولة قامت على أسسٍ عنصرية ودينية واضحة مثل إسرائيل، التي - وإن لبستْ عباءات الحداثة - قد أسهم وجودها بصورة مباشرة، في إحياء الانتماءات النائمة، والتي تفرّعت عن الأوضاع التي صاغتها اتفاقيات "سايكس- بيكو" القديمة، وهي انتماءات رسّختها التقسيمات الإثنية والطائفية والمذهبية. .
(2)
تشهد منطقة الشرق الأوسط تطاحناً محتدماً ، ساحته المرئية في سوريا، وتتمدّد ساحته الافتراضية من إيران في غرب آسيا، إلى ليبيا وسواحل المتوسط، فيما الأصابع الوالغة فيه، تبدأ من موسكو وعبر عواصم أوروبا ولا تنتهي عند واشنطون. إن كان لـ"داعش" وجود جغرافي في العراق وفي سوريا ، فإن الحرب الدائرة لاحتواء نشاط القتلة الداعشيين ، تتجاوز أطراف هاتين الدولتين لتصل إلى اليمن وإلى ليبيا ، لتشكّل في صورتها الكبرى ، حرباً على الإرهاب الدوليّ بمجاميعه المعلومة والمستترة.
تتقاطع في ذلك المطامع والأجندات ، مثلما تتقاطع الأجندات المحلية للاعبين في المنطقة ، بعضهم يعي كلّ الوعي بما يحاك من خطط للتقسيم والتجزئة، وبعضهم لا يرى أبعد ممّا يرمي ظله على التراب. لكلّ من يملك عينين فإن السّاحة السورية هي السّرطان يمهّد لاعتلالٍ لا شفاء بعده إلا بقضم الأطراف ، أو يؤدّي لتشرزمٍ للطوائف، لا يورث إلا التراجع والاضمحلال.
(3)
إن كان أكراد سوريا يجنحون لإعلان فيدرالية تخصّهم، فإنّ ذلك الخيار لا يهضمه أنصار الأسـد ولا جماعات المعارضة السورية التي تستهدف القضاء عل الأسد نفسه. لعلّ لأكراد سوريا قرون استشعارٍ ذكية، قرأتْ ما عكف عليه الوسيط الدولي "دي ميستورا"، وقد أنجز هدنة هشّة، وأعدّ طاولةٍ للتفاوض تسع المستبدّ ومعارضيه، فسارعوا لفرض خيارهم في فيدرالية طرحوها بانتهازية سياسية صارخة.
ثمّة من يحسب أن المفاوضات كفيلة بإحداثِ اختراقٍ يحقق السلام الضائع منذ أكثر من سنواتٍ خمس، لكن للأكراد في شمال سوريا رأيّ آخر. لو كانت مبادرة الأكراد المتطرفة تشكل ضغطاً محسوباً لإحداث ذلك الاختراق في الأزمة السورية، فكيف يتسق ذلك مع تصريحات أمريكية، أفصحت بجلاءٍ عن النظر في خيار التقسيم، إذا لم تحقق المفاوضات أهدافها لإنهاء الاقتتال والحفاظ على وحدة التراب السوري ؟
(4)
فيما يتواصل الغزل الأمريكي الإيراني ، ثمّة أحلام تلوح في أفق تهران يتناقلها مراقبون، عن إنشاء دولة شيعية /علوية في الشام، ولربّما لن تكون أضغاث أحلام، إذا تمدّدت أحلام تهران إلى ليبيا واليمن . إن التقاطعات الإيجابية بين موسكو وواشنطون – إذا صدقت التحليلات، وتقاربت وجهات النظر، فإن اتفاقاً افتراضيا بين " كيري - لافروف" ، يتخلق بديلاً شبيهاً باتفاق "سايكس – بيكو" القديم، يحمل مخاطر التقسيم، كما قد يمنح الأسد حظوظاً عالية للبقاء في كرسيه ، بحماية الطامعين أنفسهم. .
(5)
من الخاسر إذاً. . ؟
الصورة جدّ واضحة ، فالخاسرون هم أهل المنطقة الموعودة بالتشرزم، والرّابحون هم الأبعدون القادرون على تحقيق أجنداتهم في استغلال الموارد وبسط الهيمنة. لو ملكت شعوب المنطقة أقدارها ، ولو توفرت لها مقوّمات الحكم الرشيد، شراكة ناجزة وبسطاً للحريات، لتغيّر الحال. ولو نفضتْ منظماتنا الإقليمية- بما فيها الجامعة العربية- عن عينيها غبار التجاهل والدّعة ، لأمكن لها أن تلعب أدواراً أكثر إيجابية ، فتقلل كوابحها من اندفاع الطامعين، وتصدّهم عن حياضها، وإلا فإن الخيار الآخر هو التشرزم والخروج من التاريخ والجغرافيا دفعة واحدة...
==
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1283

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




جَـمًــال مُحَـمّــد إبراهـيْـــم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة