المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
النقود موسيقي السياسة
النقود موسيقي السياسة
03-27-2011 06:45 PM

النقود موسيقي السياسة

د. حسن بشير محمد نور
[email protected]

( Money is a Music of Politics )
هناك قول يتردد كثيرا في أوساط الاقتصاد السياسي الغربي هو ان (النقود موسيقي السياسة)، هذا القول يماثل ذلك المشهور في الأوساط الشعبية بان النقود (تتحدث وترقص Money talks and playing rock \'n\' roll …)، يمكننا ان نزيد علي ذلك ونقول ان النقود في العالم الثالث هي (خبز السياسة)، ذلك نسبة الي ان الوصول للسلطة يتم بها ولأجلها كما أن هناك تزاوج حميم بين السلطة والثروة مما يزكي نار الصراع علي الحكم ويجعلها أكثر حدة ووضوحا في التشبث بها وقمع الخصوم بجميع الوسائل خاصة غير المشروعة منها. لا يختصر الأمر علي تعظيم دور النقود في الفكر الرأسمالي وإنما أدرك أهميتها بشكل جلي مؤسس النظرية الماركسية، كارل ماركس الذي أشار في مؤلفه راس المال (Das Kapital: Kritik der politischen Ökonomie) الي الدور الكبير للنقود. قال كارل ماركس في مؤلفه (رأس المال) ( النقود هي الشكل الأكثر تطورا للقيمة في شكلها الأولي البسيط)، والشكل الأكثر تطورا للقيمة المقصود به شمولية قيمتها التي ترد إليها قيم الأشياء الاخري من سلع وخدمات ، هي إذن خاضعة للعرض والطلب ومختلف شروط التبادل في السوق مثلها مثل السلع والخدمات الاخري وهذا ما أثبته تطور أسواق النقد ورأس المال اللاحق للمقولات الماركسية والذي تطور ليشمل مختلف أنواع التوريق، أشباه النقود وتجارة المشتقات المالية الي أخر أدوات التمويل التي يتم تداولها في الأسواق الثانوية. هذا التطور ادخل تعريفا إضافيا للنقود جاءت به المدرسة النقدية بقيادة ميلتون فريدمان الذي أضيف للتعريف النظري المعروف واهم ملامح التعريف العملي او التجريبي للنقود انه (هي الأشياء التي تقوم بوظائف النقود). بهذا الشكل نجد اتفاقا عاما في مختلف النظريات والمدارس الفكرية منذ إدخال النقود في التعامل مرورا بمختلف مراحل تطور المجتمعات وصولا الي الاقتصاد المالي الحديث، وبذلك تستحق النقود ان تكونا خبزا وموسيقي للسياسة.
تعتبر النقود عاملا حاسما في السياسة سواء ان كانت في شكلها السائل او إشكالها الاخري الأقل سيولة. لا يمكن في عالم اليوم لحزب او (جماعة ما) أن يمتلك نفوذا يقوده الي السلطة او الاستمرار فيها وهو بدون نقود. من هنا يأتي دور جماعات الضغط وحرص الحكومات علي إرضائها كما يعتبر هذا واحدا من أوسع بوابات الفساد في العالم ابتداء من الفساد المالي والإداري، استغلال النفوذ وصولا الي الجريمة المنظمة التي تتربح من الاتجار في المخدرات، تجارة البشر بمختلف أنواعها، غسيل الأموال وغيرها من الأنشطة التي تدر ترليونات الدولارات سنويا. بهذا الشكل إذا أرادت المعارضة الوصول الي السلطة عليها ان تبحث عن مصادر لتمويل أنشطتها واكتساب نفوذ في بلد يطحنه الفقر. يجب عليها البحث عن تلك المصادر بعيدا عن خزائن المؤتمر الوطني او أي حزب حاكم، لان ذلك الحزب لا يمكنه ان يمول أسباب سقوطه بنفسه.
هناك شيء مهم سيحدث فيما يتعلق بالمال سواء ان كان في شكل نقود أو ما يملكه الأفراد والجماعة من متاع أو عروض تجارة أو عقار أو أي أصول وسلع معمرة، ذلك الشيء متعلق بنقل مقار شركات البترول والشركات المرتبطة بها الي الجنوب. سيكون لذلك اثر علي عدد كبير من الشركات والعمالة. من جانب اخر فان هناك عدد من الشركات المرتبطة بالخدمات والإمداد والتشغيل الخاص بالمواد البترولية او خدمات مقدمة لشركات عاملة في قطاع النفط، مثل شركات النقل، السلع المكملة، الغذاء، الاتصالات، التأمين، الخدمات المصرفية، الخدمات التعليمية والصحية، عدد كبير من الخدمات الحكومية التي تدر رسومها موارد مقدرة للخزينة العامة، إضافة لموارد ولائية ومحلية. جميع تلك الشركات والأنشطة الخاصة والعامة ستتأثر بشكل كبير برحيل مقار البترول وإدارته والتحكم في مخرجاته الي جنوب السودان. ذلك الحدث الذي سيتم بعد يوليو 2011م سيكون الموجة الثانية لتسونامي خروج البترول من اقتصاد الشمال مخلفا وراءه دمارا واسعا من المفترض ألتحوط له. سيؤثر ذلك الحدث بشكل مباشر علي المستفيدين الأوائل من قطاع النفط، إلا أن الأثر لن يتوقف عند ذلك الحد بل سيتخطاه الي جميع أشكال المعاملات، كما سينعكس بشكل فوري علي الإنتاج والاستهلاك مؤثرا علي الوضع المعيشي بشكل مباشر كما حدث أواخر العام الماضي وبداية هذا العام. هنا ستغني النقود أغنية حزينة أخري ومن غير المعروف ما هو المسار الذي سيتبعه الجنيه السوداني، او الوحدة النقدية للشمال أي كان مسماها، وهنا فان الإبقاء علي الجنيه يعتبر أفضل الحلول مقابل الدخول في مغامرة جديدة بحثا عن أشياء لا طائل من ورائها ومكلفة جدا. ابتداء من يوليو 2011 ستكون هناك مباراة جديدة في البحث عن النقود من قبل القوي السياسية الحاكمة والمعارضة معا وستكون هذه المباراة ساخنة سواء ان كانت تهدف لعزف أنغام السلطة او إيجاد قوت مقوي للمعارضة، علي نتيجة تلك المباراة تعتمد الكثير من النتائج اللاحقة في لعبة النفوذ السياسي، السلطة والثروة في السودان.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 943

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. حسن بشير محمد نور
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة