المقالات
السياسة

04-02-2016 12:40 AM


بعد ربع قرن من التجربة والخطأ، على طريق تطبيق الشريعة الإسلامية ، أقر الرجل الثاني ، حتى وقت قريب، في النظام وفي الحركة الاسلامية ، الأستاذ على عثمان محمد طه ، ضمناً، بفشل شعار " الإسلام هو الحل "، الذي انطلقت تحته مسيرة ربع القرن القاصدة ،وطالب بمراجعته ، بينما مضي الكاتب الإسلامي ، البروفسور حسن مكي ،إلى القول ساخراً: "أن من يعتبرون الإسلام هو الحل متخلفين عن عصرهم"، وفق ما جاء بجريدة "الجريدة". فتجربة الإنقاذ، التي هي بمثابة المختبر والتجلي التطبيقي لفكر د. الترابي ، جسدت محصلتها اعلان إفلاس الإسلاميين ، وفشل مشروعهم السياسي.وهي واقعة تاريخية لايمكن تجاهلها عند تقييم المساهمة الفكرية للدكتور الترابي ، في مشروع الإسلام السياسي.
ففي البدء افتقر الإسلاميون للرؤية الإستراتيجية ، مثلما افتقروا للتكتيك، والمنهاج التنفيذي لتحقيق دولة الإسلام ،وبالنتيجة افتقروا للمبادرة ، وارتهنوا لرد الفعل ، المتجذر في نشأتهم الاولي، لإرتجال مواقفهم مقابل مواقف الآخرين.لذلك ، بقيت الحركة ، دون مرشد أو هادٍ فكري ، عاجزة عن قيادة الدولة والمجتمع ، منذ أن تكرست ، بفعل شروط النشأة الأولى ، كقوة احتجاج اجتماعي ، أو جماعة ضغط سياسية، لاأكثر، وليس قوة للتغيير. فبقدر ما كان الإسلاميون يدركون مايجب عليهم هدمه ، ظلوا يجهلون مايتعين بناءه ، بالمقابل ، وبأي كيفية .
فقد انشدّ الإسلاميون دائماً إلى نماذج من الماضي السحيق ، سعوا لإستعادتها أو استرجاعها في سياق تاريخي مغاير .وظلت أطروحة تطبيق الشريعة الاسلامية ، في تصورات الإسلاميين، محض رؤية أخلاقية، وثيقة الصلة بتقويم سلوك الأفراد، بمن فيهم الحكام ، أكثر منها برنامج اصلاح وتقويم للمجتمع أو الدولة أو المؤسسات.
وتحت وطأة القصور، والفقر الفكري اختزلت رؤية الحل الإسلامي الشامل، لمشكلات المجتمع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية ...إلخ، في تطبيق الحدود . ولعل وجود قانونيين ، على رأس الحركة ،في مقدمتهم الدكتور الترابي ، كان له أثره في توجه الإسلاميين، وتركيزهم حول تقنين الشريعة ، لاسيما العقوبات الحدية ، واعتبارها جوهر الشريعة. فبعد محاولة أولى، لتمرير مشروع "دستور إسلامي" في منتصف ستينات القرن الماضي ، عمد الإسلاميون إلى تقديم مشروع قانون جنائي لبرلمان الديموقراطية الثالثة . وقد عرف لدي معارضيهم باسم "قانون الترابي ". غير أن مشروع القانون لم يجد القبول ، فتم التواضع على سحبه من منضدة البرلمان،وهو أمر له دلالته على عزلة " اجتهادات" الإسلاميين، و"غربتها" ، لكن الجميع، ربما تفاجأوا باجازته عام 1991، من قبل مجلس قيادة الإنقلاب الذي أطاح بالنظام الشرعي في 30 يونيو 1989. وغض النظر عما يمكن أن يثيره مثل هذا الإجراء من تساؤلات ، بشأن مشروعية تشريع محل اختلاف فقهي ، ومايمكن ان ينطوي عليه من بذور فتنة دينية ،أوما قد يجدده من مخاوف من أعادة انتاج المآثر الدموية لنظام نميري ،التى جرت باسم تطبيق الشريعة الإسلامية ، بتشجيع من الإسلاميين ،أنفسهم، فقد وضع القانون النظام في مأزق أخلاقي وسياسي .فقد تفادى النظام تطبيق الحدود، خشية من المجتمع الدولي ، وتكرار هجمته ،على نظام النميري باسم حقوق الانسان. وفيما يتبدي فقر فكر الاسلاميين ، في إعادة انتاج تجربة نميرى، فإن قصورهم يكمن في عجز فقهائهم ومفكريهم ومنظريهم، وفي مقدمتهم د. الترابي ، في إيجاد مخرج من هذا المأزق ،الماثل في تبني العقوبات الحدية ، باعتبارها جوهر الشريعة ، والاستنكاف- في ذات الوقت – عن تطبيقها، لإعتبارات لايمكن وصفها بالشرعية.حيث نظر الاسلاميون ، دائما، الى الحدود ، باعتبارها الحد الفاصل بين المجتمعات الإسلامية ،والمجتمعات المارقة على أدب الدين. وقد تنكب الإ سلاميون ،الذين وصلوا السلطة في مصر وتونس والمغرب ، بعد الربيع العربي ، طريق إسلاميي السودان ، ونهجهم في تطبيق الشريعة ، خاصة فيما يتعلق بتطبيق الحدود.
فبعد مايزيد على ربع قرن من التجربة ، ومعطياتها ، يتجاهل القائمون عليها ، ضرورة تقييمها ،لغرض التوصل إلى ، اعلان خلو السودان من جرائم الحدود، مثلا، أوتعليق عقوبات الحدود " رسمياً" ، وفق اجتهاد مماثل لما ذهب اليه ، المستشار محمد سعيد العشماوى، في كتابه " أصول الشريعة "، اتساقاً مع مع سنة عمر بن الخطاب ، بتعليق تطبيق حد السرقة في عام الرمادة ..
وفي إشارة خفيضة لحتمية مثل هذه المراجعة، فإن د.الترابي ، الذين بارك- ضمناً- إغتيال محمود محمد طه ، باعتباره " حداً قضائياً"، عاد- مؤخراً، لتبني الرأي القائل بالمرتد المقاتل ، باعتباره المعني بتطبيق حد الردة، بينما لم يكن محمود محمد طه مقاتلاً، وإن صح حكم د. أمين حسن عمر فيه ، مؤخراً، بأنه مرتد...
عبدالله رزق
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1796

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1438420 [المندهش]
0.00/5 (0 صوت)

04-02-2016 03:21 PM
قبل دعوة على عثمان لمراجعة شعار الاسلام هو الحل وتصريح حسن مكى سبقهما خيرت الشاطر بتصريح ينفى وجود دوله دينيه فى الاسلام وان الدوله المدنيه هى الدوله الاسلاميه . كان هذا التصريح بمثابة مراجعه تاريخيه للجماعه تسارع بعد ذلك من يصنفون انفسهم كمفكرين اسلاميين لتبنى الفكره وكانهم عثروا على كنز وفى تقديرى الشخصى ان اهل الاسلام السياسى ينتظرهم مشوار طويل من التراجع لا المراجعات كما يسمونها هم . سوف تنتهى بهم الى حقيقة ان الاسلام برمته منتج اجتماعى غير قابل للاحياء وان الايام والسنين تجرى عليه وتزيده كل يوم مزيد من الموات

[المندهش]

ردود على المندهش
[ود الحاجة] 04-05-2016 01:56 PM
لو كان الامر كما تقول لما شغل العالم اليوم بالاسلام و حوار الحضارات و ... و... و محاربة الحجاب
هل سمعت ان وسائل الاعلام تتحدث عن البوذيين الذين يقيمون مجازر في بورما للمسلمين او عن الرموز الدينية للهندوس او السيخ في اوربا مثلا كما يهاجمون الحجاي؟


#1438378 [زول..]
0.00/5 (0 صوت)

04-02-2016 01:10 PM
المقال ضافي نسوق الشكر لكاتبه.. لكنا قد مللنا من التنظير فيما يتعلق بفشل الإسلاميين حتى بتنا نتوقع ما سوف يسوقه كاتب المقال فقط من خلال قراءتنا لعنوان المقال. أين فشل المعارضة..؟؟ أين فشل المواطن في تغيير النظام..؟؟ أين السبيل إلى الخلاص ..؟؟

[زول..]

#1438347 [Bedr]
0.00/5 (0 صوت)

04-02-2016 11:50 AM
تجار الدين البلهاء لن تقوم لهم قائمه أبدا. ماذا جنبنا و حصدنا غير الفشل و الفساد مصحوبا ب اباده جماعيه و خراب و حروب مندلعه . وانقسام و انفصال

[Bedr]

عبدالله رزق
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة