المقالات
السياسة
اسقاط النظام واجب لكنه لا يكفي
اسقاط النظام واجب لكنه لا يكفي
04-02-2016 04:30 PM


لو سألت الناس العاديين*عن أهم الأسباب التي أوقعت وطننا في الهاوية لوجدت ردهم شافيا و أجملوها في ثلاثة (1 إخفاق الأحزاب السياسية (التقليدية و الطائفية). (2 الانقلابات العسكرية بمباركتها ;و ثالثا ' كنتيجة حتمية لسوء الأحزاب: *الحروبات المستمرة.
*
مثلا: *بعد انتفاضة أبريل المجيدة لم تتوقف الحرب في الجنوب, بالأحرى لم يستجب الجيش الشعبي وقتها لنداءات إيقاف القتال.عوضا عن ذلك كثف عملياته العسكرية مستفيدا من الدعم الذي تمنحه إياه الإمبريالية و بعض الدول التي لديها مصلحة في إستمرار الحرب, *و رفع سقف مطالبه و أملى شروطه للتفاوض.*...

كانت مبرراته أنه لا يثق في القوى الشمالية. ....و هذا لديه ما يعززه من أسباب. .و من جانب آخر, *لعب التحريض و الدعم الأجنبي دورا كبيرا في تعنت الجيش الشعبي وقتها. ...و هذا لا علاقة له بالقوى الشمالية إنما يتحمل وزره وحده. .
*
بالعودة لأسباب عدم ثقة حملة السلاح من الجنوبين في القوى الشمالية و تحديدا بعد انتفاضة أبريل. ..لا يوجد ما يبررها لأن الحرب كانت موجهة ضد الشمال و ليس الأحزاب الطائفية وحدها. ..على عكس ما يحاول البعض تبريرها. ...و مع ذلك لا خلاف على سوء الأحزاب التقليدية التي لم تستفد من اخطاؤها المتكررة فيما يتعلق بالتعاطي مع قضية الجنوب على مر التاريخ إذ أنها لم تنجز وعدها للجنوبيين في طرح مسألة الفيدرالية على أول جمعية تأسيسية عقب الاستقلال. .بدلا عن ذلك قادت حملة شعواء ضد منح الجنوب حكما فيدراليا بدعوى ان الفيدرالية تحريضا اجنبيا. ..و هذا صحيح بدرجة كبيرة. ..لكن الأحزاب أرادت به باطلا حيث انه كان الواجب عليها التعامل مع المسألة بموضوعية و حنكة لتفادي الاسوأ. ..تكرر نفس السيناريو عندما اعتبرت الجنوب إقليميا خاضعا للشمال متجاوزة رغبة ممثليه و ضاربة بعرض الحائط خصوصية الإقليم...هذا بدوره أعطى الجنوبين الإحساس بأنهم وقعوا تحت استعمار الشمال بدلا عن استعمار البريطانيين. .فكانت النتيجة ظهور حركة انانيا و تمردها على الوضع القائم. ..
*
في ذلك الوقت كان من الممكن تفويت الفرصة على القوى الأجنبية المحرضة و عدم إيجاد مبرر للتمرد لو ان الجنوب منح حكما فيدراليا. ..لكن لم يتم ذلك لأن الوضع في الجنوب لم يكن أولوية بنظر الحزبين الكبيرين. كانت الأولوية للصراعات الداخلية بهدف الفوز بالانتخابات كما ان الصراعات داخل الحزب نفسه ألقت بثقلها حيث انشق الحزب الوطني الاتحادي إلى حزبين و تحالف المنشقين مع حزب الأمة ليسقطوا حكومة الزعيم الأزهري التي كانت تسعى جاهدة لتدارك الموقف. ..و قد كان ان حجبت عنها الثقة ثم ما لبثت ان شبت الصراعات بين الأمة و حزب الشعب حتى انسحب الأخير من الحكومة و جدد مناداته بالوحدة مع مصر ما أدى إلي تسليم رئيس الوزراء السلطة للعسكر في نوفمبر 1958 و كانت المفاجأة ان بارك السيدين الانقلاب. ..و هذا دليل على ان كلى الحزبين لم يكن حريصا على الديمقراطية. ...

استمر التمرد طوال الحكم العسكري. ..و تعامل معه نظام عبود بالقمع. ..بل كان أحد أهم الأسباب لثورة أكتوبر تعقد النظام العسكري لقضية الجنوب. ..و هذا في حد ذاته دليل على ان الشماليين ضد الحرب و ضد مصادرة حقوق الجنوبيين. .

سعت حكومة سر الختم الخليفة بجدية لحل المشكلة فعقدت مؤتمر المائدة المستديرة في مارس 1965 و منحت الجنوب حكما ذاتيا لكن التمرد استمر و هو دليل آخر على ان حركة انانيا لا تريد ايقاف الحرب. ..ثم جاءت حكومة المحجوب و استمرت في الحكم الذاتي و رغم ذلك لم يتوقف التمرد و لم تتوقف جهود الحكومة لإيجاد حلول لكن كل مجهوداتها تبددت عندما اسقطت حكومة المحجوب كنتيجة حتمية للصراع و لكن هذه المرة داخل حزب الأمة حين ترأس الحكومة الجناح المنشق من حزب الأمة برئاسة الصادق المهدي الذي تنكر لمقررات مؤتمر المائدة المستديرة و استبدله بمؤتمر عموم الأحزاب و كانت توجهات الحكومة تسير بعكس حل المشكلة عندما تسلل إليها الإخوان المسلمين و اقنعوا الصادق المهدي بحل الحزب الشيوعي و طرده من البرلمان. ..استمرت المناكفات و الصراعات بين الأحزاب مفسحة المجال أمام انقلاب مايو 1969.

قلنا ان الجيش الشعبي رفع وتيرة الحرب و ازداد تعنتا بعد انتفاضة أبريل و قلنا ان كل من الأحزاب التقليدية و حركة التمرد يتحملان وحدهما مسؤولية الصراع و أوضحنا الأسباب. ..كانت نفس الأخطاء تتكرر من الأحزاب منذ الإستقلال و حنى انقلاب الجبهة الإسلامية في يونيو 1989...فبعد انتفاضة أبريل 1985 كانت هنالك فرصتان للحل أولاهما في إعلان كوكادام و الثانية في اتفاقية الميرغني قرنق في *نوفمبر. 1988..الأولى تنصل عنها رئيس الوزراء الصادق المهدي تحت ابتزاز الجبهة و ضغط الاتحادي و الثانية كانت ضرارا لكوكادام اجهضها أيضا الصادق المهدي تحت ابتزاز الجبهة و نكاية في الحزب الاتحادي ;
*
ما أردت إثباته من هذا السرد أمران:*
اثبات ان الأحزاب التقليدية لم تكن يوما مهتمة بغير السلطة دون. ادنى مراعاة للوفاء بمستحقاتها. ..و لم تكن يوما على وفاق رغم ائتلافها في الحكومات حيث كان كل منها يسعى لإفشال غريمه على حساب مصالح الوطن. ..و لم تستفد من اخطاؤها. ..بل تكررت على مدى عمرها الطويل و في كل مرة تعيد نفس السيناريو حتى أصبح الأمر سمتها البارزة و متلازمتها.*

الأمر الثاني: ان الجيش الشعبي لتحرير السودان لم يكن يوما مستعدا لإيقاف الحرب رغم تغير الانظمة و الحكومات لأنه يري ان مصلحته في استمرار الحرب. .بل امتدت هذه المصلحة حتى بعد انفصال الجنوب و هذا يدل على ان الحرب لم تكن يوما لمصلحة الجنوبيين و إنما لأهداف أخرى.*
الآن ذهب الجنوب و بقيت الحركة الشعبية كوريث شرعي للجيش الشعبي في الشمال. ..و بقيت أحزاب الشمال كما هى. ..إذا الوضع مشابه لما كان. ..حكم شمولي و حرب مستمره و أحزاب تتسلم السلطة لم يتغير فيها شيء و لن تترك طبعها و ان تطبعت بغيره. ..
*
اما النظام من مصلحته استمرار الحرب بالإضافة إلى أن فطرته جبلت على الدماء و القتل. .
كذلك الحركات المسلحة. ...عندما خاض بعضها الحرب كانت مفروضه عليه و أعني بذلك حركات دارفور *لم يكن لها خيار غير الحرب. ..أما و الحرب مستمرة لأكثر من 13 عاما و لم تحقق أي تقدم بل ذهبت أ وضاع الناس من سيئ إلى أسوأ فالأولى تغيير طريقة مقاومة الظلم طالما ان القصد من الحرب هو رد الظلم و ليس زيادته. .فعندما تكون مضار الإستمرار في القتال أكبر يجب التوقف طالما لا توجد مصلحة. ...و إلا فلا تفسير آخر سوى مصلحة من يستمرون في الحرب التي هى قطعا تتعارض بشدة مع مصلحة المتضررين منها و هم قطعا يمثلون الأغلبية العظمى. ..فعندما تكون الحرب مرفوضة من جانب من تشن باسمهم لا يتعدى الأمر كونه جريمة أخلاقية ضد الإنسانية. .فالضحايا لا حول لهم و لا قوة يجدون انفسهم بين نارين.*

بالنتيجة. ..الجبهة الثورية مطالبة أخلاقيا ان توقف الحرب من جانبها في كل الجبهات و تنتهج أسلوب المقاومة المدنية ...هذا هو السبيل الوحيد لهزيمة النظام و إلا فإنها تسير على نفس النهج الذي كان يتبعه الجيش الشعبي و ظلت نتيجته ماثلة تتحدث عن نفسها. ..
اما الأحزاب التقليدية. ..لم و لن تتعلم من التجارب. .و بالنتيجة أستمر هذا النظام القميئ حتى يومنا و غده. ..
*
على أرض الواقع: *إن سألت أهل الهامش عن رأيهم في الحرب اجابتهم أنها لا تعنيهم ( استطلعتهم بنفسي) *لم أجد من يؤيد النظام و لا الحركات المسلحة و لا الأحزاب. ..و لم أجد من يؤيد إستمرار الحرب! و هذا دليل قاطع على ان الحرب غير مرحب بها.*
إن سألت أهل المركز عن النظام فهم يبغضونه و لا يخشونه. ..بل مستعدون لمنازلته. ..لكنهم يخشون الأسوأ. ..الاسوأ عندهم الحركات المسلحة و غلبتها *واحقادها على. ..حد تعبيرهم!*
*
على ضوء هذه المحصلة. ..هنالك أمران لابد ان ندركهما جيدا:*
الأول: *تغيير الأنظمة منذ الإستقلال و حتى آخر انتفاضة لم يوقف الحرب مطلقا لأسباب قائمة حتى يومنا هذا. ...و حتى ان قدر لهذا النظام ان يسقط غدا. ..الواقع يقول بأن الحرب لن تتوقف طالما ان أسباب استمرارها قائمة. .و هى كذلك. ....و ستبقى حتى بعد سقوط النظام. ...و لعمري. ..هذا هو السبب الرئيسي في بقاء نظام يفتقد لمقومات البقاء. .
*
االثاني: *وفقا للوضع الراهن. ...ان قدر لهذا النظام ان يسقط. ..ستعود نفس الأحزاب لم يتغير فيها شيء إلا نحو الأسوأ و ستعود أكثر مسخا و تشويها. .و لن تتوقف الحرب و سيعيد التاريخ نفسه كما سردنا أعلاه.*
*
مهما يكن الأمر. ...يظل إسقاط النظام واجب شرعا لا يحتمل التأخير. .و تظل الحيلولة دون عودة الأحزاب البالية للسلطة واجب. ...هذان الامر ان يحتاجان تضحيات. ..
ااستمرار النظام يعني تبدد الوطن و تحملنا المسؤولية عن ذلك و تحملنا وزر ضياع الأجيال القادمة. ...و لعنة التاريخ...
*
كيف تكون التضحيات. ...سأقول لكم ما يجول بخاطري. ...و للجميع ان يدلي برأيه. ..
من كان مستعدا لتقديم تضحيات في سبيل ان يكون لنا وطن يأوينا و يأوي الأجي
ال القادمة. ..أضمن له بأن النظام سيسقط بأيدينا. ..و ننتشل وطننا من الهاوية!*

في المقال القادم إن كان في العمر بقية. ...
*
*
مصطفى عمر*
*
السودان*
Sent from my LG Mobile



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1835

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1438708 [ابو جاكومه]
0.00/5 (0 صوت)

04-03-2016 10:26 AM
الأستاذ /مصطفى عمر : تحيه طيبه . هل تحولت الى ركب متسلقي مركب الإنقاذ الغارقه مثل د/ عبدالله علي إبراهيم الذي (عصر) عزاء شيخه الترابي متسلقاً الدرج ليمسك بحافة بنطال البشير لعله يرضى عليه ويتشدق عليه (بعطية مزين) كما يقول المثل .
في مقالك هذا أشتم هذه الرائحه - إنشاء الله تكون رائحه عابره [كفساء] أهل الإنقاذ .

[ابو جاكومه]

مصطفى عمر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة