المقالات
السياسة
حول قانون التحكيم لسنة 2016 (1)
حول قانون التحكيم لسنة 2016 (1)
04-04-2016 12:58 AM

حول قانون التحكيم لسنة 2016 (1)
النهائية أم الأتعاب ... كلاهما وأخريات ، ياسعادة الوزير

في عجالة واضحة ، استصدرت الدولة قانوناً جديداً للتحكيم استصدره سعادة السيد وزير العدل بمرسوم مؤقت مهره سعادة السيد رئيس الجمهورية بتوقيعه في الثاني من يناير سنة 2016 ، وأتبعه السيد وزير العدل بمقالات تناولت بعضاً من نظريات التحكيم وفلسفته ونظمه المختلفة ، وصولاً إلى آخر مقال له نشر بالصحف بتاريخ 28/2/2016 بعنوانٍ بطعم ونشوة النصر ، والاستنكار المبطن لاحتجاجات جمهور الناشطين في حقل التحكيم .
وقد ابتدر السيد الوزير مقاله هذا بالإشارة لحكم صادر عن المحكمة العليا الموقرة – حديثاً – ، أحد طرفيه جهة حكومية ، بما يجيب عن سؤال أساس كان يدور في أذهان الكثيرين عن السبب في تعجل السيد الوزير ، ومن خلفه الحكومة ، في إصدار هذا القانون – تحديداً – بمرسوم مؤقت ، دون أن تتوافر الظروف الداعية لمثل هذا الاصدار .
وإن كان ما أستقر عليه الرأي ، أن الأحكام لا تكون عرضة للنقد أو الجرح والتعديل إلا بعد صيرورتها " نهائية " ، بانتهاء كل مراحل الطعن والمراجعة ، إلا أن السيد وزير العدل قد فتح الباب واسعاً للتداول حول هذا الحكم ومدى صحته وخطئه ، ولكني لن أبدي رأياً فيه – في هذه المرحلة – احتراماً للحكم الصادر إلى أن تقول فيه دائرة المراجعة رأيها – إن حدث ذلك – وحينها يمكننا تناوله من جميع جوانبه .
غير أن ذلك لا يمنعنا من تناول أثرين من آثاره ، أولهما أنه قد وضع محكمة الاستئناف الموقرة في وضع لا تحسد عليه ، فهي – أي محكمة الاستئناف – وبموجب القانون الجديد ، قد أصبحت محكمة موضوع – أول درجة – فيما يلي دعوى بطلان حكم التحكيم ، ولا يمكنها بالتالي النظر – استئنافاً – في أي حكم صادر عن المحكمة التي كانت مختصة بنظر دعوى البطلان في القانون القديم (2005) فهي لا تملك هذه السلطة والصلاحية الآن ، إذ أن الاختصاص الاستئنافي وفق القانون الجديد ينعقد للمحكمة العليا باعتبارها محكمة ثاني درجة ، ولكن دعونا ننتظر لنرى ماهي فاعلة ، في ظل إلزامية حكم المحكمة العليا المشار إليه .
وثاني الأثرين ، قضاؤه على مبدأ نهائية حكم التحكيم ، وبالتالي اخضاعه للطعن ، وفقاً لأحكام قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983 ، مع ما في ذلك من مثالب جمة ، لا يسع المجال لذكرها .
أما ما دعانا لهذه المذاكرة ، فهو الطريق الذي سلكه السيد الوزير في استصدار القانون ، والذي صدر بمرسوم مؤقت استناداً على نص المادة (109) من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 والتي تنص على الآتي : (1) " يجوز لرئيس الجمهورية ، إن لم تكن الهيئة التشريعية في حالة انعقاد ، ولأمر عاجل ، أن يصدر مرسوماً مؤقتاً تكون له قوة القانون النافذ ....... " .
إن هذا النص يشترط أمرين لصحة إصدار المرسوم المؤقت هما : " أولاً " ألا تكون الهيئة التشريعية في حالة انعقاد ، و " ثانياً " : أن يكون الغرض من إصدار المرسوم معالجة أمر عاجل ، فهل توافر الشرطان فيما نحن بصدده الآن ؟
لا شك أن الهيئة التشريعية كانت منعقدة عند صدور هذا المرسوم – ولا زالت – بحسبان أن السيد رئيس الجمهورية كان قد دعاها للانعقاد ، وإن إنفض سامرها أيام عطلتها ، فلا يعد ذلك من باب عدم الانعقاد المقصود في هذه المادة .
وأياً كان أمر الانعقاد هذا ، فإن الشرط الثاني اللازم توافره جنباً إلى جنب مع الشرط الأول ليس متوافراً في الشأن / الأمر الذي صدر المرسوم المؤقت لمعالجته ، فالتحكيم كان له قانون ينظمه ، وطرح على الهيئة التشريعية مشروع لتعديله ، وتأجل نظره واجازته بدخول الهيئة التشريعية في عطلتها المعتادة ، الراتبة ، ومن ثم ، لم يكن موضوع القانون نفسه أمر عاجلاً في معنى المادة (109/1) من الدستور الانتقالي ، حتى يسعى السيد الوزير لاستصدار المرسوم المؤقت ، ولن يقنعنا السيد الوزير بدعوى حماية المستثمرين ، لأن حماية المستثمرين تتمثل / بل يحققها استقرار الأوضاع القانونية ، وديمومتها ووضوح فلسفة التشريعات والقوانين المنظمة للنشاط الاستثماري ابتداء .
ولا يغيب عن البال ، أن الشرطان يلزم توافرهما معاً حتى يصار إلى المرسوم المؤقت ، وقد رأينا عدم توافرهما معاً ، أو منفردين ، بما يسم هذا المرسوم يعيب مخالفة الدستور .
اما الأمر الآخر في لزوم هذه المذاكرة ، فهو ذاك المعنى الخفي ، في عنوان مقال السيد الوزير ، ونقصد به أتعاب المحكمين ، وإذ حدد القانون الجديد مساراً لتحديد هذه الأتعاب بالنص في المادة (19) منه على أن تحدد مقاديرها وكيفية سدادها باتفاق طرفي النزاع ، أو وفقاً للجدول الملحق بالقانون ، والذي منح الوزير سلطة تعديله من وقت لآخر ، فإن ذلك مما يحمل على التعليق بأن هذه المادة قد تجاهلت المحكمين أنفسهم ، وأقصتهم من أن يكون لهم دور – ولو بالموافقة أو الرفض – في تحديد أتعابهم !!
وفضلاً عن ذلك ، فقد منح القانون السلطة التنفيذية حق التدخل في تحديد أتعاب " عمل حر " ، وفقاً للجدول الذي ظهر لأول مرة ممهوراً بتوقيعات السيدين وزيري العدل والمالية !! ، وهذا مما لا يجوز لا عقلاً ولا منطقاً ، ولا قانوناً ودستوراً .
وثالثة أثافى هذه المادة ، أنها تفتح الباب واسعاً ، وتعبّد الطريق وتمهّده لمن يسعى للتعطيل والمماطلة والتسويف برفض أي اتفاق أو توافق بشأن أتعاب المحكمين ، بعد استنفاده وسائل التعطيل والتسويف الأخرى التي يكون قد مارسها وصولاً إلى تشكيل هيئة التحكيم ، وانتظاراً لمرحلة أخرى من المماطلة والتسويف والتعطيل بعد صدور حكم التحكيم ، بالطعن فيه وصولاً إلى مرحلة المراجعة ، حيث أنهى هذا القانون مبدأ أو ميزة نهاية أحكام التحكيم من حيز الوجود .
ومما تجدر الإشارة إليه لزوماً ، أن ممارسة أو القيام بمهمة التحكيم ، تعد عملاً حراً لا سلطان لأحد على من يتولاه ، سوى المطلوبات العامة فيمن يتصدى لها ، ولا يسع المجال لذكرها هنا ، وهذا يقودنا إلى تأكيد حرية المحكم في تقدير أتعابه في حدودها المعقولة وفق الضوابط المتعارف عليها في كل مهنة ومجال ، من حيث الخبرة والدراية والكفاءة والتخصص وما إلى ذلك من موجهات تقدير الأتعاب / المقابل مع الوضع في الاعتبار طبيعة النزاع محل التحكيم .
وإذا ما نظرنا إلى الجدول الملحق بالقانون – ومع الوضع في الاعتبار التغيُّر الدائم والمتسارع في قيمة العملة السودانية – نجد أن ثلاثة من المحكمين – مهما بلغت مقاماتهم يتقاضون تسعة آلاف من الجنيهات ، في نزاع قد يكلفهم وقتاً وجهداً لا يتسق مع المبلغ المحدد ، فهذا الجدول لم تراع فيه إلا القيمة المادية للنزاع قيد النظر .
إن الجداول المحدِّدة لأتعاب المحكمين ، هي مما تعارفت عليه مراكز التحكيم ، ولا شأن للحكومات بها ولا سلطان لها حتى تبادر حكومتنا بالحاقه بقانون التحكيم .
ولعل أخطر ما أنطوى عليه هذا القانون – بصرف النظر عما احتواه من تناقضات ، ومن غياب تام لفلسفة محددة ، هو أنه يفتح المجال واسعاً لتطويل أمد المنازعات ، بما ينفِّر الكافة من اللجوء للتحكيم ، حيث سلبه أهم ميزة من مميزاته ألا وهو سرعة الفصل في المنازعات ، ويهزم فكرة الدولة الداعية لجذب الاستثمارات الأجنبية ، فما من عاقل يدخل في مثل هذه الدوامة التي خلقها هذا القانون ، الذي أصبح عامل طرد مباشر لكل من يفكر في الدخول إلى عالم الاستثمار في السودان .
لقد أصبحنا بفعل هذا القانون ، نعيش في جزيرة معزولة عن محيطنا الاقليمي والدولي فيما يلي تشجيع الاستثمارات الأجنبية وجذبها وخلق مناخ مناسب للتحكيم الدولي ، وكل ذلك ناتج عن العجلة وعدم التبصر ، وتهميش الرأي الآخر ، الذي تم تسفيهه بجرة قلم .
إنني ، وغيري ممن يهمهم أمر التحكيم في هذه البلاد ، ندعو من يعنيه الأمر ، أن يراجع ما حدث ، وأن يتدارك الأمر قبل فوات الأوان ، ولات ساعة مندم .

ولنا عودة إن شاء الله في مقال آخر ، بياناً للعوار الذي اعترى قانون التحكيم لسنة 2016 .

نصر الدين حسن محمد
المحــامي
والناشط في مجال التحكيم
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1860

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




نصر الدين حسن محمد المحامي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة