المقالات
السياسة
الترابي: دهاء الخبث وخبث الدهاء
الترابي: دهاء الخبث وخبث الدهاء
04-06-2016 02:23 AM


(1)
التقط الأضواء في الأسابيع الماضية حدث وفاة الزعيم الترابي, كأهم حدث يشغل الساحة الإعلامية بشقيها العربي والإسلامي. وعلى إثر الحدث طفق معظم الكتاب والعلماء من مختلف بقاع العالم وجغرافيتها عبر الفضائيات والصحف؛ الناطقة بشتى الألسن؛ طفقوا ينقبون في سيرة الراحل الترابي؛ عن أعماله وما خلفه من أثر يكون له بمثابة الصدقة الجارية ويجعله في عداد القلّة الخالدة عالمياً والتي انتشلت شعوبها من وهدة الفقر والأمية والمرض. عكفوا يرصدون رصيده من الأعمال علهم يجدوا عملاً وطنياً واحداً يحمدونه عليه. ولعلها لم تكن مفاجأة حين لم تعثر فرق البحث على أعمال مشرقة تزيّن صحائفه وتكون منفذاً يذكرون من خلالها محاسنه, فيدعون له بالرحمة والمغفرة. وأحاول أن أقف في هذا المقال عند إحدى المحطات الهامة التي كانت بحق قاصمة الظهر في مسيرة العباد والبلاد, واستطاع الراحل أن يديرها بالريموت كنترول؛ وبمهنية عالية؛ لتتحرك عجلات التاريخ إلى الخلف وبسرعة جنونية مذهلة لتغيِّر الصورة المشرِّفة لبلد حدادي مدادي وينحدر الوطن نحو هاوية سحيقة في كل مناحي الحياة ليحيا أعضاء التنظيم الملائكي حياة طيبة في دار المقامة لا يمسّهم فيها نصب ولا يمسّهم فيها لغوب. وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
مدخل:
ظل أهل الإنقاذ؛ قبل وبعد استيلائهم على السلطة؛ في تخطيط مستمر وتفكير دائم عن أنجع الأساليب وأكثرها مضاءةً "لطرد" قدامى التجار ورجال الأعمال من السوق؛ ليحلوا مكانهم. ولذلك اجتهدوا وحققوا أعلى درجات النجاح في تجفيف مصادر الرزق لذلك النفر المستهدف من الرأسمالية. وسأتعرض في هذا المقال للخطوط العريضة فقط.
وزارة التجارة والسوق:
وزارة التجارة لها أهميتها الخاصة جداً في وسط الجهاز التنفيذي. فهي التي تضبط حركة الصادر والوارد وتصدر الرخص الكبيرة والصغيرة وتتحكم في توفير ما يحتاجه المواطن من سلع أولية وضرورية وثانوية واستراتيجية. ولذلك كانت محط آمال الكثيرين من عضوية الجبهة الإسلامية؛ إذ يستطيعون من خلالها إدارة البلد من مراكز القوة؛ فالمال هو عصب الحياة". ويُعزى الفساد الذي يضرب الأطناب في طول البلاد وعرضها إلى كمية الفوضى الحادثة في هذه الوزارة وروافدها وملحقاتها والأجهزة العاملة عليها. فنسبة عالية من البنايات الشاهقة والقصور الشامخة في داخل وخارج البلد؛ بل والأرصدة بكل أنواع العملات وكل الأعمال في الخارج والداخل, ما كان له أن يُوجد, لولا الفوضى العارمة وانعدام الأخلاق في إدارة هذه المرفق؛ الذي وضع مصائر الناس بأيدي طفولية جشعة لا تعرف الرحمة. هنا حيث ألقت الدولة ما فيها وتخلت مفسحة المجال لعربدة لا مثيل لها؛ كان ضحيتها الإنسان الذي ادعت هذه الحكومة أنها جاءت لإنقاذه.
فالعمل في هذه الوزارة؛ ومنذ إنشائها؛ ظل يسير وفقاً لضوابط محددة وصارمة ومتعارف عليها. إذ تقوم هيئة مختصة من الطاقم العامل بفحص طلبات الاستيراد والتصدير ويتم التصديق عليها حسب الاسبقية الزمنية للمتقدم وحسب أهمية الصنف المراد استيراده أو تصديره؛ حسب موقعه من حاجة المواطن بما يتماشى مع المصالح العليا للبلاد والتي تصب في تنمية الوطن ورفعة المواطن وترقية خدماته. وهنا يدخل "ضبط الجودة" ويضع خطاً أحمراً لدرء المفاسد والحكم بالإعدام على كل سلعة يُحكم عليها بالفساد سواء كانت "أسمدة" أو غيرها.
لم تخل هذه الوزارة عبر تاريخها من المحسوبية والفساد والرشاوي والوساطات؛ ولكنها ظلت "إلى حد كبير" محدودة. ذلك أنّ كل تاجر يريد تمرير أوراقه بأقصر الطرق وأيسرها وظل الحال هكذا إلى أن جاءت الإنقاذ. مجيء الإنقاذ؛ قلب الأمور رأساً على عقب؛ إذ اُحيل قدامى موظفي الوزارة إلى الصالح العام وفُصلوا فصلاً تعسفياً. وهكذا جاءت وجوه جديدة لها رؤى تختلف كماً وكيفاً عما وجدنا عليه آباءنا. استطاعت هذه الوجوه الجديدة وفي زمن وجيز تغيير كل الأساليب والنظم التي كان معمولاً بها في السابق والتي ظل آباؤنا عليها عاكفون؛ ليحل محلها نظام جديد يُمَكِّن عضوية المؤتمر الوطني الكريمة من الأخذ بتلابيب السوق وتطويعه بل وتفصيله بالمقاسات المطلوبة وقبل ذلك تحجيم وإقصاء مشاهير التجار ورجال الأعمال.
الطرد من السوق:
قصة وزارات إدارة المال في البلد؛ بما في ذلك البنوك والمالية ثم التجارة قصة مأساوية بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ يتم فيها الكيل بمكيالين غير متساويين؛ فهي قسمة ضيزى؛ تتلقى فيها عضوية المؤتمر الوطني وأدواته الفاعلة معاملة ناعمة ويخدمهما الطاقم العامل بالوزارة حافي الأقدام. فالخدمة الأولى التي يتلقونها "عند تقديم طلب الاستيراد" هي توفير العملة الصعبة لفخامة جلالتهم بالسعر الرسمي "البنك"؛ ثم الإشراف على تكملة إجراءات التنسيق مع البلد المعين وبدون رسوم تذكر. في مقابل ذلك يتلقى المواطن العادي "محمد أحمد" كماً من المماطلة والبيروقراطية وقد يتعرّض لاستجوابات وتحريات بلغة حادة ونفس حار "إن لم تمتد الأيدي". يُعامل كإنسان متهجم على مجال لم يُخلق له "علماً بأنه صاحب سجل تجاري عريق ضارب الجذور في القدم وفي العادة يكون هذا السجل موروث ومتوارث من والده وربما جده لأبيه؛ عمره قد يزيد على السبعة عقود". وبعد كل ذلك العنت يبدأ رحلة بحث لتوفير النقد الأجنبي؛ فيضطر إلى "دقش السوق الأسود"؛ "وشتّان ما بين السعر الرسمي الناصع البياض والسعر غير الرسمي الحالك السواد". لك أن تتخيل المفارقة والنتائج السلبية من وراء مثل هذا التصرف الذي يفتقر إلى أدنى درجات الأخلاق والنخوة. كل هذا بالنسبة لأهل السوق الأصليين.
أما الذين ولجوا هذا المجال حديثاً "أي في عهد الإنقاذ" فيُصدق لهم بما يعرف بـ" القرض الحسن" "مصطلح من فقه الترابي" ويعني قرض بدون فوائد؛ ليمكِّن فقراء العضوية ومعدميها من ممارسة البزنس؛ ويكونوا بذلك قد خرجوا من دائرة الفقر والعوز التي أدمنوها وأدمنتهم هي الأخرى. أما أشكال القروض الأخرى بالنسبة للجمهور ففوائدها عالية "ضرب في النخرة" والهدف واضح وهو خلق هامش عالي من الأرباح قبل أن تبدأ عملية الاستيراد والتصدير.
. النقطة الثانية هي الشرك أو الفخ. عندما تُفحص الطلبات غالباً ما تكون هنالك أصناف مشتركة تقدم بها أكثر من تاجر. هنا مربط الفرس وبيت القصيد. وهو أن القائمين على الأمر في الوزارة يقومون بتمرير طلبات عضوية التنظيم أولاً وتأجيل الطلبات الأخرى ليكون هنالك فارق زمني يضمن وصول بضائع الأعضاء في ميناء بورتسودان أو سواكن أولاً ليتم التوزيع وإغراق السوق "ضربة استباقية" ويتفاجأ محمد أحمد بعد شهر بعدم الطلب لأصنافه المستوردة وتضيق الخيارات أمامه فيبيع لهم بما يفرضونه من أسعار عملاً بالمثل القائل "المال تلته ولا كتلته" فيرضى صاغراً "زلط نخرة" بالشيكات الطويلة الأجل وهي شكل من أشكال الخسارة وأولى الخطوات نحو إعلان التفليسة وركوب التونسية.
في زمن الانقاذ هذا استحال العمل في السوق ومنافسة الجبهجية فهم يأتونك بوجوه عديدة ويلاحقونك بأساليب متعددة ويكفي أن هنالك 28 جهة ضريبية مختلفة تلاحقك؛ تتخذ أسماء مختلفة ثم الزكاة بالقوة "حتى لو لم يبلغ مالك النصاب"
الصنف المقفول:
هذا نوع من أنواع تكريس الهيمنة وإحكام القبضة الحديدية على أصناف استراتيجية محددة؛ هذه الأصناف تسمى بالأصناف المقفولة وقد عُهد بها إلى شبكة من الشركات تتبع لأجهزة مختلفة في الدولة؛ كجهاز أمن الدولة الداخلي والخارجي وبيوت أشباحه في العاصمة والأقاليم. ووفقاً لقوانين ودساتير هذه الشركات فإنها جزء أصيل من القطاع العام ويجب أن تغذي الخزينة العامة. غير أنها في واقع الحال تغذي أعضاء مجلس إدارتها الذي يتربع على عرشه بعض آلهة مؤتمر الفوضى. المحزن في الأمر أنه ليس هناك خط فاصل بين خزينة هذه الشركات "خزينة الدولة" وجيوب هؤلاء الأباطرة بل وأباطرة آخرون يسهرون على المتابعة والترحيل والتوزيع كوكلاء تجاريون. هذه الشركات تصدِّر وتستورد ما يسمى بالأصناف المقفولة وهي حكر عليها تتحكم في التوزيع بقدر حاجة المستهلك ولها كم من المخازن والجملونات بل والقدرة على الرصد الدقيق لسير التوزيع للمحافظة على الأسعار. هذه السلع سلع حيّة وغاية في الحساسية منها أدوية بشرية وبيطرية وقطع غيار. كل موسم في عالم السوق له لغته الخاصة به وأصنافه المفصّلة عليه يتلقفها السوق بشراهة وفي زمن قياسي.
[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 1 | زيارات 4354

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1446337 [Ismat]
1.00/5 (1 صوت)

04-18-2016 08:35 AM
إذا كان المقصود بالانجاز او الانجازات هي الانجازات المادية (لمن يحبون العاجلة) لما بعد ثورة الانقاذ إسلامية التوجه الذي " ورطنا " فيه الترابي قدس الله سره و كرم الله وجهه , فما اكثرها , بيد أن عين الرضي عن كل عيب كليلة و عين السخط تبدي المساويا. أما في ما يخص التوجهات الكبري و إعادة البناء و الصياغةانفتاحا وبسطا للحريات كي ترعوي ( خراف بني إسرائيل الضالة ) Glasnost & Perstroika فمن مثل حسن الذي أجاد توجيه عصره و أفحم البغال من جميع عتامير التيه الجهول.

[Ismat]

#1443007 [Leonardo sanchez]
2.50/5 (6 صوت)

04-11-2016 09:59 PM
هل تحتاج إلى قرض لبدء التشغيل عملك؟ نحن نقدم القروض بفائدة 2٪ للمؤسسات الفردية والشركات اتصل بنا اليوم عبر البريد الإلكتروني الخاص بك ([email protected])

[Leonardo sanchez]

#1440905 [ودميـــدوب]
2.54/5 (6 صوت)

04-07-2016 10:51 AM
الصحفيون مجبورون على حشر اسم الترابى فى مقالاتهم وفى اى شىء يقولونها .. والا لا احد يعتبره صحفيا او مراقبا كبيرا للاحداث.

[ودميـــدوب]

#1440644 [دارفور]
2.54/5 (6 صوت)

04-06-2016 11:28 PM
الترابي دا زول زيك كدا بس بعمل كان خطا اوصواب وماعليك الا ان تعمل وتنقذنا من الجهل والمرض والفقر والحروب التي فشل فيها الترابي على حد زعمك حتى نجد في صفحيفتك عند وفاتك وان شاء الله بعد عمر طويل في طاعة الله ما نحتلف حوله سلبا وايجابا مثل الترابي تماما اوافضل منه.

[دارفور]

#1440276 [طه أحمد أبوالقاسم]
2.54/5 (6 صوت)

04-06-2016 09:33 AM
سيظل الترابي هو حديث الناس حيا أو ميتا .. وليس هباش 2016 .. والترابي سيظل رقما فى عدة محاور .. الذى يمتلك عضلات وتحليل وصاحب رؤية يمكن أن يفيد الناس ..
الترابي بدأت مجاهداته .. مع عبود وأزهري والمحجوب واليسار .. وقفوا له جميعا فى دائرة الصحافة .. للتشفي .. وعاد نفس النسيج يتصارع مع الشيخ .. كيف يكون فى الموقع الثالث ؟؟ لا بد من ازاحته .. سبحان الله .. تفرط الاحزاب فى ديمقراطيتها لمعاداة الترابي ..
الترابي ليس بالساذج .. لو الامر بيد الحزبين الكبيرين .. لكن أيادي الخارج كانت الاقوي .. وفصائل سودانية ترفض .. مسلحة ماليا وعتادا من ليبيا .. بالتحديد منصور خالد قرنق .. وهذة المجموعة هى التى كسبت .. وقد سمع البشير حديثها وبرنامجها .. وابعد البشير وسجن الترابي .. عاد قرنق ورياك مع اسلحتهم .. ودخلوا قصر الشعب .. حكاما .. أما الصادق المهدي .. ترك فى الخارج كذلك الميرغني ..
الاول والثاني والثالث فى الانتخابات .. خارج اللعبة السياسية .. الوظائف والمال تم توريعه حسب اتفاقية نيفاشا ..

اليوم الميرغني رئيس الحزب يحكم ويفصل من لندن .. الصادق المهدي من القاهرة .. والترابي فى قبره .. مناضلا ..
غادر المشهد .. بعد أن حضر صباحا الى مكتبه .. واوصي .. أن نجتمع كلنا فى بوتقة واحدة ..
الترابي نظرته أبعد .. ويعرف تماما أن النميري الذي حاصره الغرب .. وهوالمؤيد لكامب ديفيد ونصيرا لمصر .. أجبره أن يسجن ايضا الترابي .. بل يعدمه أن أفلح وعاد للسودان ..والنميري هو مستودع اسرار السودان .. عاد الى الخرطوم فى مظلة وحماية الترابي .. واستمعوا واستخلصوا من حديثه .. لعمر الجزلي ..
يا هباش القضية اعمق بكثير .. وارجو أن لا يتعمق الجميع فى السطح

[طه أحمد أبوالقاسم]

ردود على طه أحمد أبوالقاسم
[الكردفاني العديييييييييييييييييييييل] 04-12-2016 02:11 PM
طه...... مجدالترابي ..... ما شئت ولكن .... اعطينا ثمرة واحدة استقاد منها المواطن والوطن .... من المجد الشخصي الذي ارتضاه زعيمك لنفسه .... ولو على جثث من اسماهم شهداء ثم انقلب فسماهم .... فطايس ..... عن اي دين وخلق وكرامة ... تتكلم يا رجل ..... هذا الانسان ..... ما كان يعترف بأحد ..... لذلك .... انفض عنه حوارييه الاقربون قبل الابعدون .... يا رجل هذا انسان ..... اتى بمصيبة الانقاذ التي لا يتخلف اثنان انها افسدت واهلكت ودمرت ....اكثر مما عمرت ....

ما ذكره الكاتب ..... ليس الا نذر يسير جدا جدا ...... من افاعيل العصابة ...... التي قال ملازم الترابي (كمال).... والمنافح عن حوار الخوار ..... ان المؤتمر الشعبي .... مستعد ان يتحالف مع الشيطان للتخلص من ابليس .....

[ظفار] 04-07-2016 04:36 PM
عليك الله سيبنا من الكذب والدها اليتيم بتاع الترابى الذى لا يثمر الا فقرا وبؤسا لشعبنا

[Marco] 04-06-2016 03:28 PM
انت فارغ


صلاح حامد هباش
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة