المقالات
السياسة

04-06-2016 11:02 PM


أنجوان وأخواتها والحنين إلى الإستعمار٠٠ بقلم: الياس الغائب
إنفصلت جزيرة أنجوان عن الإتحاد القُمُرى وطالبت بعودة الإستعمار الفرنسى إلا أن فرنسا ، رائدة الحرية والعدالة والمساواة ، رفضت هذا الكرم الطائى وأعتذرت بأدب جم ودبلوماسية مهذبة بأن زمن الإستعمار قد ولى وهذا زمن حقوق الإنسان٠ يا لها من سخرية، العبد يستجدى العبودية والسيد يتأبى ٠٠٠ أنجوان هذه هى واحدة من أربع جزر ذات حكم ذاتى هى: القُمُرالكبرى، مايوت، أنجوان وموهيلي. أتحدت هذه الجزر وتسمت رسمياً: الاتّحاد القُمُري وهو ما يعرف عندنا بدولة جزر القُمُر التى تقع على المحيط الهندي على مقربة من الساحل الشرقي لإفريقيا.
أجرى إستفتاء فى عامى 1974 و 9761 لإستقلال جزر القُمُر عن فرنسا، وكانت جزيرة مايوت هي الجزيرة الوحيدة التي فضلت البقاء تحت سلطة فرنسا ، و فى العام 1997 إنفصلت الجزيرة الوليدة أنجوان عن وطنها الأم جزرالقُمُر ولكنها أعيدت بالقوة إلى حضن الدولة الأم فى نهاية 2001 بدعم من قوات تنزانية وسودانية وسنغالية تابعة للإتحاد الأفريقي ، ومنحت فرنسا حاكم الجزيرة المخلوع محمد بكر لجوءاً سياسياً.
إن كانت أنجوان قد أفصحت عن رغبتهاً علناً وطالبت بعودة الفرنسيين فقد تمنت أخوات لها عودة الإنجليز، ولكن عن حياء لم يتعد طور النجوى ، فقد إعتدنا فى زماننا هذا على الحنين إلى الماضى والتباكى على أيامه التى مضت والتى حسبناها كلها بخيرها وشرها أياماً جميلة، ليتها عادت إلينا من جديد. وصرنا نلوك ألفاظاً ومفردات مثل ... حليل أيام زمان ... حليل الزمن الزين ... ياما كانت أيام ... ولم نكتف بذلك بل شطح بعضنا بعيداً متمنياً عودة ذلك الزمان بما فيه من عبودية وذل وهوان وأصبحنا نسمع ... حليل زمن الإنجليز... حين يصطدم المرء منا بقضية أو بتسفيه قيمة من قيم الخير والجمال التى كنا نعتز بها أو يساء إلى مفهوم من تلك المفاهيم الجميلة، ينتاب المرء فجأة إحساس غامر برفض هذا الواقع وحسرة كبيرة على الماضى الجميل الذى ضاع. ولكن هل كان أجدادنا راضين عن زمن آبائنا ؟ وهل كان آباؤنا راضين عن زماننا ؟ وهل نحن راضون عن حاضرنا ومنسجمون معه ؟

قرأت مقالاً فى "سودانايل" خرج علينا كاتبه بأمنيات جديدة لم نرصدها فى قاموس مفرداتنا السودانية ولم نسمع بها من قبل. فى الحقيقة إنها جديدة من حيث النوع والفكرة. على الرغم من أن المقال ينضح حسرة وأسى إلا أنه لا يخلو من طرافة. ورد فيه بتصرف .... " ليت المستعمر الإنجليزى ما قدم إلى بلادنا . وليته ما أنشأ سكك حديد السودان ومشروع الجزيرة والمؤسسات الحكومية ووسائل الإنتاج والساحات الغناء ودور الترفيه وكل مظاهر التمدن، وليته ما أدخل التعليم الحديث ولا أقام كلية غوردون التذكارية، وليته ما أنشأ قوة دفاع السودان وليت كل العسكر والسياسيين الذين حكموا السودان ما كانوا وليت كل الذى
لحق بالسودان ما كان ... وليت الذى حدث ما حدث، ما انفصل الجنوب ولا قامت الحروب

وليت المهدية بحروبها الداخلية والخارجية والمجاعات والمعتقلات أنهت كل الشعب السودانى حينئذٍ، وليت الله قيض لأرض السودان سكاناً آخرين ومن جنس آخر أفضل. وفى سيناريو آخر ... ليت السودانيين عادوا لقبائلهم وأقاليمهم وعاداتهم وتقاليدهم، لايحترفون عملاً سوى الزراعة والرعى وتجارة هامشية، ومبلغ تعلمهم وعلمهم خلاوى القرآن. ولايرتدون سوى
الدمور، وغاية آمالهم الحج لبيت الله وزيارة قبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. وليت ... وليت ... وليت

نحمد للأستاذ كاتب المقال أنه لم يخف مشاعره ولم ينافق كما يفعل الكثيرون، ونحمد له كذلك الوضوح والشفافية فى عرضه لأفكاره؛ إلا أن المدهش وهو يهرب من واقعه هذا تمنى لنفسه ووطنه وأحبابه الشر والدمار و أراد لهم الجهل والمرض والتخلف وللكل الحياة الساذجة الأولى حياة الأنسان الأول والعودة إلى العصرالحجرى وذلك؛ لأن الذين أصابهم حظ من العلم والمعرفة ونالوا قسطاً من الرقى والتقدم والتمدن ومكنتهم الظروف من حكم البلاد قد خذلوه حين دمروها وشتتوا أهلها... وأتجه للأسف وجهة أخرى فلا هو مع الذين يحبون أنفسهم كشاعر بنى حمدان ( أبوفراس ) الذى قال

معللتى بالوصل والموت دونه ....... إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر

ولا هومع الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة كفيلسوف الشعراء ورهين المحبسين (أبوالعلاء المعرى) حين يقول

فلا هطلت على ولا بأرضى ....... سحائب ليس تنتظم البلادا



على الرغم من أن كل الأصوات التى إرتفعت فى رفضها للواقع فى بلادى، إتفقت وتمنت وأجمعت على زواله؛ إلا أنها تباينت فى الكيفية والوسيلة التى يزال بها، حيث طفق بعضها يحلم بالعودة إلى الوراء أو زوال الماضى كله، ولم يفكر لحظة فى المواجهة والسعى والسير نحو التغيير والتطلع إلى المستقبل ... ولكن ... أليس من سبيل إلى شحذ الهمم وتوحيد الطاقات والجهود وتوظيفها نحو التغيير الإيجابى فى مواجهة هذا الواقع الذى لا يرغبون. أليس من سبيل إلى التنازل عن بعض الذات لصالح الجماعة؛ لأن حياة الجماعة واستمرارها لن تتحقق دون تضامن وتعاضد وتضحيات، بدلاً عن ضياع الجهود هباءاً فى التمنى الحالم ؟ ومن ثم؛ تبديد جهدٍ مقدرٍ كان بمقدوره أن يقلب الموازين إذا وجه وجهة سليمة واستخدم بكفاءة عالية ؟

هل التمنى بعودة الماضى أو بزواله فعل قابل للتحقيق ؟ وهل نستطيع نحن جيل الحفدة أن نمنع أمراً حدث لأجدادنا ؟ كيف لنا مثلاً أن نوقف تمدد الدولة العثمانية التى سرحت ومرحت فى أراضينا أو نوقف الإستعمار التركى المصرى الإنجليزى الذى كتم أنفاسنا ؟ ومن ثم؛ أيهما أقرب إلى الواقع ويستحق منا الإجتهاد وبذل النفس والنفيس، إعادة الماضى أم تغيير الحاضر التعيس إلى الأفضل والأجمل ؟

eliaselghayeb@hotmail.com
الياس الغائب ٠٠٠ كوبنهاجن





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1321

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الياس الغائب
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة