المقالات
السياسة
الغبش أيقونة الزمن الجميل!!
الغبش أيقونة الزمن الجميل!!
04-09-2016 05:17 PM


أول مقال كتبته في حياتي، في عام 9701، عندما كنت طالباً في الصف الثاني متوسط، أو ثانوي عام فيما بعد، في بارا الأميرية الوسطى، كان عن منطقة السيسة، وقدمته في الجمعية الأدبية التي كانت تقام في مسرح المدرسة مساء يوم الإثنين من كل أسبوع! ولعل كلمة السيسة هي كلمة سودانية الأصل والمنشأ وتستخدم في مقابل أرض القوز أي الرملة، وتعني الأرض ذات الطبيعة التي تكثر فيها الوديان ويوجد بها الحصى المخلوط بالطين وتتخللها بعض الجبال الصغيرة. وعندما نقول السيسة في دار الريح يتبادر إلى الذهن تلك المنطقة الواسعة التي تمتد من القاعة غرباً وشمالاً وتشمل أبو رقاشة وأبو كروية والكوكيتي ومناطق أخرى كثيرة حتى السرج والجمامة وبكل تأكيد الغبش وقليعات الطين والخدارة ورهد الدبيب والميع شمالاً! هذه الديار إذا ذكرها أناس كثيرون في دار الريح ذكرتهم عهود الصبا فحنوا لذلك؛ فقد كانت مراتع النعم والغزلان وأماكن النشوغ في الخريف حتى ضربها الجفاف فحولها قاعاً صفصفًا، فسبحان الله مغير الأحوال والناس! هذه المنطقة كانت تكثر فيها الغابات والأعشاب فتكون مخضرة طوال فصل الخريف وجزء من الشتاء، إلا أنها تعاني من نقص المياه وبالتالي العطش صيفاً. أما بخصوص أراضي الغبش فهي منطقة تقع شمال غرب الكوكيتي وهي جزء مما يعرف "بالسيسة" وقد سكنها الفراحنة (الغبشان) منذ قديم الزمان، تقريباً منذ قدوم القبيلة من دارفور إبان حكم سلطنة سنار أو حتى قبلها. وهي تشمل عدة أجزاء مثل قليعات الطين التي كانوا يأخذون منها الطين لصناعة الفخار أو الأزيار والقلل و(البرام). في سبعينات القرن الماضي بدأ الناس النشاط الزراعي في هذه المنطقة بعد أن انقرضت الأبقار نتيجة الجفاف، ولكن تدخلت الحكومة وردمت منطقة القليعات وليس الغبش بقرار مشكوك في صحته صدر عام 1978. واستأنف أصحاب الأرض زراعتها مرة أخرى في عام 1986 وكان هنالك اعتراض من بعض الجهات ولكن القاضي أصدر أمراً بمواصلة الزراعة على أن يواصل الفراحنة الذين هم أصحاب الأرض التقاضي من أجل إبطال قرار الردم. وهنالك شواهد كثيرة على ملكية الفراحنة لهذه الأرض فعلى سبيل المثال يوجد بين القليعات والخور "دمر" أحمد ود بشير وله بئر هناك. وفي سفح الجبل من الناحية الشمالية توجد قرية الفريدة التي يسكنها نفر من عيال بشير، ومعهم بعض الكوارير والأشراف الشناقيط الذين ينتمي إليهم الشيخ عبد الرحمن ود الشريف الذي كان يدرس القرآن في مسيد أحمد ود بشير الكائن في تلك القرية، وتخرج فيه حفظة كثيرون لا يزالون مقيمين وأحياء على ظهر هذه الفانية التي ملئت جوراً وظلماً. أما المنطقة الأخرى فهي جبل الغبش الذي ينسب إلى حامد ود فضل الله من الفراحنة، من خشم بيت الغبشان. هذا الجبل يعرف بالغبش الكبير أو السمين كما يعرف أيضاً بغبش حامد وهو المذكور آنفاً؛ وهذه المنطقة مزروعة حالياً. وفي الخمسينات من القرن الماضي زرع فيها صاحبها ومالكها حامد ود فضل الله ثم ترك العمل بالزراعة لمدة من الزمن واعقبه على زراعتها حامد ود بشير وآخرون في الستينات وحتى السبعينات ولهم فيها آبار خاصة في الأضاة أم سياله التي تقع أسفل الجبل من الناحية الجنوبية. عموماً لم يترك الناس العمل بالزراعة في منطقة الغبش إلا بسبب بعده عن مصادر المياه! أما في الآونة الأخيرة وبعد توفر وسائل النقل ومواعين حمل المياه بكميات كبيرة مثل القرب عاد الناس لممارسة الزراعة لأنها حرفتهم الرئيسة بعد الرعي في الغبش التي هي ملك خالص لهم ولكن للأسف الشديد اعترض إخوتنا أنفسهم الذين تسببوا في ردم القليعات من قبل بحجة أن الغبش يشمله قرار الردم! وعمدوا إلى تسمية الأماكن المعروفة بغير اسمائها. ومواصلة للقضاء جاء القاضي المقيم إلى الغبش وعاين الزراعة وأخذ شهادة الشهود ومنهم هبابين وكلهم شهدوا بأن الغبش لا يشمله قرار عام 1978 المشكوك في صحته أصلاً فما كان من القاضي إلا أن أمر بمصاولة الزراعة واستمر العمل لمدة ثلاث سنوات دون انقطاع! وبعدما أوشكت المحكمة على إصدار قرارها والنطق بالحكم في النزاع فإذا بلجنة أمن المحلية تصدر قرارها بنزع ملكية الأرض لصالح الدولة ضاربة بسير العدالة عرض الحائط، دون أن تشير لملاك الأرض التي نزعت ظلماً وجوراً بحجة أنها لا تصلح للزراعة. وإثر صدور ذلك القرار المجحف تحرك أعيان الفراحنة وقابلوا المعتمد وملكوه كافة الحقائق. وفي هذا الصدد وجهنا صوت لوم للسيد الأمير الذي كان على صلة بالقرار ولكنه لم يحرك ساكناً مع علمه أن أرضاً مملوكة لبعض رعيته قد صودرت لصالح الدولة بدون وجه حق! ولذلك قلنا له: يا شيخ العرب دي ما المحرية فيك! وسنبذل كل ما في وسعنا ليعود الحق لأصحابه بكافة السبل الممكنة. وفي كل الأحوال على الجهات التي أصدرت القرار ومن يقف وراءها تحمل كافة تبعاته وتداعياته وليعلموا أن الفتنة أشد من القتل.


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1465

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة