المقالات
السياسة
"تبْخِير" السَّفير..!
"تبْخِير" السَّفير..!
04-12-2016 10:31 AM



كنت أتطلع الى سفر بعيد ، لكن حاجب السفارة كان بالمرصاد على جواز سفري، كلما قدمته للتأشيرة، كتب على الصفحة الأخيرة منه عبارة معناها "كتَّرْ خيرك استلمنا الطَّلَب"..فأعود مرة أخرى إلى دائرة الجوازات ،وأستخرج جوازاً جديداً، ليكتب عليه القنصُل ببساطة، ذات العبارة، ويختم عليها بختم السفارة..


قضيت السنوات الأولى من عمر الإنقاذ هكذا، بين السفارة والجوازات، حتى اقترح لي الأصدقاء ـــ الذين التقيت بهم تحت ظل العمارة ــــ حلاً عند آدمو، في عِششْ فلّاته..قالوا إن جحافلاً سافرت ، ببخرةٍ أو بحجابٍ من آدمو..


قالوا إنه فكي جامد، سرّه باتِع،، يعرف الفرق، بين "الجدادة العَزَباء، والعذراء"..!


وكما يقول المثل "سيد الرايحة يفتح خشم البقرة"..! كانت الإنقاذ آنذاك عبارة عن مجروس..التلفزيون صورة مجروس، الراديو صوت مجروس، وكانت الصحف..وآهٍ من الصحف في ذلك الزمان..وهل من المفيد أن نطلق على الماضي إسم"كانَ، "إذا كان كائناً"..؟


سيد الرايحة يفتح خشم البقرة، وأنا رايحه لي تأشيرة..فشلت في الحصول عليها بالدرب العديل، ولابد من حُواطة..هذه سفارة، وهذا الفكي لن يسألني عن"إسم أُمّها"..!


المكان شوالات ودلاقين، تلك هي عشش فلاته التي "نحروها أم انتحرت"..؟


من هنا ينفتِح الطريق نحو مانهاتن..من هنا اتأمّل شُعلة الحرية، وأتطلع نحو عوالم مالكوم اكس، وقد أشهد عياناً بياناً، حفلة حية لمادونا..!


و دخلت راكوبة آدمو بهذا الحلم.. قلت لِقُرّة عيني:ــ ياشيخنا.. أنا ما عندي شغلة بالحريم..أنا جاييك عديل، في موضوع واحد..أنا داير أسافر وبس..!


تبسّم شيخي و قال:ــ "دايِر مرا، نجيبو هسه..هسّه يجي..يَهَبِي هَبِي".. أي تحبو حبواً..!


كان قُرّةَ عيني، يحدق في شوالات بيته ، والكلاب خارجها تلوي أذنابُها للريح.. كان يحدق في الركن ، يُحادِث أشباحاً، ويقول بصوت أسمعه :ــ "تجيب..هسّه تجيب"..!


ثم عاد إليَّ قُرَّةَ عيني، وقال:ــ "مُشكِلة مافي..هيرة / خيرة زي اللّبن..ما شاء اللّاهو"..!


ـــ لكن ياشيخنا، أنا عاوز أسافر أمريكا..!


قال بتأكيد قاطِع :ــ "تسَافِرو، تَسَافِرو"..!


ـــ لكن ياشيخنا، الزول ده، كلما أمشي للتاشيرة، يمسِك جوازِي، و يكتب عليهو:استلمنا الطّلَب.. قلتها بالإنجليزية، لزوم لفت الانتباه..


سألني:ــ "زول ده منو"..؟


رأيت أن أزيد عيار تأثير"العمل"، فقلت له، انه السفير الأمريكي..سفير راسو قوي، لا يمنح التاشيرة للسودانيين بالسّاهِل.. قال شيخي، بنبرة واثقة التمكين :ــ "مُشْ عَلَى كَيفُو..تَسَافِرو يَعني تَسَافِرو"..!


ثم دخلنا بعد ذلك في شروط المرابحة..قال شيخي:ــ "تمُرقو، وتَجيبو سبع جدادات بيضااا"..!


ـــ والجداد الأبيض دا، ألقاهو ليك وين..؟


* "قريب تلاقيهو..قريب..ده جداد لزوم شغل الليل"..


قلت له:ــ يعني مُخارجتي من مجروس الكيزان، تتوقف على سبع جدادات بس..؟


قال شيخي:ــ" نأم..أنا قلت تَسَافِرو، تَسَافِرو..كلمة بتاعي مايقع "وَاتَا"..!


ـــ طيِّب يا شيخنا، أيه رايك، تأخذ ثمن السّبع جدادات، وتشتريها إنت براك، حسب المواصفات والمقاييس..؟


أمّنَ شيخي على قولي..تمتم بالجدادات.."سبأأ، جدادات،، جدادات بيداا..نلاقيهو نلاقيهو..هِلّة / حِلّة بتاعنا ده، مليان جداد..أنا نشتريهو ليك، إنت ماتعرف"..!


وأعطيته الجنيهات، جنيه ينطَحْ جنيه..كانت الإنقاذ حينها، لم تفكر في تغيير العملة..كانت أوراقاً حمراء من فئة الخمسين..أوراقاً حمراء مثل شمس الحزب الشيوعي..أخذ مني جواز السفر وقام بتبخيره على بخور لزِج الرّائِحة، وقال:ــ "دا بخور راس كلِبْ"..!


وأضاف:ــ "سفير بِتاع أمريكيا،هسّه يكون شَمّا..ود الكِدِكْ"..!


و قال لي شيخي:ــ"سفير يلاقيك خشم الباب، ويسقيك ليمون سُكَّر ساااقت"..!


دخلت السفارة الأمريكية الكائنة في شارع على عبد اللطيف..كنت أحلم بالليمون الساااقِط ، ومازلت أحلُم..!


بعد سنوات، عدت باحثاً عن شيخي ، الذي أكّدَ لي:" تَسَافِروا تَسَافِروا"..


أين هو..؟


هل كان آدمو، يظُن نفسَه عُمدة وَاشنطون..!؟


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1541

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1444577 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2016 12:53 PM
رائع. سردا وحوارا. ليتك تعلن عن اسهاماتك السردية ك "قصة قصيرة" حتي لا تفوت علي المهتمين بالكتابات الادبية.

[سوداني]

عبد الله الشيخ
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة