المقالات
السياسة
الضحك الهدام: الرباطابي قال
الضحك الهدام: الرباطابي قال
04-14-2016 10:50 PM


(أردت بهذه الورقة التي قدمت خلال فعاليات دائرة زين العالمية للرواية على شرف الطيب صالح توسيع معنى "السلطة" و"الإبداع" لندخل في دائرتهما سلطاناً وإبداعاً غير ما يخطر على بالنا للوهلة الأولى. فقد تواضعنا أننا نعني بالسلطة الحكومة القائمة لزمننا. وهذا منحى كيفته أوضاع سياسية منذ استقلالنا كنا فيه، وما نزال، في حرب ضروس مع الحكومات المتعاقبة. من الناحية الأخرى رغبت في الورقة أن أوسع التعبير الإبداعي ليتخطى الأثر المكتوب كالرواية أو القصيدة إلى تعبيرات لسواد الناس اشتهرت ب"الفلكلور". وهو مصطلح جعلها إبداعاً من الدرجة الثانية وما هي كذلك).


لاح لي الضحك كعمل هادم للسلطان خلال بحثي عن مجاز السحر (العين الحارة) عند الرباطاب في الأواخر من سنيّ الثمانين. فقد استوقفني في هذا المجاز تعدد وجوه بواعثه وآثاره التي يدلي بها أطراف واقعته وهم الساحر، الذي يطلق المجاز، والمسحور، المستهدف بالمجاز، والمصتنتون (في نطق الرباطاب للكلمة). فالمسحور كماهو معروف يرد المجاز للحسد فالعين الحارة. ويأتي بأنواع الأذى التي أصابته من جرائه. وتراه يرمي بكل التعاويذ الإسلامية في وجه السحار ليكف شره ثم يتطبب بالرقى لإزالة آثار عدوانه. أما السحار فينسب مجازه إلى الفن يريد به التسلية. فهو كمبدع طليق الخاطرة "يهجم" المجاز عليه من حيث لا يحتسب حتى قال أحدهم إنه كالفاق لا تملك له دفعا. أما المصتنتون فسيستغرقهم الضحك متى أصاب الساحر التشبيه "السوادة"، في التعبير العسكري، غير غافلين عن الشر الذي سيصيب المسحور في مثل قولهم: "لا حولا. كتلو، قضاه، ما نفع تاني"
واستوقفني هذا الجنس الإبداعي المتضارب بين الضحك والشر. واستعنت على تفسيره بطرف من أراء ميخائيل باختين، العالم الروسي على أوائل القرن العشرين، عن الكرنفال. فبدأت من عبارته "ومعلوم أن الضحك يذهب بالخوف والتقوى" . فتساءلت أي خوف وتقوى تلكما التي يذهب بها مجاز السحر الرباطابي؟

الكرنفال: جماليات البشاعة
أبدأ أولاً بإيجاز عرض مفهوم باختين للكرنفال. فوصفه بأنه "عالم ثان". فهو عالم فلاح القرون الوسطي الأوربية حيال العالم الأول الرسمي الصفوي للسلطان المدني والكنسي. ففي مسرح الكرنفال تُحل المحرمات مثل القمار. ويطغى الزي القناع على الملبوس المعتاد. فيلبس البلهاء زي الوجهاء، والفلاحون زي النبلاء، والرجال لبس والنساء والعكس صحيح. فهو ساحة للضحك والمبالغة بما يُخرِج الأشياء من طورها فيزيح جانبا النسخ المتسلطنة للغة والحياة الرسمية مفسحاً المجال لخليط عظيم من الأصوات والمغازي. ويتخلق العالم بلا حدود في الكرنفال جانحاً للمبالغة بغير حشمة من إفراط في الأكل والشراب والهرار. فالعطر يستبدل بالبراز. ويركب القسس المهيصون آكلو السجك المخلوط بدم الخنزير عربات مملوءة بالزبالة يرمون قبضات منها باتجاه المحتفلين .
فبالكرنفال نسترد الضحك للعالم الذي كانت الثقافة السلطوية قد نزعته عنه. وسمى باختين جماليات الكرنفال التي يحدث بها الأثر الموصوف بجماليات ال (qrotsque). والكلمة الإنجليزية تعني الشيء غير الطبيعي في شكله أو مظهره أو شخصيته. فهو الدميم بصورة شاذة ولا معقولة والناشز. ولم أجد لها تعريباً أذكى من "بِشْعة" في مصطلح الرباطاب الذي غطى كل المعاني أعلاه. والأهم من ذلك أن الذهن الرباطابي لا ينصرف إلى ضريبتها الفصيحة "بَشِع" التي تنطوي على الفظاظة المادية في استخدامنا الدارج لها.
وجماليات البشعة لا تستدبر المتوقع أخلاقياً ومنطقياً فحسب، بل تأتي بعكسه. فغايتها الهدم والضحك والتضارب (عكس اليقين) والصيرورة. فترى بالضحك العالم في َضوء جديد لا يكون به أقل عمقاً (إن لم يكن أغور عمقاً) وأنت تراه من الزاوية الجادة من الدنيا. فسبيلك لبعض جوانب العالم الجوهرية لا يكون إلا بالضحك. فهو هادم لمفردات ثقافة الطبقات الرسمية والسلطوية التي انعقدت بالعنف والحجر والتحديدات ودائماً ما انطوت على عنصر للخوف والترويع. فالضحك، من الجانب الآخر، يتجاوز الخوف لأنه لا يعرف الزواجر ولا الحدود.
صفوة القول إن الكرنفال، ككل إبداع، عالم ثاني متضايف أو "متطفل" على عالم أول سلطاني مكين. ووقوع العالم الثاني، أو حدوثه، رهين بإذن من ذلك العالم الأول. فقد يُوَسع له فيقع وقد يُضَيق عليه فيحُرِمه كلية أو يطففه هذا الوجود. وممن نظر في علاقة العالمين انثروبولجياً الأمريكي كيث باسو في سياق تحليله للدعابة عند الهنود الأباتشي. وسمى العالم الأول ب"النص الأولي" وسمى العالم الثاني ب"النص الثانوي" .



عمدة البركس
سأتوقف هنا قليلاً قبل تحليل كرنفالية السحر ل"بيان بالعمل" لجدل النص الأول والثاني عندنا وعند غيرنا. وسأضرب مثلاً بأشكال كرنفالية من جنوب شرق أفريقيا ومن جامعة خرطوم السبعينات عندنا لتقربنا من هذا الجدل ومن كرنفالية السحر بالضرورة.
جاءنا الإثنوغرافي البريطاني ماكس قلوكمان بمفهوم "طقس التمرد" من دراسته لمشهدين كرنفاليين وسط شعب الزولو بجنوب أفريقيا. ففي الأول منهما تستولي النساء على الساحة بأداءات مهينة للرجال. أما الطقس الثاني فمخصص لإهانة الملك من الأسرة المالكة على مرأى من العامة ومشاركة منهم. ففي طقس إهانة الرجال يختلط حابل النوع بنابله. فتلبس النساء ملابس الرجال، ويرعين البقر، ويحلبهن مما هو "تابو" محرم عليهن في الظروف العادية. وفي طور من الطقس تتعرى البنات والنساء ويغنين أغنيات هتيكة بينما يختبئ الرجال والصبيان في البيوت. ورد قلوكمان هذه الطقس إلى تباين الشوكة بين الرجال والنساء وخضوعهن لبعولتهن خضوعاً أعمى. فهن قرين القوى الشريرة في الكون ومستبعدات من صنع القرار. وأخوتهن هم المستفيدون من مهورهن المدفوعة بالبقر. وفي هذا الطقس الباخوسي يحتللن منزلة أخوانهن الذين لجأوا للاختباء في البيوت كأنهم النساء لذلك اليوم. وتقوم النساء باستفزاز الرجال والإساءة لهم. ثم يعدن بعد الطقس إلى حال سبيلهن الأولى ك"جنس ثان" في قول سيمون دي بوفوار.
أما الطقس الثاني فيرتب لإهانة علنية للملك بغناء باغض له وبطقس ملؤه التهديد بما يضطره للهرب إلى عتبة حرام ما. وأكثر ما يشارك في هذا الطقس أعضاء من العشيرة الحاكمة. والطقس تعبير عن تكافؤ الجماعات الأصل التي كونت المملكة في تحالف حفظ لكل جماعة استقلالها. وهو استقلال يغري زعيم أياً من هذه الجماعات بأن يكون هو الملك. وينجم عن هذا التكوين المتكافئ تنافس وبغضاء تسوق أحياناً إلى القتل الطقسي. ونقول عرضاً إن مباحث قلوكمان بدأت أصلاً بالقتل الطقسي للملك على ضوء ما كتبه جيمس فريز عنه من أساطير الإغريق في "الغصن الذهبي". والأهم أنه كان قرأ عن القتل الطقسي عند الشلك في مقاله عنه بقلم إدواردا إيفانز-برتشارد أنثروبولوجي الإدارة الاستعمارية في سنوات في الثلاثينات والأربعينات .
أمامنا حالتان من الطقس الكرنفالي سمح النص الأول، سلطان الذكور والملك، للنساء والرعية لتمرد محدود على مسرح نص ثاني. وهو إذن بتهوية الضغائن المتراكمة خلال العام من النظم السلطوية ليوم وبعض يوم. ثم تعود حليمة إلى قديمها. ولذا وصف قلوكمان وظيفة هذه الطقوس بالتطهر أو تفريج الهم، اي الكراسس" في المصطلح الأرسطاطيلي لوظيفة الدراما.

[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 3393

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1445384 [قنوط ميسزوري]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2016 07:25 AM
name dropping as in birds' dropping

[قنوط ميسزوري]

#1445367 [مواطن دارفورى]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2016 05:17 AM
ولم يذكر شيء عن الذين يعيشون الفقر والفاقة والعوز في بلده .. ولم يذكر شيء عن السفاح عمر البشير ... ولم يذكر شيء عن الديمقراطيه المفقوده .. لكنه يمكن ان يحدثنا عن ابن خلدون مثلا ويتخيل ان الشعب المقهور في حالة شغف لسيرة ابن خلدون .. ماذا ماذا يا هذا ؟؟ ف u ومعاك بن خلدون .

[مواطن دارفورى]

#1445071 [KKambalawi]
4.00/5 (1 صوت)

04-15-2016 12:53 PM
المقال ده ناقص, لم يذكر شئ عن عبد الخالق محجوب, أو الحزب الشيوعي, حاجة غريبة,,,,, يكون زهمر,,, Alzhiemmer

[KKambalawi]

#1445014 [قنوت ميسرة]
0.00/5 (0 صوت)

04-15-2016 10:10 AM
نشوف آخر الحظر دا

[قنوت ميسرة]

#1444928 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

04-15-2016 02:56 AM
1. مقال مثير للاهتمام، ولبعض الاسئلة: مثلا:
١. اين ضلع السلطة في مثلث الساحر_المسحور_الجمهور في معظم ما توارد لنا عن براعة الرباطاب في سرعة القريحة/ المقرونة بالتشبية الذي يصيب عين الثور (كما يقولون) من فرط بلاغة المجاز وتطابقة للواقع المشبة/المقرونة ب "مساخة" الرباطاب مرهوبة الجانب؟
فمثلا معظم ضحايا نكت الرباطاب التي اعرفها "ناس غلابة" لا قوة لهم ولا سلطان، بل بعض ضحايا السحار اطفال {كنكتة الرباطابي الذي دخل ليهني جاره بختان بنتيه التؤامتين فوجدهما راقدتنين خلف خلاف علي عنقريب ومغطيتان باستثناء وجهيما بثوب قرمصيص، ليقول: والله توماتك ديل زي بت الكوتشينة!). تقول النكتة القاسية ان البنتين ماتتا في مساء نفس اليوم! أين الضحك الهدام للسلطان هنا؟
٢. هل ياتري في الادب الرباطابي (او السوداني) قصص اسطورية (fairy tales) كالاساطير التي جمعها الاخوة قريم (the Grimm brothers) مثلا تتمظهر فيها هذه السطوة للضحك والسحر علي السلطة؟

2. شكرا ع.ع.أبراهيم. علي هذه النزهة في روابي الثقافة بعيدا عن السياسة (رغم ما للموضوع من تماس خطير بالسياسة علي ضوء الازمة الحالية بين تركيا والمانيا بسبب ان احد برامج الكوميديا satire الالمانية ضحكت بطريقتها علي السلطان طيب اردوغان رجب)

[سوداني]

ردود على سوداني
[عبد الله علي إبراهيم] 04-16-2016 10:47 PM
شكراً سوداني لنظراتك الجيدة في المقال. عنصر السلطة في المثلث يقع خارجه . إنه اقتصاد النضم( economy of speaking) الذي رتبته الذهنية الشرعانية في الإسلام فقصرت قول المسلم على المعاش والمعاد وكل حديث غيرهما "تفرج بالحديث" منهي عنه.فالنص الثاني السحر مثير الضحك معدود كهادم للنص الأول القابض الذي فقهه في مثل ذلك الاقتصاد.
أما عن الحكايات الشعبية فلنا مثل ما لهم لأن فن الحكاية الشعبية الذي ذكرته هو ربما الفن العالمي الأول وما يزال. وستجد علماء الفولكلور رتبوا الفهارس التي مسحت هذه الحكايات على طول العالم وعرضه وأعطت لكل منها رقماً. ومع التشابه في سائرها إلا ان لكل شعب وإقليم مراوحته الإبداعية. فمثلاً فاطمة السمحة رقمها عالمياً هو 510 ولكن لن تجدها متطابقة بالطبع في سائر تجلياتها في العالم. ومن أنصح من يقوم بمثل هذه المقارنات استاذنا الدكتور حسن الشامي بجامعة إنديانا.
وسلمت سوداني


#1444893 [فارس الكلمة]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2016 11:38 PM
هذه قضايا إنصرافية .. كنا نتوقع منك مقال عن جامعة الخرطوم في هذه الأيام الحالكة التي تعيشها .. أم أنك خايف من النظام ؟ على كل هذا ليس جميل في حقك يا بروف

[فارس الكلمة]

#1444882 [omer]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2016 10:58 PM
كتابات سلق بيض على قول دكتور منصور خالد

[omer]

ردود على omer
United States [مواطن دارفورى] 04-16-2016 05:34 AM
كلهم بتاعين سلق بيض .. عبدالله والذى تستشهد به " منصور خالد" يعنى الاتنين بعيدين عن هموم الوطن وفى حالة منافسه بالأقلام ومواضيع تاريخيه لا هم لنا بها الان يقدر همنا الذى نعانى منه اليوم .. فقر .. حاجه .. عوز .. = بؤس .
اخر الكلام : لمن تكتبون ؟؟


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة