المقالات
منوعات
عتيق و اللغة الرقراقة - مقال
عتيق و اللغة الرقراقة - مقال
04-17-2016 02:21 AM


عبر الواتس وصلنى اليوم فيديو قصير من رفيق الزمن الأخضر " محمد صديق عبدالله " من بلاد الضباب بريطانيا . الفيديو كان للفرعون محمد وردى متغنيا برائعة " هل تدري يا نعسان " و هى أغنية عظيمة من كلمات الكبير " محمد بشير عتيق " و ألحان كروان السودان " كرومة " و تغنى بها في الأصل " حسن عطية " . ضغطت على الفيديو فتدفق صوت وردى كما النيل ، رقراقا عذبا ، و معه تفتحت تأملات كثر ، و جاءتنى سحائب ذكريات قديمة حسبتها سكنت ( ضواحى ) ذاكرتى بعد أن صار قلبها - ذاكرتى – نهبا لجراحات النفى و ضغوط الحياة الصفراء . كيف لا و قد ظلت هذه الأغنية و أغنية " في عز الليل " للكابلى من ندامى مجالسى مع صديقى الشاعر الجميل " بابكر الوسيلة " في تسعينات القرن الماضى في ردهات كلية الآداب و داخلية عطبرة " ب " . كان الوسيلة و كلما التقانى عانقنى في صفاء المتصوفة ثم رفع صوته مغنيا "هل تدرى يا نعسان أنا طرفى ساهر " ، أو ذائبا :
وبين الذكرى و النسيان
مسافة قريبة يا انسان
و لو حاولت تذكر
تعيد الماضى من أول
تلقى الزمن غير ملامحنا
و نحنا بقينا ما نحنا
و أنا الصابر على المحنة
ذاك زمان ما كان أخضره . ألا تعسا للعساكر في كل زمان ، ما دخلوا قرية إلا جاسوا خلال دورها و أفسدوها و رقصوا على أشلاءها كما نيرون في روماه !!
" هل تدرى يا نعسان " هى درة من درر ابن امدرمان العظيم " محمد بشير عتيق " و لعلها لا تشذ عن مذهبه الساطع في الكتابة الشعرية : اللغة العالية العذبة التى تتخذ في غالبها منحى العربية الفصيحى ، و الصور الشاعرية الفذة ، تلك التى غذاها في صبا الشاعر ميلاده في بيت والد يمتهن تعليم اللغة العربية ، ثم حفظ الشاعر للقرآن الكريم مما رفده بذخيرة لغوية هائلة ، ثم تأثره بالشاعر الغنائى الفذ " صالح عبدالسيد أبى صلاح " ، هذا غير معاصرته في فترة الصبا لشعراء فحول على رأسهم "محمد سعيد العباسى " .أنظر الي سلاسة لغة الشاعر في المقطع :
ليلى و نهارى انا لى حيك بهاجر
آخذنى نورك يا فاتن المحاجر
ما بخشى لوم في هواك ما بخشى زاجر
مهما الاقى
من طول فراقى
و فرط اشتياقى
حافظ عهودك وحياة خدودك
يا الليا هاجر
هل تدرى يا نعسان انا طرفى ساهر
ذاك جيل كان منفتحا على قراءة التراث العربى و آثاره . أنظر الى عتيق نفسه في رائعة " الرشيم الأخضر " متغزلا :
فكرى كاد يتبعثر
من غرايب حسنو
و من عيونو الفتر
حكمة لو يتمايل
أو سفر يتبختر
إيه بثينة و عزة
و إيه عبيلة عنتر
ها هو حسنو أمامى
فتجد في المقطع أعلاه إشارة الى بثية معشوقة جميل بن معمر و عزة معشوقة كثير بن عبدالرحمن الخزاعى و الشهير بكثير عزة و عبلة معشوقة عنترة بن شداد الذائع الصيت .
يقول تى اس اليوت " أكتب و في دمى كل الشعراء الانجليز " . هكذا يستند المبدع الأصيل على من سبقوه دون أن يتنافى هذه من تفرده الخاص . ولهذا كان محمد وردى حريصا على التشرب بغناء من سبقوه ، فحفظ أغنيات للفلاتية و احمد المصطفى و عثمان حسين و تأثر بابراهيم عوض و كان مغرما بعبد العزيز داوؤد . و حين جاء وردى الى الاذاعة في نوفمبر 1957 و تم اختباره في نهار رمضان ، أذهل اللجنة بغزارة اطلاعه على الاغنيات الامدرمانية رغم انه محسى رطانى . و أذكر انه ذكر للاعلامى الكبير علم الدين حامد بأنه يطرب كثيرا لأماديح أولاد حاج الماحى . هذا الانفتاح على ثقافات السودان المختلفة جعلت وردى يلحن بايقاعات مختلفة لا تمت الى منطقته بصلة و ذلك مثل ايقاع " التم تم " الذى يتضح مثلا في رائعة " جميلة و مستحيلة " للمعتق محجوب شريف . و أذكر انه هاجم الأجيال الحديثة هجوما عنيفا لأنه تدير ظهرها لماضيها و تريد أن تنبث نبتة إبداع في الهواء !!
جراحات هوية أهل السودان تثور في دمى بشدة حينما استمع الى أغنية من طراز " هل تدرى يا نعسان " . حينها ينتابنى حنق هائل على الإعلام السودانى الذى فشل فشلا ذريعا في إيصال مثل هذه الدرر الى العالم العربى من حولنا ، في وقت تصفق فيه العواصم البلهاء بأغنيات أقل ما توصف به أنها مسفة ساقطة !! . من يخرج الى الكون :
أرجوك يا نسيم روح ليهو
بى أشواقى و صرح ليهو
و أذكر صبوتى و سهادى
من يقدم الى الكون :
حمام الأيك و القمرى
يصيح ينبيك عن أمرى
و بين عواسلك السمر
روايحى و فاكهتى و خمرى
تراث ما نسميه في السودان "أغنية الحقيبة " يذخر بقصائد شعرية عبقرية الثراء . فمن يزيح عنها غبار النسيان ? .
شكرا يا صديقى و أنت تهبنى الكثير من الجمال و الشجن و القلق !!
..
مهدى يوسف ابراهيم
( [email protected] )
جدة
السبت 16 ابريل 2016




تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1706

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1446011 [سوداني]
1.00/5 (1 صوت)

04-17-2016 02:05 PM
والله صدقت يا رجل، فشيخنا محمد بشير عتيق _ طيب الله ثراه _ اخاله شرب الشعر من اول ماء تقطر في الكون.
يدغدغ وجداني اكثر ما يدغدغ عندما استمع اليه وعثمان حسين في باكرة الاخير كفنان مجاز من قبل اذاعة امدرمان في الاربعينات. واذا اردت معرفة مدي عبقرية فنان (بالمعني الشامل للكلمة = artist)، فانظر لعمله الاول.

فيا احبتي انا عازمكم جرعة ابداع: الرحاء الدخول الي youtube و ترشف هذا "البعض من نفس الله". وشكرا مهدي يوسف

(ﺣﺎﺭﻡ ﻭﺻﻠﻰ ﻣﺎﻟﻚ)
ﻛﻠﻤﺎﺕ : محمد بشيرﻋﺘﻴﻖ
غناء: عثمان حسين


ﺣﺎﺭﻡ ﻭﺻﻠﻰ ﻣﺎﻟﻚ ﻳﺎ ﺍﻟﻤﻔﺮﺩ ﻛﻤﺎﻟﻚ
ﻣﻊ ﻃﻮﻝ ﺇﻧﺼﺮﺍﻣﻰ ﻭﺗﻌﺬﻳﺒﻰ ﻭﺿِﺮﺍﻣﻰ
ﻣﺎ ﺇﺳﺘﻬﻮﺍﻧﻰ ﻏﻴﺮﻙ ﻭﻣﺎ ﺇﺗﺒﺪﻝ ﻏﺮﺍﻣﻰ
ﺃﺳﻬﺮ ﻟﻴﻠﻰ ﻭﺣﺪﻯ ﺃﺭﻭﻯ ﻏﻨﺎﻙ ﻭﺟﺪﻯ
ﻭﺑﻰ ﺣﺴﻦ ﺇﺧﺘﻴﺎﻟﻚ ﻟﻰ ﻗﻠﺒﻰ ﺇﻏﺘﻴﺎﻟﻚ
ﻭﻻ ﺯﺍﻝ ﺷﻮﻗﻰ ﻧﺎﻣﻰ
ﺍﺳﺘﻠﻄﻒ ﻣﻨﺎﻣﻰ ﻭﺍﺳﺘﻌﻄﻒ ﺧﻴﺎﻟﻚ

ﻃﺮﻓﻰ ﺇﺫﺍ ﺗﺄﻣﻞﻓﻰ ﺣِﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻮﺍﻛﺐ
ﻭﺿﻴﺎﺀ ﺍﻟﻜﻮﺍﻛﺐ ﻭﺍﻟﺒﺪﺭ ﺍﻟﻤﻜﻤﻞ
ﺑﺮﺿﻰ ﺃﺭﺍﻫﺎ ﺩﻭﻧﻚ ﺑﻞ ﻭﺣﻴﺎﺓ ﻋﻴﻮﻧﻚ
ﺃﻧﺖ ﻟﻄﻴﻒ ﻭﺃﺟﻤﻞ
ﻳﺎ ﺣﻠﻮ ﺍﻷﻣﺎﻧﻰ ﻭﻳﺎ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻰ ﻭﻳﺎ ﻟﺤﻦ ﺍﻷﻏﺎﻧﻰ
ﻳﺎ ﺩﺭﺓ ﻧﻈﺎﻣﻰ ﻭﻳﺎ ﺯﻫﺮﺓ ﻇﻼﻟﻚ
ﺃﻧﺎ ﻭﺍﺣﺪ ﻏﺮﺍﻣﻰ ﻭﺃﻧﺎ ﺷﺎﻋﺮ ﺟﻤﺎﻟﻚ

[سوداني]

#1445967 [جمال علي]
1.00/5 (1 صوت)

04-17-2016 01:04 PM
لغة رقراقة أم رقيقة؟
الرقراق برطانة دنقلا هو الظل الخفيف ,أي الذي يخالطه اشعة الشمس و يسمونه في الإنجليزية Penumbra

[جمال علي]

ردود على جمال علي
[مهدى يوسف ابراهيم عيسى] 04-17-2016 03:41 PM
الرقراقة فى اللغة العربية تعنى المتلألئة .


#1445698 [SUDANI]
1.00/5 (1 صوت)

04-17-2016 03:14 AM
يا مهدى بس خربتها بفرعون دى ما حلوه

[SUDANI]

ردود على SUDANI
[مهدى يوسف ابراهيم عيسى] 04-17-2016 03:39 PM
الفرعون لقب اطلقه استاذنا الصحفى العظيم حسن ساتى على العملاق محمد وردى بسبب جذوره النوبية . ليس فى الامر سبة يا صديقى اذ ان كلمة الفرعون فى الاصل تعنى العظيم


مهدى يوسف ابراهيم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة