المقالات
السياسة
في تكريم منصور خالد
في تكريم منصور خالد
04-17-2016 03:55 AM





بسم الله الرحمن الرحيم
في تكريم منصور خالد

للنفس أخلاق تدل على الفتى أكان سخاء ما أتى أم تساخيا
(المتنبئ)

عز علي أن لا يكون لي سهم أضيفه إلى جهد نفر جليل قد تداعوا لتكريم المفكر البارز منصور خالد ، ها أنذا أفعل برغم اني لست ذلك الأديب، و لا ذلك الكاتب النحرير ، فقد أسعدتني السانحة التي واتتني ، حتى يكون لي السهم المتواضع في عرس الوفاء لمن يستحق الثناء.
إن الدكتور منصور خالد مثقف منتشر بفكره الثاقب و قلمه الرصين و نظراته العميقة التي تنفذ إلى كبد الحقيقة فيما يطرح من رؤى و أفكار ، في بلاغة و سحر بيان.
لقد عالج بقلمه و حسه و بفكره الكثير من القضايا التي شغلت الساحة السياسية ، بجرأة و شجاعة لا تعرف الإنحياز إلا للحقيقة ، و إلى ذلك فقد شحذ عصارة فكره و قلمه الرصين ، و تجلى ذلك فيما أهدى للمكتبة السودانية من ثمار نبوغه و نضوج فكره بمؤلفاته الثرية الذاخرة بالروح الوطنية الغيورة على الحق و الخير و السلام ، كما لم تكن هي إلا إضافة حقيقية على الفكر السوداني.
إن منصور صاحب ملكة فريدة في إبراز أفانين اللغة و العزف على أوتاور الكلمات و جرسها، بإسلوب ساحر أخاذ ، يطرب له القارئ ، و لعمري ذلك ذوق فني رفيع ، يدلُ على ما يملك من مخزون لغوي محتشد بالمعاني و الفصاحة و قوة البيان. حين تقرأ ما كتب فإنك تحس بإنجذاب تلقائي ، و إن صفحات ما تقرأ تدعوك في تلهف للمزيد من الإلتهام من ذلك الفيض المعرفي الذي لا ينضب.
في محاضرة للسكرتير الإداري على أيام الإستعمار في السودان ، السير "دوجلاس نيوبولد" و في دار الثقافة في الخرطوم ، أورد الرجل تعريفاً للمثقف في صفات أربع يتحلى بها:
رحابة الخيال – التسامح – البساطة و الدعابة، وذلك إلى جانب الرؤية السديدة في إدراك طبيعة العلاقات الإنسانية و الإجتماعية و تشابكاتها.
بأسهاماته الوافرة و ما قدم من منتوج أدبي و فكري رفيع ، يأتي الدكتور منصور خالد في طليعة الكتاب المميزين في الساحة العربية دون جدال ، فقد شهد له بذلك رهط من أهل الفكر و الأدب ، أما هنا وطنه السودان فإنه و دون أدنى مبالغة يتبوأ منزلة الصدارة عن جدارة.
كثيراً ما يلحظ القارئ إستدلالاته بالقرآن الكريم ، و ربما كان ذلك مصدر دهشة عند البعض لسبب أو لآخر – و ربما فات عليهم أن يدركوا أن منصور سليل علماء و ينحدر من أسرة كريمة ، فكانت نشأته في بيت علم و دين ، و لا عجب إن كانت مشاربه على ذلك النحو ، اما إستدلالاته بالشعر و إفتتانه به ، فهي نتاج غوص عميق في بحور الأدب و مقدرة على استخراج لآلئ اللغة و حسان قوافي الشعر.
خاض منصور بحراً غنياً بالتجارب و الصلات و المعارف ، صنعت منه رمزاً مصغولاً بالحكمة و الرشاد ، فيما تبوأ من مواقع متقدمة في مجالات شتى ، كان أبرزها وضوحاً عمله كوزير خارجية السودان في أوآئل سبعينيات القرن الماضي ، فترك بصمات ناصعة في دهاليزها، تحكي عن عظمة دوره و تأثيره العميق. و لقد سار ثم أضاف على نهج سلفه الأسبق الأستاذ الراحل أحمد خير ، الذي رفع شعار توظيف الدبلوماسية لأغراض التنمية ، فحقق نجاحاً في هذا المضمار يُحمد له. سيذكر التاريخ إسم منصور و منجزاته في وزارة الخارجية ، ما أطل فجر أو توارى غروب. لعل أوجز ما يوصف به هو أنه أديب مطبوع و مفكر عميق الأثر و سياسي حاذق ماهر.
لمنصور صلاة واسعة و علاقات راسخة مع قامات سامية في السياسة و الأدب على مستوى العالم ، مع نفر كريم من نفر أجلاء منهم الأساتذة أحمد الطيب و عبد الرحيم الأمين و بشير محمد سعيد و عثمان محمد الحسن و عثمان حسن أحمد... و ليس ذلك حصراً لمعارفه و صلاته ، كما كانت لمنصور علاقة مميزة مع المفكر و الأديب الراحل جمال محمد أحمد ، و الذي ظل يبادله إعجاباً بإعجاب و تقديراً بتقدير.
أما صلته الأوثق مع خدنه الأقرب الراحل الطيب صالح ، فقد شهدنا عن قرب كيف يجله الطيب و يقدر مكانته ، و كان يسعد كثيراً حين يطل منصور على لندن، فتزداد تلك القاءات ألقاً و يتدفق فيها الأدب أنهاراً.
كانت للطيب مقولة عن منصور يرددها امامنا: لقد أخذت السياسة منصور من الفكر و الأدب و ظلمتهما... حتى عاد الأسد إلى عرينه.
و تستحضرني ذاكرتي حين جاء في رثاء منصور لصديقه الطيب:
( إن أكثر ما يدهشني في الطيب هو أنه أقل الناس عبئاً على مجالسيه و أكثرهم صبراً على الفارغين من كل شيئ ).
وذلك وصف إنساني دقيق يدل على حُسن الخلق و مكارم النفس.
أكثر ما يعجبني عند منصور إلى جانب فكره الثاقب هو سلوكه المتحضر وترفعه عن الصغائر و زهده في الخوض في جدالات لا طآئل من و راءها مع مخالفيه في الفكر و الرأي.
في ظني ذلك هو منصور خالد كما قدم نفسه عاشقاً لوطنه ، مشفقاً عليه و فخوراً به.
و جزاه الله خيراً و أمد في عمره لمزيد من البذل و العطاء.


حسن تاج السر علي
لندن





تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2018

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1446079 [ود السيد]
1.00/5 (1 صوت)

04-17-2016 03:46 PM
(( هذا المقال به من الأدب الكثير من قلته))
عبارة مدهشة قالها د. منصور تعليقا على مقال كتبه احدهم في حقه

[ود السيد]

#1445982 [طارق بابكر]
3.00/5 (2 صوت)

04-17-2016 01:30 PM
نعم السيد حسن تاج السر, لم توف البحر حقه لكنك رميت سهمك مع الرامين بجهد المقل و من رأي منكم معروفا فليدعمه إلى أن يصل الأمر إلي بقلبه و ذلك أضعف الإيمان. لقد أهملت جانبا مهما في شخصية الرجل الوطن منصور خالد, و هو ما رآه و فهمه من الأستاذ محمود محمد طه و الفكر الجمهوري, وذلك منذ أن كتب:( حوار مع الصفوة) ذلك الجانب من شخصية البروفسور منصور خالد جانب هام جدا في شخصيته كإنسان, مفكر, عارف , رجل دين, قدّيس و أديب سوداني, عربي و عالمي. لو لم تكن خلفية الدكتور منصور خلفية صوفية لأصبح ملكا للسودان, لكنه يربأ بنفسه عن سفاسف الدنيا و يهرب منها و إن أقبلت.

[طارق بابكر]

#1445870 [Khalid ali]
1.00/5 (1 صوت)

04-17-2016 10:50 AM
السودان بيغرق وانتوا بتكرموا المثقفين ، من يستحق التكريم والله والله طالبات وطلبه شهداء سبتمبر ، دى الوطنيه فى ابدع صورها ، وإذ كان الدكتور منصور خالد رجل يقدر الوطن والتعليم والثقافة ، لكان قدم تكريمه لهؤلاء الشهداء الشباب ،اختشوا على وشوشكم .

[Khalid ali]

#1445838 [هدى]
1.00/5 (1 صوت)

04-17-2016 10:10 AM
ونحن ندعو معك أن يمد الله في عمره لمزيد من البذل والعطاء.إن أفضل ما في منصور وربما أسوا ما فيه إنك لا تستطيع ترك كتاب كتبه حتى تصل نهايته.

[هدى]

#1445764 [كاسـترو عـبدالحـمـيـد]
1.00/5 (1 صوت)

04-17-2016 08:24 AM
أوفيت وما قصرت وكلاكما تستحقان الشكر والتقدير وهكذا يكون الوفاء .

[كاسـترو عـبدالحـمـيـد]

#1445747 [فارس الكلمة]
1.00/5 (1 صوت)

04-17-2016 07:57 AM
بارك الله فيك أخي حسن، ومساهمتك تدل على الوفاء لهذا لرجل العملاق

[فارس الكلمة]

حسن تاج السر علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة