عودة الوعي من خلف دخان التجهيل .
04-20-2016 10:15 AM

image


ليس بالضرورة أن يكون مقابل غياب أو على الأقل تحييد الوعي ولو مؤقتاً في أي مجتمع هو إنتشار الجهل بالصورة الأعم .. ولكن أي قدر من الإستجابة لمساعي التجهيل بالطبع غالبا ما يخلق بيئة مناسبة لتسود فيها أنظمة الحكم التي تنتهج أسلوب التدليس الفكري الذي يحدث ما يشبه الغيبوبة الإجتماعية مثلما سعت الحركة الإسلامية عندنا منذ أخريات سنوات نظام مايو وبالتالي بعد يونيو 89 مستفيدة من توفر عنصر السلطة المسروقة بليل و الذي كان ينقصه الدعم الجماهيري ليتمكن هو من البقاء أطول مدة ..إذ أن القوة العسكرية والقبضة الأمنية لم يعد لهما لوحدهما في هذا الزمان القدح المعلى في ضمان إستمرارية الديكتاتوريات دون أن تتوفر لها رافعات أخرى مثل التحكم في مفاصل الإقتصاد و التغلغل في مسامات الخدمة المدنية وكافة دوائر ادارة دولاب الخدمات الآخرى من خلال تفضيل الولاء على الكفاءة وبالتالي تغييب وعي المجتمع أو سد منافذه بحوائط الشعارات الدينية التي يكون من شأن مصادمتها أن تخلق نوعا من الريبة في توجهات ذلك العنصر المصادم عبر تخويف القوى المهيمنة في الساحة للمجتمع من خطورة أي فكر مقابل باعتباره استهدافا لشوكة الدين وأن هم الوحيدون الذين يعتبرون أنفسهم المريضة حماتها دون غيرهم فكرا وسلطة و أن مجرد مجادلتهم يعتبر إلحادا غير مقبول في مجتمع تقليدي التدين يسهل شحنه بالشعارات والهتافات وهو الذي أصلا يتبع في سواده الأغلب الدين فقط على جادة الإرث والطقوس أكثر منه تعمقا وتفقها وانفتاحا على الجدل التجديدي و تطور التأويل والتفسير للنصوص تصاعدا مع تجدد معطيات الحياة بإعتباره دينا لكل زمان ومكان ومن البديهي سيترسخ ذلك الفهم مع تصاعد وتيرة الوعي في أي مجتمع لايقف في إيمانياته الروحية عند الإعتقاد في الأولياء والتمسح بالقباب والتمترس خلف الطوائف والطرق التي يتخذ منها وسيطا في توهم إمكانية تسهيل أموره الدنيوية وبالتالي أملاً في كسب آخرته أكثر من ركونه لتفعيل العقل و صولا الى تجميع أطراف الحقيقة من متون الكتاب والسنة بصورة مباشرة !
إن الذي فعلته الحركة الإسلامية وهي تمسك عصا الترهيب بيدها بدلا عن قلم التنويروتغدق بيد أخرى على من تريده أن يتبعها بغير هدى .. هو التجهيل الممنهج بعينه والذي طغى في بعض أطراف مجتمعنا وبكل أسف فضلا عن التغرير بالنشء الغض .. حتى في أوساط الطلائع المثقفة التي إنحازت لمصالحها على حساب الصالح الوطني .. فكان أن توفر المناخ الذي نمت فيه حشائش الحركة السامة وغطت على قشرة تربة الوعي وحجبت عنها عناصر الهواء والضوء و أمتصت سقياها وجعلت منها شفاها عطشى غير قادرة على مجرد مخاطبة ذاتها بخطر تمدد تلك العشبة الجاثمة فوق سرابتها !
الآن وبحكم الزمن تتراجع سموم تلك النبتة الضارة أمام جفاف فكرتها التي سعت الى فشلها بأقدامها و ستسعى الى حتفها إن شاء الله بظلفها .. وقد بدات تتفتح تحتها براعم الوعي الجديدة في طلائع العنفوان الشابة المتمثلة في مجتمعات الطلاب وعلى رأسها من هم في قلعة النضال التليد وأم الجامعات وقد سجلوا من جديد موقفا شبيها بذلك الذي جر أقدام عسكر نوفمبر الى خارج ردهات القصر الجمهوري في أكتوبر 1964 وأعلى من راية تلك الثورة التي أذهلت العالم كله!
واليوم تنضم جامعة كردفان لتقف هي الآخرى حاملة شعلة الوعي الريفي الذي إن هو خمد ردحا من الزمان تحت وطأة التجهيل المتعمد .. فإنه ينهض ثانية من وهدته ليقول أنه لم ولن يمت وسيكون هو القوة الدافعة لتفعيل ثورة الريف التي لم يحسب لها غافلو السلطة حسابا .. بل هم قد نسيوا أو تناسوا ذلك تماما لشدة تشبثهم بفرضية أن الوعي الجمعي عندنا قد أصبح من ذكريات الماضي التي تضمن لهم ديمومة الهيمنة وقد نثروا فيها شيئا من توابل الديمقراطية الماسخة الطعم والمنتهية الصلاحية ومن ثم جاءوا في غمرة محاولاتهم اليائسة بملح الحوار المزعوم الذي رشوه على جراحات الوطن .. ولعله على عكس ما تصورا .. سيزيد من إتقاد جذوة الوعي في كل أطراف المجتمع الذي يستيقظ الآن على دوي إنكشاف اللعبة التي تهدف الى لم شعث الحركة الإسلامية وقد باتت تخاف من مطرقة النظام التي صممتها له .. وتأتي الحالة الإقتصادية التي تمثلت في تدهور قيمة عملتنا الوطنية وإنعكاس ذلك السلبي على قمة عيش وحياة المواطنين تأكيداً على أن مونة هذا النظام من وقود البقاء قد نضبت مثلما استنفدت الحركة الإسلامية الداعمة له معينها من أدوات محاولة التجهيل وتغييب الوعي الذي استعصى على مختلف اساليبها فعاد بقوة الدفع الشبابية الباسلة وهو يشق دخان التجهيل الواهن !


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1583

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد عبد الله برقاوي
محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة