المقالات
منوعات
حديث الذكريات: وبكى الرباب.. وغنى للأرباب.. حار بالحيل غيابك
حديث الذكريات: وبكى الرباب.. وغنى للأرباب.. حار بالحيل غيابك
04-20-2016 11:26 PM


* حُكْم السودان يحتاج لمن يفكرون قوميا لغد أفضل إما ان يكون قوميا أو لن يكون ابدا

* لن ينصلح حال الوطن إلا إذا ان انصلح حال خدمته المدنية

* على موظف الخدمة المدنية ان "يقف تعظيم سلام" للقوانين واللوائح وليس للسياسيين أو العسكر

* محجوب الماحي: الخدمة المدنية اشبه بخدمة الملائكة.. والسياسية خدمة الأنبياء والرسل، الأوائل ثابتون لا يتبدلون، والاخرون متحركون يأتون ويذهبون. انها حكمة السماء.

* هل انتظر محجوب ان يحضر صديق عمره خليفة لوداعه؟ ومن يودع من؟ محجوب المبتسم ام خليفة الذي يسيل الدمع من عينيه؟

---؛؛؛---



رفعت لقروبي الاسرة، ال الماحي وال النور، اغنية حنينة وفي رسالة كتبتبعض كلماتها التي تقول:

جيتا جيت يا المحبوب حبابك

سعيد يوما على سكتنا جابك

حباب الطَلَّ حار بالحيل غيابك

تدق الباب بقولك مرحبابك

تقول لي كيف واقولك كيف عقابك

بريدك انت يسلم لي شبابك

لعلك عافية ماف مكروه اصابك

بدور قربك رهابك

بحس جواي بإحساس مشابك

انا البسعد وقت يوصل خطابك

كيف لو زرت والشوف اتملابك

يا المحبوب جيتا دابك

وانا القاسيت في فقدك مصابك

سلامة روحي ديمة مدردرة

تجيك في الريدة ضايعة داقه بابك



ثم واصلت في الرسالة:

كلمات الأغنية التي اهديتها لكم حلوة "شديد" ومليئة بمشاعر شوق دفاقة نابعة من احساس حب عميق عبرت عنه بساطة كلماتها التي هي مفردات عادية تتحدث بها الأم والحبوبة مع من حولها.... ياااااه ما أروع كلمة "حبابك" وعبارة "جيتا جيت" وهي فيما أعتقد، "جيدا جيت".

كانت عمتي (عاشه) عليها الرحمة، وذكراها تجلب البركة، تقول لوالدي: جيت ااا اخوي محجوب.. جيتا جيت.

وتقول لي: جيت ااا المبروك.. جيتا جيت.

ليس مهما كم من الزمن غبت، وأين كنت، ومن أين جئت، وحتى وان كانت عودتك من مشوار قصير إلى طرف الدكان. كنت أقف أمام العبارة لأحللها وافككها، فتغمرني مفرداتها بحنان يترك بصماته على العقل بعد ان يلامس شغاف القلب، فكل ما تعامل معه العقل والقلب معا هو ما يطلق عليه الحب.

كنت اسرق لحظة لالتقط "زووووم" للوالد وأستطيع بعدها ان أتخيل ما سيفعله وما ستفعله عمتي عائشة لساعات من الزمن، ويصدق دائما توقعي. كان أبي يحدثني عن اخواته حديثا اسكنه في خانة الرسائل، فانتقلت لي ذات المشاعر التي أكنها لشقيقتي، الكبرى إلهام والصغرى حنان، وقد قلت للكثيرين اننا مهما فعلنا لن نستطع ان نفعل للأسرة الصغيرة أو الكبيرة ما فعلته وتفعله الهام لهما، وهي حاملة مشعل استلمته من أبيها، في حياته وبعد مماته.

في احدى فقرات حكاية حول وفاة الوالد عليه الرحمة، لا زالت في ذاكرتي وبعضها على الورق كي لا انساها، سَجَّلت انه ظل ينتظر الموت منذ ان قال انه أكمل مهمته في الدنيا، بعد ان تجاوز العمر الذي توفى فيه المولى عز وجل سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. ولعل الكثيرون استمعوا له يتحدث عن الموت قبل أسفاره الكثيرة للسعودية لزيارة ابنه النور وأخيه ابن عمه وحبيبه عوض مختار الماحي وقد اصطفاهما عن استحقاق فكانت واسطة العقد الفريد فطومة التي اصبحت أم ملهم ود النور، وثاقا لذاك الحب والعلاقة التي ربطت محجوب بأخيه عوض، وال الماحي في السودان بال الماحي وبال عبد الجليل في جدة. هل كان والدي يريد ان يموت في ارض الحرمين الشريفين بان يكرمه ربه بالموت وهو يؤدي العمرة او في زيارة قبر الحبيب المصطفى محمد (ص) بالمدينة المنورة؟ ام انه كان يريد ان يموت بقرب ابنه النور واسرته الصغيرة وشقيقه الذي أحب واصطفى عوض مختار الماحي واسرته الكبيرة؟

عندما وصلت الخرطوم يوم 5 ابريل 2005، تأكدت ان الوالد يقاوم الموت. سألت الحبيب د. فيصل حسين، عليه الرحمة، وقد كان يغشانا في المستشفى صباحا وظهرا ومساءا، فتأكدت ان الوالد بالفعل يقاوم لحظة الفراق الابدي.

بعد يومين قال لي أخي الأصغر عادل هيا نذهب لنستقبل شقيقنا الأكبر النور في المطار.

قلت اذن، لنستعد لوفاة الوالد فقد كاد الشمل ان يجتمع. فتأكدت لدي حقيقة انه قاوم الموت في انتظار لحظة ان نجتمع حوله نحن ابنائه وامنا العزيزة ستنا بت النور مصطفى بعد ان تفرقنا في مدن وقارات العالملسنين عديدة فلم يجمعنا مكان واحد ولو مرة واحدة، نحن الأبناء الستة مع والدينا منذ النصف الأول من السبعينات.

اكتمل عقدنا حول الوالد واستقرت حالته فخرجنا به من المشفى للمنزل. وعندما وَصَلَت من مدينة رَبَك اخته نفيسة بت الماحي وصارت بقربه، قلت بيني وبين نفسي: دنت بالفعل ساعة ذهابه.

ومع ذلك لم يحدث ما ظننته انه موعد لفراقه، وحان تاريخ مغادرتي الخرطوم الذي كان محدداً قبل مغادرتي بوخارست في نفس اليوم الذي اتصل بي شقيقي الأكبر صلاح وأخبرني بان الوالد في مستشفى ساهرون. اذكر ان صديقي سعيد مثيب القنصل السعودي ببوخارست حينها، قال لي: اعرف منه ان كان يقول لك ذلك لكي تأتي ثم تعرف خبر وفاته بعد وصولك، ام انه بالفعل في المستشفى؟ وأضاف: في الحالة الاولى لا تستعجل، رتب كل مسائلك وانهي ما بيدك من أعمال -وكانت بالفعل كثيرة-، ثم اذهب للعزاء في أي وقت اخر، فإنك ان ذهبت اليوم لن تحييه، اما في الحالة الثانية ارجو ان تفعل المستحيل لتلحق بأول طائرة حتى ﻻ تندم.

وطلب مني صديقي ابن مثيب ان اتصل من هاتفه لأتأكد من ذلك من شقيقي صلاح، فاحتضنني جوف أول طائرة غادرت مساء نفس اليوم بوخارست لألحق بعد اقل من ساعة زمن واحدة من وصولي القاهرة، رحلة اخرى حملتني للخرطوم.

بعد أسبوعين قضيت الأول ما بين مستشفى ساهرون والبيت والثاني متابعا تحسن صحة الوالد، كان مساء يوم عزمي مغادرة الخرطوم عائداً لبوخارست عصيباً، فقد أظهر الوالد عدم رغبته في كل ما قدم اليه من طعام أو شراب. كنت كلما أدخل اليه في الغرفة يشيح بوجهه نحو الجانب الاخر.

عادة أقضي اخر يوم لي في السودان متنقلاً بين منازل الاهل الاحباء لوداع من ﻻ يستطيع الوصول لوداعي، ومع ذلك لم اغادر المنزل في ذلك اليوم مطلقاً الى ان حمل عادل جواز سفري وملحقات السفر من تذاكر وعفش وتوجه الى المطار، وكالعادة، بدون رسوم المغادرة التي يسددها من جيبه ضريبة اخاء.

دخلت للوالد في ذاك المساء لامسك بيده لأودعه، فأحسست انه يجذب كفه من كفي. حاولت ان أتذكر ما كنا نتبادله من مشاعر عند تماسك كفينا في لحظات سفر سابقة. لم أفلح، لأنني تذكرت انه كان يفرد كفي الأيمن ويكتب عليه بسبابته: لا إله إلا الله.

ثم يفرد كف يمناه فاكتب عليها: محمد رسول الله.

ثم يدير ظهره وكأنه يدعوك للتقدم للأمام والتوجه الى السفر دون النظر خلفك، لعله يريد إخفاء دمعة وداع.

إذن، لم يترك لي مجالاً للمقارنة بين حالتين. وكيف أستطيع استحضار مشاعر وداع سابق كانت تلك هي أواصره؟

أمسكت بي بعض قشعريرة وقلت بيني وبين نفسي: يا ساتر.

تملكني خوف من سفري. حسابات الربح والخسارة بشأن تذكرة الطائرة، رجحت قرار عدم التراجع عن السفر إضافة إلى انتهاء فترة الاذن من العمل وقد طاردوني بالاتصالات، وفوق ذلك حقيقة ان عادل وَزَنَ عفشي وانتهى ولابد انه حصل على "البوردينق كارت"، ولم يتبق غير انتظار محادثة منه لأتوجه للمطار.

لم يتصل عادل وإنما عاد حاملاً "شنطتي" وقال لي، ما مكتوب ليك سفر الليلة، مواصلاً سيره متجهاً لغرفة الوالد فتبعته دون استفسار عن لماذا وكيف، متنفساً الصعداء أن جاء سبب تأخير سفري خارجاً عن ارادتي التي لا اعلم انها انهزمت ام انتصرت.

عند دخولنا عليه لم أصدق المنظر. كان الوالد مبتسماً وعمتي نفيسة تطعمه بعض الحساء بالملعقة ويده اليمنى تتحرك، رفعها وسلم على عادل ومددت يدي متوجساً، فسلم وهو يضغط عليها حتى سرت فيني كهربة أبوية غير عادية، فأحسست انه يقول لي: لا عليك القدم "ليهو" رافع وحسناً ما حدث من تأخير.

كنا ومنذ صباح اليوم التالي وحتى مسائه حول الوالد في غرفته. الهام والنور وصلاح وعادل وحنان ومعهم انا ووسطنا في كرسيها المتحرك الوالدة، اطال الله في عمرها. ولم تفارق أرجله اخته نفيسة، عليها الرحمة، تمسدها كما اعتادت وكما كانت تفعل عائشة وحواء عليهما الرحمة وست الجيل وأخوه الاصغر ميرغني متعهما الله بالصحة والعافية.

كان يوماً من ايام محجوب الماحي. مبتسما هاشا باشا، ومع ذلك عاودني الإحساس بقرب الوداع النهائي عندما أطَلَّ صديق عمره خليفة عباس العبيد، وقلت لنفسي: اكتملت لحظات الفراق فعلاً.

وتلاحقت الأسئلة تحاصرني: هل قاوم الوالد الموت حتى نجتمع حوله نحن أبنائه الستة وابنه السابع المرحوم خالد مهدي حسين؟ فلماذا تأجل الرحيل الابدي وقد اكتمل عقدنا منذ أيام؟ هل انتظر ان يحضر صديق عمره خليفة لوداعه؟ ومن يودع من؟ محجوب المبتسم ام خليفة الذي يسيل الدمع من عينيه؟

قال لنا صهره القاضي الطيب عباس ان خليفة برغم انه مريض، أصر على ان يأتي لزيارة صديقه محجوب مصمما على انه يريد وداعه قبل ان يموت لان محجوب لم يأت اليه فربما هو ايضا مريض، وصدق حدسه. وهو بالفعل ما حدث، فقد كنا قد طلبنا من حبيبنا الطيب عباس واسرته ان لا يطلعوا صديقه خليفة بمرضه لعلمنا بانه بدوره مريض ولا يقوى على الحركة، وكنا قد زرناه في بيت الطيب بالخرطوم، النور وصلاح وعادل وانا، فسجلت في ذاكرتي انها المرة الاولى التي تضمنا الاربعة سيارة واحدة لذات المشوار، ولاحظت وقع ذلك في استقبال خليفة لنا بقوله "سعيد برؤية ابناء اخي محجوب الاربعة تحياتي لإلهام وزوجها وللصغيرة حنان وزوجها"، فوعدناه بزيارة ﻻحقة في بيته الذي يحب بالجيلي. عضد مولانا الطيب عباس ملاحظتي التي سجلتها ذاكرتي عندما فتحنا أبواب السيارة الأربعة بقوله "اسعدتم بالفعل والدكم خليفة بهذه الزيارة".

عندما يصمم خليفة عباس العبيد ان يفعل شيء لابد ان تستجيب لإراداته، وإلا ستستجيب لإرادته انت وغيرك والأشياء من حولكما. كان والدي يقول ذلك عن صديق عمره خليفه، ويضيف انه شخص قابل ليعاند حتى مكاسبه وامتيازاته.اااااه.. متى أعود لأوراقي عن خليفة ويحي الفضلي وعبد الرحمن نديم والشريف حسين وتوءمه زين وكثيرين من مجايلي والدي وزملائه في الخدمة المدنية التي قدم فيها عصارة جهده وفكره وإخلاصه، وشركائه في اعمال منها التجاري والسياسي وبالأخص الاجتماعي؟ كنت كلما استمع لمقطع محجوب شريف "الشارع فاتح في القلب والقلب مساكن شعبية" طاف بخاطري والدي.. فقد كان الشارع السوداني بكل سحناته وثقافاته وأديانه واحتياجاته يسكن في قلبه، يمشي فيه متنقلا بسجية يوزع الفكرة والنصيحة والكلمة الطيبة ويضمد جراحا لم نعلم عن كثير من أصحابها إلا لاحقا عندما حمل معه قاصدا الكثير من الاجوبة.

حاولت ان اطرد هواجس الموت التي تلاحقني مع الحالة المطمئنة للوالد واستجابته لتناول بعض الطعام وتفاعله بالابتسام مع المداعبات التي شرعنا فيها من حوله حتى أصبح يشير من وقت لأخر لأحد منا ليجلس بقربه. التف حوله في ذلك اليوم أحفاده، أولاد الهام وصلاح وأبناء حنان، منزر واحمد ويسرا، واذكرهم الثلاثة لأنهم اخذوا محل ياسر أول أحفاده الذي مشت بمولده مقولة: جنى الجنى أحن من الجنى. يا لها من صحبة كانت يا أبي، نم قرير العين، فقد أصبح لمدللك ياسر ابنة ااااخر حلاوة وفرهد الفرح من جديد في أسرة ابنك الأكبر الذي لم تلده المرحوم خالد مهدي بعد ان انضمت جودي لتزرع الابتسامة والسعادة مع ملك ابنة هبة في بيت أمنا الثانية، بنتك الهام التي صارت حبوبة للمرة الثانية. وأزيدك بما يسعد، فان سجى ومحمد -حماده- يملأن منزل ابنك صلاح الذي اصبح جداً للمرة الخامسة، بهجة ومسرة مع احمد -حمودي- ولين واخر العنقود آسر، وفطومة بت عادل توزع حبها بالتساوي بين ابوها وامها وحبوبتها ودراستها الجامعية بلغة أمة المليار نسمة، الصينية.

كان يوماً من ايام محجوب الماحي. وبعد ان سرى منتصف الليل، تركناه مع شقيقته نفيسة التي أغمضت عينيه وكانت اول من اخبرتنا بوفاته فجر الاربعاء 20 ابريل 2005 فصادف يوم قفلة المولد النبوي الشريف، وذهبنا لمقابر بري فوجدنا خليفة عباس العبيد منتظرا ليواري الثرى جسد صديقه محجوب محمد احمد الماحي.

---؛؛؛---

بعد خمسة أيام من وفاة الوالد كنت في زيارة سريعة للصديق الدكتور الباقر احمد عبد الله في مكتبه بصحيفة "الخرطوم" فقال لي: اجلس في مكتبي وأكتب لزاويتي "آفاق جديدة" عن والدنا محجوب الماحي، لنشره في عدد الغد.

حاولت أن اعتذر. حسمني بقوله سأغلق عليك المكتب ولن يفتح لكالباب أي أحد إلا بعد أن تسلم المادة، ونهض الباقر وقال لي مع السلامة. ونفذ ما قاله.

كان د. الباقر قد نشر بالصفحة الأولى في اليوم الثاني من وفاة الوالد كلمة كتب فيها:

رحل عن الدنيا أمس واحد من اصلب الرجال وطنية، واشدهم استقامة، وأكثرهم عفة في اليد واللسان، ألا وهو القطب الاتحادي الكبير المرحوم محجوب الماحي.

والفقيد من ابكار السودانيين الذين انخرطوا في سكك حديد السودان وتبوأ فيها أعلى المناصب، وكان مشهودا له في رحابها بالنزاهة والدقة. واختار في دروب السياسة أن يلعب دوره الوطني في تجرد ونكران ذات. وعرف في حزبيته بالالتزام الصارم، وترجيح كفة الوطن على كل ما عداها. وبرهن تصرفا ومسلكا خلال فترة نضاله على أصالة وسودانية صميمة ونقاء وصفاء سيرة فكان لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يتردد في قولة الحق والنصح المجرد، كما كان يبذل المثل بنفسه نأيا عن مواطن الشبهات وابتعادا عن مواضع الزلل.. وقد عاش في هذه الدنيا ورحل عنها بغنى النفس، فمات كما عاش فقيرا مثله مثل رفاق دربه القدامى الزعيم الأزهري والشريف الهندي ومحمد نور الدين ويحي الفضلي وحسن عوض الله.

قاد مع الزعيم الأزهري مسيرة الحركة الاتحادية حتى حققوا جلاء القوات الأجنبية وانجزوا السودنة وأعلنوا الاستقلال وكرسوا مفهوم السيادة الوطنية، كما كان من المقربين إلى المناضل الاتحادي الراحل المقيم الشريف حسين الهندي في مواجهة أنظمة التسلط والاستبداد. وظل الفقيد الكبير من رموز العمل الوطني الديمقراطي ومن المنادين بخلق المؤسسة الحزبية الفاعلة منحازا إلى جانب القيادات الشابة الملتزمة وذلك في تجرد وسمو وشموخ مستعففا عند المغانم ومقاتلا شرسا عند الملمات.. وبقي على العهد حتى لاقى ربه بالأمس راضيا مرضيا.

-؛؛-

جلست وتحت عنوان "حالة حزن ما عادت تخصني لوحدي"، كتبت لعمود (آفاق جديدة) المقال التالي:

اخي الدكتور الباقر احمد عبد الله

تحية طيبة وبعد،

لن ابدأ بالإشادة أو الشكر، فالأولى مجروحة دون شرح أو توضيح، والثانية مردودة بأمر الواجب.

ومع ذلك، ولأنني أضعت عمراً بحق وحقيقة ممسكا عن الحديث عن أقرب الاقربين إليَّ، والدي المرحوم محجوب الماحي، منتظراً أن يقوم بذلك غيري من اللذين توفرت لهم ظروفاً (صالحة) بمعرفته والتواصل معه في أكثر من محفل أو نشاط، أجد نفسي اليوم في حالة جديدة تخصني وأمام موقف يتجاوزني.

فالحالة حالة حزن ما عادت تخصني لوحدي أو تمسك بنا لوحدنا نحن أسرته الصغيرة، زوجة وأبناء، أو العائلة الكبيرة الممتدة. فبمشاركة كل الذين شاركونا الحزن وتقاسموه معنا، أصبح واجباً عَلَيَّ أن اكتب عن والدي بعد أن أيقنت تماما يوم الأربعاء 20 أبريل 2005 انه لم يكن لنا لوحدنا. فقد كان يشاركنا فيه الكثيرون.. منهم من لا نعرفهم حتى الآن، كما أكد لي شقيقي الذي لم تلده أمي، الطيب حمد الذي ظل يعمل مع والدي في التخليص الجمركي لأكثر من 25 عاماً. فقد اعترف لنا بما ظل يكتمه بأمر الوالد، بأن الوالد وبواسطته كان يعول اسراً وكان أبا لأطفال يتامى هم أنفسهم لا يعرفونه. تابع شئونهم وراقب ترقياتهم في الحياة وصرف عليهم جهداً وعاطفة ومالاً.. ولذلك تبدو هذه (الحالة) الجديدة منشطة ودافعا للكتابة عن والدي المرحوم محجوب الماحي.

والموقف الذي يتجاوزني هو موقف وطن.. إن يكون قومياً ويسع كل ابنائه أو أن يتشظى ويتفتت وتتشتت (سبحته). ووالدي كان هو القومية بعينها تمشي على أرجل اثنين بين الناس.. يدعو لها، يمارسها ويطبقها متحدثاً بها مع الناس في بيوت الافراح والاتراح التي كان يطلق عليها (مؤتمرات) السودانيين.. مشيراً إلى حكمة السماء في ماهية القومية؟ ولماذا القومية؟ وكيف تكون القومية؟

ويكفي هنا أن اروي بعض (حكاية) تكمل وتفسر ما أورده الاستاذ موسى يعقوب في زاويته اليومية المقروءة بالغراء "أخبار اليوم" يوم الخميس 21 أبريل 2005.

في يوم من أيام العام 1987، إذا لم تخني الذاكرة، قال لي الوالد انه التقى الاستاذ موسى يعقوب الذي اخذه بعربته إلى مكتبه في عمارة (الفيحاء) وادخله لاجتماع ضم بعض اصدقائه من الجبهة الإسلامية القومية، وبعض اصدقائه من أصدقاء الجبهة نفسها. قدم موسى الوالد للاجتماع الذي كان يتفاكر في إنشاء منظمة تعني بتقديم المساعدة لأطفال الشوارع المشردين، مرحباً بمشاركته في هذا العمل الخيري القومي.

بعدها تحدث الوالد شاكراً (ابنه) موسى يعقوب على ذلك ومشيداً بالفكرة ومثمناً دور المجموعة التي التقاها في الاجتماع، ولكنه أضاف قائلاً: إني سعيد جدا أن بيننا الاستاذة سعاد الفاتح، لأنني عندما كنت على رأس الخدمة المدنية، لا السياسية، بوزارة المواصلات وبالسكة حديد، كنت عندما أشكل لجنة قومية لمهمة ما، ادعو لعضويتها الاستاذة سعاد الفاتح والأستاذة فاطمة احمد ابراهيم التي افتقدها اليوم في هذا الجمع الكريم. وأردف قائلا باختصار: ان مثل هذا العمل الطيب كي يصبح قومياً تنقصه فاطمة احمد ابراهيم لتكون بجانب سعاد الفاتح. وختم حديثه امام الاجتماع بقوله: لقد قرأت في الصحف أن وزير الإسكان منح قطع أراضي سكنية للمناضلين العائدين من الخارج بعد معارضتهم لنظام مايو، وقد نشر اسمي في تلك القائمة.. فإنني اطلب من الاجتماع أن يقبل تبرعي بتلك القطعة التي تخصني ليقام عليها ملجأ للأطفال المشردين.

كان والدي لا يتبرع اطلاقاً للذين يحملون دفاتر ويحومون بين الناس بدعوى بناء أو تشييد المساجد، وكان يقول إن البلاد لا تحتاج لمساجد أكثر مما هو موجود فيها، وانما لملاجئ للعجزة والمرضى والاطفال المشردين.

نعم، إن مثل تلك القصة لها أكثر من معنى، وتكشف أكثر من منحى ليكون الحديث حول العمل القومي ذا مقصد قومي بالفعل، وإلا لتسمى الأشياء بأسمائها الحقيقية. ولعل هذا الامر يسحب معه ويجر خلفه أكثر من (قراءة) لموقف الوطن بالأمس واليوم وغدا الذي لناظره قريب، كما كان يردد والدي دائما.W

إن الوطن السودان بات في أمس الحاجة للعمل القومي وللذين يفكرون (قوميا) ولكن بالصوت العالي الجهير الذي لا يخشى في الحق لومة لائم. وبذا تبقى سيرة وأسلوب عمل الوالد المرحوم وصحبه امثال المرحوم عبد الرحمن نديم والمرحوم جعفر عبد الكريم وبابكر النور مصطفى ومحمد عمر ميرغني والبروفيسور علي شمو وليس اخيراً السفير خليفة عباس العبيد الذي زار والدي المريض يوم الثلاثاء 19 أبريل وودعه وداع المودع حقا ثم ذهب إلى الجيلي وعاد في اليوم الثاني لنشاركه احزانه في وفاة صديق عمره الذي ربطته به علاقة لوجه الله ولوجه الوطن ولوجه الحقيقة.

أعود واقول، تبقى سيرة اولئك وهؤلاء وغيرهم ممن لم اذكرهم، محطة يجب أن نقف عندها ومنها نركب قطاراً قومياً واحداً للغد الأفضل الذي لن يكون إلاَّ قومياً أو لا يكون أبداً.

تبقى القول: نعم يا أبي يا أبا الخدمة المدنية، وكما كنت تقول دائما، لن ينصلح حال الوطن إلا إذا ان صلح حال خدمته المدنية، ولن يصح ذلك إلا إذا أصبحت مقولتك الشهيرة واقعا وحقيقة: ان موظف الخدمة المدنية يجب أن يقف "تعظيم سلام" للقوانين واللوائح وليس للوزراء او السياسيين.

إن قومية الخدمة المدنية هي المدخل لتحقيق الإصلاحات المطلوبة في كل المجالات.. بها تتحقق وتتم المحافظة على التسويات السياسية، وعندها تصبح الإصلاحات والانجازات الاقتصادية ذات مردود يعود على كل الناس لا على فئة. وفي قومية الخدمة المدنية (تُسَكَّن) الظواهر السالبة والإنفلاتات الاجتماعية في خانتها الصحيحة لتتم المعالجات بضوابط راسخة وراكزه ولا تنزل فجأة (كالوحي) على عقول بشر هم ليسوا أنبياء.

كان والدي محجوب الماحي يقول: الخدمة المدنية اشبه بخدمة الملائكة.. والخدمة السياسية اشبه بخدمة الأنبياء والرسل.

-؛؛-

لله درك يا "حكمة السماء" التي مشت على الأرض. صدق من أطلق عليك ذاك اللقب ابي محجوب الماحي ود بره بت مكي، عليكما رحمة الله وعلى والدك واخوانك واخواتك وكل احبابك.

---؛؛؛---

رسائل حول ما كتبته عن قصة وفاة الوالد

اشركت بعض الأصدقاء في حساباتهم الخاصة في الاطلاع على رسالتي لقروبي الاسرة، فوصلتني من بعضهم رسائل أجد من الضرورة ان اختار بعضها لضيق المساحة فتصبح جزءا من رواية ذلك اليوم من أيام والدي محجوب الماحي والتي انشرها اليوم بمناسبة مرور أحد عشر عاما على وفاته.

*من القاهرة كتب الاستاذ علي محمود حسنين:

أثرت شجن وسالت الدموع مرارا، ولم أستطع إيقافها على صديق العمر، فطافت بي الذكريات وتزاحمت الاحداث. في المكتب في منزلكم وفى منزلنا.. في سجن كوبر وأمام لجان التحقيق، وفى جرينا المتلاحق واجتماعاتنا التي لا تنتهي إلاَّ لتبدأ.. وفى الحِكَمِ التي كان يطلقها صديق العمر فتنزل علينا بردا وسلاما لتشد من عضدنا.

لاحول ولا قوة إلا بالله، لا أستطيع مواصلة الكتابة. رحم الله العزيز الغالي محجوب وموعدنا معه أن شاء الله أمام مليك مقتدر عادل. انا لله وانا الية راجعون وحفظ الله أبناءه وأحفاده وبناته وأني أذكر الفاضلة الهام، انها صورة من محجوب كاملة، فقد قضيت معها وزوجها المرحوم الإنسان خالد مهدي حسين أياما في ضيافتهما في جنيف أحسست وكأني في حضرة محجوب.

* ومن دبلن سعيد مثيب:

يسلم فمك ورحم الله والدك الذي رباكم عائلة كريمة واسطورية وشرف لي ان اكون صديقا لهذه الكوكبة الجميلة مع اطيب تحياتي.

* ومن الخرطوم فتحي حسن مادبو:

مقال رصين ومترع بإحساس صادق ونبيل. كن بخير صديقي عصام، سأنشره في قروبات الواتساب.

* وكتب صديقي الصحفي خالد فتحي:

صباح الخير يا دكتور عصام. والله كلمات تفيض رقة وعذوبة. قرأتها أكثر من مرة واغالب دمعي. لقد صورت المشهد بذاكرة فوتوغرافية فأصبحت كأنني كنت معكم.

* ومن أمريكا كتب صديقي الكاتب والمفكر بابكر فيصل بابكر:

شقيقي عصام.. شكرا على هذه اللوحة الرائعة البديعة.. في كل مرة يتأكد قولي انك أديب اضافة لكونك كاتبا مطبوعا.. وهذا ما ادركته منذ أن قرأت مقالاتك عن حواراتك مع الدكتور حسن الترابي.. لله درك.

* ومن مكة الصديق السعودي نزار جواهرجي:

رحم الله الوالد وجميع موتى المسلمين وجزاكم الله خيرا على هذا العرض الأدبي التاريخي البديع.

* ومن قطر صديقي د. ماهر سليمان فضل الباري -الكارب:-

يا عصام.. علاقتنا وصداقتنا تحلق عاليا فوق الأحزان. ويا صديقي، ان ما كتبته عن الوالد وهو على فراش الموت.. يذكرني باهل وبأحباب فارقونا وطاف خيالهم وذكرياتهم بمخيلتي.

* ومن تونس صديقي الدبلوماسي السعودي عبد الله مسلم:

والله يا ابو عادل كلمات رائعة ومقال شيق وممتع.

*وكتب الصديق الكويتي بتال الذي تعرف على الوالد خلال زياراته للكويت:

الله يرحم والدي وحبيبي محجوب الماحي.

* ومن كندا كتب الصديق والكاتب الصحفي د. زهير السراج:

كل سنة وانت واسرتك بخير يا عصام. مقال رقيق، هز اوتار قلبي واثار في نفسي كوامن الشجن والذكريات وكأنك تكتب عن والدي رحمه الله واسرته. يا أخي ملعون ابو الهجرة والغربة والاغتراب وملعون ابو العمل فينا كده واطاح بنا في كل بقاع الارض. هل تعلم يا عصام ان كل أخواني ومعظم أخواتي خارج السودان.. ال في الخليج وال في اوروبا وال في امريكا الشمالية. وانا نفسي صرت ممزق الاوصال. أحد أبنائي في اوتوا عاصمة كندا وبنتي عادت هذا العام لدراسة الجامعة بالسودان وانا سأعود بعد ايام الى السودان ان شاء الله، بينما ستبقى زوجتي وابني الاخر هنا في تورنتو. صارت الحياة مرهقة ومثيرة للحزن ومسيلة للدموع والحرقة مثلها مثل "البونبان" الصيني الذي لازمنا طيلة حياتنا مع الانظمة الدكتاتورية التي سرقت اعمارنا بكاملها ولم تكتف بعد.

اه يا عصام، لا تدري كمية الوجع الذي تختزنه مصاريني وتعج به أحشائي.



[email protected]




تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2582

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1448611 [مواطن دارفورى]
0.00/5 (0 صوت)

04-22-2016 06:07 AM
ان موظف الخدمة المدنية يجب أن يقف "تعظيم سلام" للقوانين واللوائح وليس للوزراء او السياسيين)
====================================================

نعم نريد ان نقف وننفذ ماقاله ابيك " عليه الرحمة " ولكن .. اين تلك القوانيين واللوائح وعصره الذهبى ؟؟ .. مره أخرى عليه الرحمة .

[مواطن دارفورى]

#1448294 [بابكر عباس]
0.00/5 (0 صوت)

04-21-2016 11:44 AM
أخى د. عصام الماحى..نشكرك على المقال الرائع.. و التغريظ ليس لشخص و الدكم العزيز عليه الرحمة..بل لجيل كامل من الأتقياء الأنقياء و المتجردين..
ليس لدى تعليق..تعظيم سلام لجيل و الدينا العظيم..جيل الرواد الأفذاذ فى كل مجال.. و هكذا كانوا يبنون أمة.. و يشيدون حضارة..تقومان على المثل العليا و الأخلاق الفاضلة و الروح الجياشة للخير
ما يؤسفنى كثيرا..أن هؤلاء الرجال أسلموا قيادة أمرهم لزعامات هى أقل وعيا و خلقا منهم..بزعم أن القبة فيها فكى..بينما كانت الزعامات تسمسر فيى ولائهم.. و تبيع أحلامهم..و أحلامنا.. و أحلام كل الناس
أن كان لهذا النظام حسنة واحدة..فأعشم أن تكون إماطته اللثام..طوعا أو مصادفة..عن ضحالة زعاماتنا التاريخية.. و التى سكبت الماء الأسن على كل طموحاتنا فى رؤية السودان قويا..ناهضا..أمنا..متحدا..
ألف تحية.. و لأسلافنا الرحمة و المغفرة.. و أسأل الله العلى القدير أن يلهمنا المسير على منوالهم..
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...
اللهم أجعلنا منهم.. و إياكم..

[بابكر عباس]

عصام محجوب الماحي
عصام محجوب الماحي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة