المقالات
السياسة
من كسمايو إلى كمبالا .. رحلة المتعة والإكتشاف (2ـ1)
من كسمايو إلى كمبالا .. رحلة المتعة والإكتشاف (2ـ1)
04-22-2016 11:11 AM


"إجعله خيرا يارب" كنت أردد هذه الجملة وأنا في طريقي إلى مطار مدينة كسمايو في مستهل سفر يمتد من الشواطئ الشرقية للمحيط الهندي إلى المشارف الشمالية لبحيرة فيكتوريا العظيمة، لم تكن رحلتي هذه هى الأولى من نوعها كي يصيبني الخوف والهلع المعروف عند الرحلة الأولى، بل منذ أن أصبحت عنوانا للتبعثر الجغرافي وأنا متمسك بعصا الترحال وأبيت في المنافي والمدن البعيدة في إنتظار رحلة قادمة إلى مجاهيل العالم أو أوبة مرتقبة إلى الديار. كانت الكلمة الحاملة لتضرع الدعاء وشجن الشوق تأتي من أعماقي ونابعة من خواطري وتصوراتي للقاء المرتقب مع من إنتظارناهم طويلا في دروب الحياة وفي متاهات الحب، وكنت أدرك أن هذه الرحلة ستكون الأهم في حياتي لكونها ستشكل ملامح حياتي القادمة وترسم خريطة مستقبلي وتخطط لمآلاتي وتجعلني إنسانا مختلفا عن الحقبة الماضية من حياتي الملئية بالتنقلات والرحلات.

وصلتُ إلى مطار كسمايو عند العاشرة صباحا، كان الجو مشمسا حارا وهدير الطآئرات التابعة للقوات الإفريقية لحفظ السلام وآلاتهم الثقيلة تملأ المكان ضجيجا وعجيجا، جلست في الصالة المتواضعة أنتظر الطآئرة القادمة من العاصمة مقديشو في رحلة تستغرق 50 دقيقة، وبعد حوالى ربع ساعة من الإنتظار هبطت الطآئرة التابعة لشركة كينية وفي غضون دقائق كنت على متنها متوجها إلى نيروبي.

أقلعت الطائرة المتجهة إلى لندن إفريقيا (نيروبي) وبعد غفوة عابرة فتحت حقيبتي فبدأت قرآءة "الحب في المنفى" تلك الرواية السلسة التي فازت عام 1995م جآئزة أفضل رواية عربية، وبما أنني من أولئك الذين مارسوا الحب في المنفى أعرف السبب التي جعلت الكتاب يفوز على هذه الجآئزة فالحب في المنفي كئيب ومرعب وموحش. حلقت الطآئرة بعيدا في أعماق الفضاء وكبد السماء وتهادت بين السحب والغيوم كطآؤوس متبتختر وهنا تذكرت بيتا من القصيدة الجميلة (في طآئرة) للشاعر الدبلوماسي السوري عمر أوريشة:
وثبت تستقرب النجم مجالا ***وتهادت تسحب الذيل إختيالا.

كانت الرحلة رآئعة، والمشاعرعتيقة ولم أرفع رأسي من القرآءة والمطالعة إلا والطآئرة تحاول خرق ومقاومة المطبات الهوائية فوق مدينة وجِير الواقعة في قلب الإقليم الصومالي في كينيا، نزلت من الطآئرة وعلى مقاعد الإنتظار جلست وفي يدي "الحب في المنفى" الكتاب الذي كان أنيسي في رحلتي، لم نمكث كثيرا في المطار حيث واصلنا السير نحو نيروبي التي كنا في مطارها عند الواحدة ظهراً. كانت نيروبي كما عهدتها مدينة المتناقضات حيث يشكل الفقر، والحرمان، والقمامة، والوحل، والفساد، والشوارع الترابية، إلى جانب الترف، والثراء الفاحش ، والبيوت العريقة، والعمارات الطويلة، والمنظمات العالمية، والفنادق الأنيقة، والشوارع الواسعة، والطبيعة الجميلة لوحة نيروبي الشهيرة.

من نيروبي إنطلقت جنوبا عبر رحلة برية ساحرة ومفعمة بالتجارب والمشاهدات والإنطباعات، وفي مروج الليل وفي وسط الإيقاعات الإفريقية المعهودة سارت بنا الحافلة نحو المدن الكينية الواقعة بين نيروبي والحدود الكينية الأوغندية، كانت الطبيعة باذخة، والمشاعر دافئة، والمدن جميلة، والمناظرخلابة، والشوارع معبدة تداهمها الندى والظلام الدامس في الأمسيات الربيعية الماطرة، وأصوات الحيوانات الصادحة من بعيد تعزف ألحان الحنين في الليالي الإفريقية الخانقة، ورغم بصمات المعاناة والرغبة العارمة للمدن والمجتمع من خروج شرنقة البؤس والشقاء والحرمان إلى الإكتفاء الذاتي والإنتاج إلا أن المدن كانت أنيقة، وشوارعها مضئية، ومدارسها مفتوحة، وكان الشعب يتزاحم على درب النهضة والتطور العمراني والتحسن الإقتصادي.

نيفاشا وعرس الطبيعة
توغلت في الأفق نحو الجنوب الجغرافي حتى وصلت إلى نيفاشا عروس الجمال والخيال الجامح، تطل المدينة على بحيرة نيفاشا وأشتهرت منذ القدم بالزهور والورود التي تصدرها كينيا إلى الخارج. على متن الحافلة وعلى مشارف نيفاشا يترأء لي من بعيد سرب من الطيور، وقطعان من الجاموس الإفريقي المتميز، وأسود رابضة قرب الجداول والترعات، وزرافات تعبر الطرقات بزهو وخيلاء، وتسابق ظريف للحمار الوحشي نحو الأشجار الباسقات، وجبال كساه الربيع حلله، وهضاب خضراء، وحقول من الورود الصفراء والحمراء تتراقص على وقع الرذاذ وصوت الطبيعة المتموج.

في غابات نيفاشا يعيش جميع أنواع الحيوانات والطيور والزواحف البرية، ويتجلى فيها التناقض الكبير بين الطبيعة والشعب، الشعب غارق في وحل الفقر وأوكار الفاقة، ورغم طول مأساة الإنسان الإفريقي الذي لم يجد منذ خروج الإستعمار إرادة حقيقة من أجل القضاء على الجوع والمرض والجهل، وأدمغة وطنية لا تهمها ملء الجيوب، بل تهمها إنتهاء المعانات وتغيير نمط الحياة من الكد والمشقة وإذابة عرق الجبين إلى حياة الرفاهية والعيش الكريمة والحرية وعدم الكبت ومصادرة الحقوق، إلا أن سطور العزيمة كان يقرا بوضوح على الجبين السمراء وفجر الأمل بدأ يلوح في الأفق القريب.

نكورو مدينة على جبين وادي المتصدع
لم نمكث في نيفاشا كثيرا حيث الحافلة المسرعة إتجهت إلى المدينة العريقة نكورو، كنا نشق غابات طبيعية وحدآئق ممتدة على سفوح الجبال، والهواء الطلق التي تنعش الجسد والأغاني الكلاسيكية الصومالية الصادحة من الحافلة العصرية ذات المقاعد المريحة جعلا الأجواء رآئعة بكل المقاييس. وبعد برهة من الزمن كنا قد وصلنا إلى الضواحي الجميلة لنكورو معقل السياسة الكينية إذ يعود إليها جذور معظم الرؤساء الذين حكموا كينيا منذ الإستقلال عام 1963م.

كثيرا ما درست في الجيولوجيا وخاصة "التراكيب الجيولوجية" و "جيولوجيا الإفريقية" و "التكتونية" الوادي المتصدع أو أخدود إفريقيا العظيم كابرز المظاهر الجيولوجية في العالم، ورغم أن الصدع يمر قارتي آسيا وإفريقيا إلا أن كينيا لها مزية خاصة حيث ينقسم الصدع على أراضيها إلى قسمين يصل إمتدادهما إلى الحدود الجنوبية لإفريقيا وخاصة زيمبابوي، ولذالك كنت أهتم زيارة المنطقة ومشاهدة الطبيعة الجيولوجية الخلابة ومعاينة العمليات والمظاهر العامة وأنواع الصخور والتربة والبراكين الخامدة والسجل الزلزالي للمنطقة، ونظرا لقلة الزمن وكثرة العوآئق كانت لي مشاهدات وتجارب بسيطة في الصخور والمعادن المكونة لها.

نكورو مدينة سياحية حيث تزور إليها سنويا آلاف السياح نظرا لموقعها المتميز والأماكن السياحية الجذابة مثل البركان الخامد الذي يعتبر فوهته ثاني أكبر فوهة بركانية في العالم، إضافة إلى الحدآئق العامة التي يعيش فيها الطيور والحيوانات، وتشكل البحيرات والوادي المتصدع رافدا سياحيا أيضا.

وتضم المدينة معظم القبائل والقوميات الكينية وتتمتع بإهتمام كبير مما جعلها معقل السياسة والسياحة ومدينة نظيفة وفائقة الجمال، حيث الشوارع نظيفة، والمرافق العامة تقدم خدمات معقولة إلى حد ما، والبنية التحتية متكاملة، وفي وسطها يتربع مسجد الجامع الذي بني بطريقة أفروعربية معروفة في الشرق الإفريقي، وبعد أن تجولت معظم أحيائها أستطيع أن أقول: نكورو لم تكن مدينة الأضواء والعمران والناطحات، بل كانت مدينة تبدو في وسط الضباب قناديل معلقة يزينها أريج التاريج، حيث دلت الإكتشافات الأثرية والجيولوجية وجود المدينة ما قبل التاريخ.
كيسومو..المدينة الخضراء
في وسط إفريقيا الخضراء كان القمر ينير دربي ويسعد وجداني ويهمس في أذني كلمات تثير في نفسي مكامن الشوق وزوابع الأحاسيس العتيقة، قبل منتصف الليل وصلت مبللا بالشوق إلى مدينة كيسومو عاصمة الغرب الكيني والمدينة التي تعد أنها الأكبر من حيث الأهمية في حوض فيكتوريا بعد كمبالا، وحسب ما قال لي مسن من هذه المدينة فهي تأسست في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كميناء مهم ومحطة تجارية تربط أجزاء بحيرة فيكتوريا أو هكذا أراد المحتل البريطاني، ومن الظريف أن إسم المدينة يعني "التجارة" حسب اللغة المحلية. وبما أن المدينة تلتقي فيها الطرقات والقوافل وتتداخل فيها الشعوب والقوميات إضافة إلى الموقع المتميز ــ تقع على حوض بحيرة فيكتوريا ــ كان في خاطر الإنجليزعند تأسيسها أن تكون محطة السكك الحديدية الأكبر في شرق إفريقيا وربما قد تصبح محطة بديلة لمحطة كمبالا لاحقا.

كيسومو مدينة متميزة معماريا حيث المباني الفخمة والشوارع الواسعة والساحات العامة تزين أرجائها وأحيائها العتيقة، وتستمد المدينة هندستها المعمارية من الطراز الأوروبي نظرا لكونهم مؤسسي المدينة الحديثة، ولكن تاريخيا المدينة يعتبر أنها أقدم من الإستعمار الأوروبي، بل يعتبر من أعرق المدن في كينيا وتعاقب على حكم منطقتها قبائل كثيرة وقوميات متعددة.

في قلب المدينة تجولت وأنا أبحث فنجان قهوة في وسط الغيوم الكثيفة والأمطار الغزيرة التي لا تتوقف أبدأ، وعلى مقاعد رخامية في مقهى مطلة على الشارع كنت أقرأ كتاب "إفريقيا الخضراء" للدكتور محمد بن ناصر العبودي فرأيت كل التعابير والأوصاف التي ذكرها الشيخ في كتابه ومنها (أنهمرت السماء كأفواه القرب) وهو تعبير بليغ للأمطار الغزيرة التي تهطل كالشلالات على مدينة كيسومو وضواحيها السياحية حيث التراث الإفريقي والحيوانات والسفانا الإفريقية.

بوسيا.. وإهانة الصوماليين
من كسومو وتحت أنغام الأجواء الحالمة غادرت صوب الحدود وخاصة مدينة بوسيا، كانت مدينة نابضة بالحركة والنشاط البشري والتبادل التجاري ، وصلت بوسيا قبل أن يبزغ الفجر وفي كبينة الجوازات في الحدود وقفت طابورا في الجانب الكيني، كانت الإجرآءت غاية الدقة والسهولة ولم أواجه أية صعوبة أو مشاكل خاصة وأن الصومالي مهما كان جوازه يعتبر صيدا ثمينا لا يمكن أن يمر النقاط التفتيشية بسلام، ولا يستطيع أن يعبر الحدود والمطارات إلا برشاوي ودفع أموال غير شرعية خاصة في الدول الإفريقية التي تجذر فيها الفساد والنهب والسطو الناعم أو المسلح، وبعد إنتهاء الإجرآءت ذهبت إلى الجانب الأوغندي وهنا رأيت التمييز العنصري الإفريقي بابشع صوره.

في المبنى القديم الذي تستخدمه أوغندا كدار للهجرة والجوازات يوجد غرفة جانبية مخصصة للصوماليين مهما كانت جنسيتهم ( الصومال، إثيوبيا، كينيا، جيبوتي، دول المهجر) وبعد أن وقفت أمام رجل الجوازات قال لي بنبرة مستعلية أنت صومالي إذهب الى الغرفة المجاورة!، في الغرفة الصغيرة المجاورة يوجد رجل خمسيني كث الشوارب، فارع الطول، فاحم اللون، أجعد الشعر، أفطس الأنف يتعامل مع الصوماليين بإستعلاء وأنتهازية كبيرة وبعد مناقشات طويلة وردّ وجذب دفعته أموالا غير شرعية وهكذا فعل الصوماليون بمختلف جنسياتهم وجوازاتهم حتى أولئك الذين يحملون الجنسية الكينية كانوا مثلنا رغم أنهم موجودون على مرمى الحجر عن وطنهم!.

ما أقبح العنصرية والتمييز المبني بالعرق والجنس واللون والثقافة، خاصة إذا كان المجتمع الذي يعاني من العنصرية والإبتزاز شعب أنهكته الصراعات وأقعدته الحروب الأهلية، أين الأخوة الإفريقية والقومية الإفريقية التي يتشدقون بها؟، وخلاصة القول ما رأيت في بوسيا كان ماساويا بكل المقاييس.

وبعد إنتهاء الإجرآءت المهينة غادرت المبنى وأنا مخنوق من شدة الغضب وفي الفناء وفي وسط الحافلات المتجهة نحو المدن الأوغندية المختلفة، كان المتنفس الوحيد لي الرفقة الطيبة والأجواء الرومانسية، وبعد أن هدأت سألت كمساريا كان يرتدي طاقية إسلامية أين المسجد يا أخي؟ كان كريما باسما فدلني على المسجد ورغم أن المسجد كان بعيدا نوعا ما في مدينة تنشط فيها العصابات الإجرامية وللصوص إلا أنني شعرت بطمانية كبيرة وأنا أوأدي صلاة الفجر في مسجد صغير في قلب مدينة بوسيا الحدودية.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1716

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




حسن محمود قرني
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة