المقالات
السياسة
قراءة في بيان د. علي الحاج..!
قراءة في بيان د. علي الحاج..!
04-22-2016 02:33 PM


طالعت في الراكوبة، خلال الأسبوع الماضي، بياناً اصدره د. علي الحاج، من ألمانيا، أعلن فيه رغبته العودة نهائياً للسودان.
لا اعتراضنا لدينا إن كانت العودة لدواعي خاصة به أو بأسرته، لكن حتماً سيكون لنا اعتراض، إن كانت العودة الى السودان لدواعي عامة وفي إطار دوره السياسي العام.
قبل علي الحاج، عاد البعض من مدعي السياسة والنضال، بعد ان منحوا حق اللجوء السياسي في الغرب وعاشوا فيه سنوات ومن ثم حصلوا على الجنسية. البعض من هؤلاء أصبحوا تجار شنطة، ولا اعتراض لدينا على ذلك، ونحترم خيارهم وقرارهم، ما داموا لم يصبحوا تجار سياسة. . ! أؤلئك، ربما نجد لهم العذر وبالتالي نضعهم في خانة الكم، وليس النوع، لانهم مجهولون بالنسبة للكثير منا.. لكن كيف لنا ان نفهم، رغبة د. علي الحاج، أو قراره الذي اتخذه ، بالعودة الى السودان، لاسيما كما قلنا إن كانت العودة بصفته العامة ولدواعي عامة. .!
علي الحاج، كان وزيراً للتجارة الخارجية في عهد الديمقراطية الاخيرة، التي قضى عليها نظام الإنقاذ. وبالتالي اتعامل معه بهذا الفهم، ولا تهمني الصفات والمواقع التي شغلها في الانقاذ حتى مغادرته حظيرتها، وحصوله على حق اللجوء السياسي في ألمانيا. لأَنِّي لا اعترف بها ولا اعترف بالنظام الذي قام على باطل، وظل في الحكم على باطل.
علي الحاج الحاصل على حق اللجوءالسياسي في ألمانيا، قرر العودة، كما هو وارد في بيانه الذي اصدره من المانيا، ومن خلال البيان يلحظ المرء ان الحافز الذي دفعه لاتخاذ قرار العودة هو وفاة د. الترابي. . وعمق هذا الحافز الجدية التي لمسها من اللقاء الذي جمعه "بعمر البشير" الذي أطلق عليه لقب السيد الرئيس..! هذه العبارة الواردة في البيان، جعلتني افهم ان البيان بائس، ولا فائدة ترجى من ورائه، بل هو وحزبه في طريقهما للدخول في بيت الطاعة مرة اخرى. . وإلا كيف له ان يصف شخص مثل عمر البشير فاقد للشرعية، بجانب جرائمه التي ارتكبها بحق الشعب السوداني، بالسيد الرئيس..؟ !!
ما هو الدرس الذي تعلمه د. علي الحاج من طيلة بقائه في ألمانيا ..؟ وما الذي استجد في السودان منذ غادره قبل ستة عشر عاماً ..؟ حتّى يقرر العودة النهائية الى السودان...؟
هل السبب هو رحيل د . الترابي ...؟ الموت سنة الحياة، كل نفس ذائقة الموت. أما إن كان السبب هو خشيته على حزبه ، فخشيته هذه، في غير محلها، لأن وجوده في الداخل لن يخدم القضية العامة بشيء، بل وجوده في الخارج في ظل الظروف الراهنة، التي يمر بها السودان، أفيد بكثير من وجوده في السودان. اذ سيوفر له الوقت اللازم للاضطلاع بمهمة القيادة والتوجيه، والتفكير والتنظير بشكل أفضل بحكم الحرية وإمكانية التحرك والتواصل مع أعضاء حزبه وبقية القوى السياسية الاخرى، كما سيجعل منه محط أنظار الآخرين ونقطة ملتقى للقوى السياسية المعارضة للنظام في الخارج، هذا في حالة خروجه من حالة البيات الشتوي التي ظل غارقاً فيها طوال سنوات إقامته في ألمانيا، اذ لم تسجل له مشاركة تذكر سواء في الشأن السوداني عامة أو تجاه اقليم دارفور بصفة خاصة، الذي يشهد حالة من الفوضى وعدم الاستقرار منذ 2003. !
غني عن البيان القول أن الأوضاع القائمة الان في السودان، ليست مؤاتية لعودته، كما هي غير مؤاتية لمشاركة حزبه في سلطة يقودها شخص مثل عمر البشير الذي استخف بالقيادات التي وقفت معه بعد المفاصلة، بل وأرسل بعضاً، منها الى كهوف التاريخ، ومن تبقى من تلك القيادات قد أصبحت كالتحف القديمة التي نراها على واجهات المحلات التجارية أو المواقع الاثرية..!
عمر البشير ومن خلفه بكري حسن صالح وعبدالرحيم محمد حسين، هم من أصبحوا في الواجهة، يقودون النظام ويتخذون القرارات، أما البقية، فهم مجرد بيادق لا اكثر..! لذلك أصبحت ممارسات النظام اكثر همجية وعنفاً، تجاه الشعب السوداني عامة، لاسيما تجاه مواطني دارفور. . دارفور التي ما زالت مهمشة واهلها بائسون . . !
لذا يتساءل المرء هل عودة د. علي الحاج في ظل هذه الظروف، ستجعل البشير يعترف بخطئه تجاه الشعب عموماً، ودارفور على وجه الخصوص..؟ ومن ثم يعتذر للشعب السوداني ويسلمه امانته..؟ او في الحد الأدنى، يوافق على قيام حكومة انتقالية، تهيء الأجواء لقيام مؤتمر دستوري يشارك فيه كل أهل السودان من الشرق والغرب والجنوب والشمال والوسط والمركز. . لوضع أسس بناء الدولة السودانية الحديثة. . التي ما زالت مهمة تنتظر الإنجاز. . ستون عاماً مرت على الاستقلال وحتى الان لم يتحقق بناء الدولة السودانية الحديثة..! برغم ما طرحته القوى السياسية السودانية، بمختلف توجهاتها، مضافاً اليه ما كتبه المثقفون السودانيون، عن السودان، وتاريخه، ومكوناته الاجتماعية والثقافية، وفشل تجارب الحكم التي عرفها حتى الآن.
في تقديري ان تلك الجهود برغم أهميتها، الا انها لم تتبلور بعد، في رؤية فلسفية لإنجاز مشروع بناء الدولة السودانية.
السودان ما زال بعيداً عن مرحلة بناء الدولة، اذ ما زالت تتحكم فيه وتسيره ثقافة القبيلة والجهة..! فهو في حاجة لقيادة تتولى مهمة التنظير والتخطيط لبناء الدولة السودانية الحديثة المنتظرة..! وهذا يحتاج لقراءة تاريخية وإعادة نظر معمقة في اخطاء الماضي.
الإجابة عن السؤال متى ننجز بناء الدولة..؟ تقول: علينا الغوص في التاريخ، لان ثمة دوروس للأحداث الماضية، وأحداث مرتقبة، تبحث لها عن تواريخ في المستقبل... وفق هذه النظرية التي تبناها بعض المفكرين السياسيين والباحثين في الاقتصاد السياسي الدولي، اصبح معنى التاريخ منوطاً إما بإنتهاء الفروق بين الطبقات،أو بحلول اوان استقرار النظم الليبرالية الغربية، أو بتعميم قيم الديمقراطية الغربية في كل ارجاء الارض. وفي إطار هذا الفهم تبقى جائزة كل الأسئلة والملاحظات والتحفظات، ونحن نتلمس الخطى، ونطرح الاسئلة التي تستفسر عن التاريخ بما يخبئه للمستقبل أكثر مما يرويه عن الماضي، فيصبح إذ ذاك، فهم التاريخ محاولة لاستشراف آفاق المُستقبل.
نحن في السودان، لنا تاريخ لم نتفق على الكثير من احداثه، لأننا لم نكن جزء فيها بل فرضت علينا، ومستقبل لا يزال ينتظر منجزات ضرورية شتى، قد يكون أهمها، إسقاط النظام ومن ثم أرساء الدولة الوطنية الحديثة، التي تحترم دور المواطن ، كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية الحديثة. وألمانيا واحدة من تلك الدول العريقة في هذا المجال.
لذلك نقول ان بقاء د علي الحاج هناك سيكون أفضل لإنجاز هذا المشروع، بالطبع ليس تعويلاً عليه، أو على حزبه حزب المؤتمر الشعبي، ولكن إيماناً بالديمقراطية ووعياً بمتطلبات بناء الدولة، التي تحتاج جهود كلها ابنائها.
السودان الذي استقل في عام 1956، ما زال ككيان سياسي واقتصادي واجتماعي، لم يكتمل بناءه على النحو السليم، منذ تاريخ استقلاله، برغم توافر ظروف نشوء الدولة فيه الى حد ما، بيد ان كماً من الأحداث التي طرأت فيما بعد، تشير الى تعثر ، لا بل تعثرات على اكثر من صعيد. والسبب هو غياب الرؤية السياسية الملائمة لحكم وطن قارة مثل السودان، زاخر بتعدده وتنوعه العرقي والثقافي، فلا التوازنات السياسية القائمة أنذاك جعلت وطننا متوازناً عبر المراحل التي تلت رفع راية الاستقلال، ولا ثقافتنا جعلت مجتمعنا متماسكاً أمام التحديات، ولا ممارساتنا المختلفة أدت بِنَا الى انتظام حياتنا وعلاقتنا في ما بيننا ومع الدولة.
لذا تمرد الجنوب اكثر من مرة وانهارت الديمقراطية اكثر من مرة، انهارت في اول عامين من استقلالنا، بقيام انقلاب الفريق ابراهيم عبود. وبعد ستة أعوام عادت الديمقراطيًة، لكنها إجهضت مرة اخرى بانقلاب جعفر نميري، الذي بقى ستة عاماً في السلطة، ثم عادت الديمقراطية مرة اخرى لكنها اجهضت مرة ثالثة بانقلاب الإنقاذ القائم...! هذا هي حقيقة الواقع، لكن برغم هذا هناك آراء متباينة وقراءات مختلفة لهذا الواقع، ومواقف سياسية متضاربة أدت بِنَا الى عدم الاستقرار بل الاقتتال تلو الاقتتال، حتى خرج الجنوب من حظيرة الوطن، والآن نشهد حروب في دارفور وفي جبال النوبة في كردفان، والانقسنا.
لا نأتي بجديد ان قلنا ان تجارب الحكم التي عرفها السودان اتسمت بخطأ بنيوي، تمثل في احتكار السلطة والثروة من قبل الأقلية على حساب الأغلبية من الشعب السوداني،، وبالتالي إسباغ السكون على ما هو متحرك، بمعنى العمل على فرض رؤية معينة احادية ووجوه بائسة ظلت ممسكة بمقاليد الحكم منذ استقلال السودان، في مجتمع يغلي بعوامل الاضطراب، ولسنا في حاجة للعودة الى أمثلة تاريخية قديمة، اذ يصح ان ناخذ تجربةالانقاذ الراهنة دليلاً على طبيعة ذلك الخلل البنيوي.. وكارثية خيارالانفراد بالحكم، الذي يشكل احد الأسباب الرئيسية لعدم إنجاز مشروع الدولة الوطنية.. إذن لا حل للازمة الوطنية في ظل هذا النظام او اي نظام قادم ما لم تصحو ضمائر السياسيين وتستيقظ عقولهم لاهمية الخروج من النفق ومن ثم تهيأت الأجواء الملائمة لبناء الدولة السودانية الحديثة التي تضع حداً لمنطق الهيمنة والتكويش..! وما لم يتحقق هذا الهدف، لن يحدث تحسن في حياة الشعب السوداني لو حتى عاد كل المعارضين، ناهيك عن عودة شخص واحد مثل علي الحاج...!
الطيب الزين
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2832

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1449025 [خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

04-23-2016 12:43 PM
راحت عليه.وعليهم.

[خواجة]

#1448816 [الرايق]
0.00/5 (0 صوت)

04-22-2016 10:10 PM
علي الحاج لم يكن لاجئاً سياساً و لم يقم بعمل طوال مدة تواجده بالمانيا ولم يكن لديه مصدر دخل يعتاش واسرته من وراءه
كان يصرف عليه تنظيم الترابي و جهات تابعه لهم (دولية) ووجوده بالمانيا كانت لدواعي تخطيطية .
وعودته هي للمستجدات الاخيرة والتي تسمى توحيد الاسلامويين و لغياب الترابي الذي اتضّح انه الذي (هنّدس) حوار الوثبة
المعطوب بل صاغ خطاب جنرالهم في تلك الامسية العبثية .

[الرايق]

#1448747 [إبراهيم أحمد]
0.00/5 (0 صوت)

04-22-2016 04:51 PM
لا فض فوهك يا طيب يا زين ... هي الحقيقة المرة والسهل الممتنع .. لك الله يا وطني

[إبراهيم أحمد]

الطيب الزين
الطيب الزين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة