المقالات
السياسة
الحب في زمن الدفاع الشعبي (2)
الحب في زمن الدفاع الشعبي (2)
05-02-2016 10:07 AM


بارحت السرايا ارض التمام بخطي عسكرية ثابتة نحو مؤخرة المعسكر . جال احمد عباس فيما حوله بنظراته الخاطفة كنسرٍ هبط لتوه في وادٍ لم تألفه عيناه بعد . قدر سريعا ان عدد السرايا كان لا يتعدي الرقم 10، تم تقسيمها الي كتيبتين : الاولي والثانية .. بكل كتيبة نحو الخمس سرايا بينما تضم كل سرية ما يقارب المائة مجند . وجد احمد نفسه علي ميسرة دليل اليمين بمنتصف التشكيل العسكري للسرية .. فسخر في سره من " شتارة" صديقه القديم الهادي بانقا .. والذي لم يقم وزناً لاهمية انضباط دليل اليمين في اي طابور عسكري .. التفت الي يمينه قليلا فطالعه الهادي بوجهه الطفولي القسمات والذي لم تختلف تضاريسه كثيرا عن ذات الوجه الذي تبينه لأول مرة بطابور الصباح حين زامله بمدرسة الهجرة الابتدائية بحي المسالمة الامدرماني . ها هو يطلق كعادته قهقهاته المغتبطة بفوضوية عرفها فيه منذ امد .. ليختلط إيقاعها بوقع ضربات الارجل المنتظمة علي التراب .. فتتداعي الأصوات الي أذنيه بصخبٍ لم يألفه كثيرا .. الغبار الكثيف يملأ الفضاء ..و موجة من السعال تغشي الصدور .. فتصيب ما شاء الله لها من الطلاب بذراته العالقة التي لا تفرق بين اولاد المصارين البيض وغيرهم من الغبش و رقيقي الحال .. تعلمجي السرية .. العريف اسحق ادم .. يحمل عصا طويلة في يده اليمني وهو يزحف الي الامام بميمنة التشكيل العسكري وقد ارتفعت عجيرته بصياح منتظم ..
- هال .. هج .. هال
- هال .. هج .. هال
وكلما ارتفع سعال البعض بفعل الأتربة المتصاعدة .. كلما قطع هو هتافه الراتب .. بصوت متهكم النبرات ..
- ها .. اولاد الراحاااات .. ظهروا .. ياااا
ثم يتصاعد صوته مجددا بذات الايقاع المتدرج ..
- هال .. هج .. هال..
أعطت التشكيلات العسكرية ظهرها لارض التمام وهي تتقدم لمنفذ عريض بين المسجد علي الميسرة ومبني اخر علي الميمنة .. حسن التصميم ازدان بنوافذ زجاجية مظللة وقد ارتفعت فوقه لافتة تقول .. مكتب المنسقيين الشعبيين .. ثم لافتات اخري متناثرة .. لفتت نظره إحداهن بسوداها القاتم وحروفها البيضاء الواضحة .. فبدت وكأنها "سبورة" بحجرة دراسية زينت حروفها أنامل استاذ فنان ..
كل ما تراه هنا و تسمعه هنا اتركه هنا .. مع تحيات الاستخبارات العسكرية ..
وما ان اجتازوا ذلك المنفذ الا وانكشف امام عينه سهل فسيح اخر .. لعله بخمس مساحة ارض التمام تقريبا .. تقبع خلفه مباني من الطوب الاحمر علي اليمين ستعرف عند اهل المعسكر باسم العنابر ثم يليها ممر ضيق تقع علي ميسرته سلسلة من الأكواخ الخشبية التي اشتهرت باسم " الكرانك " .. دفعه فضوله كعادته الي ما وراء الامكنة فلمح السور الشائك الكامن بخلف الكرانك والعنابر يترامي علي مد البصر وقد أوشك ان يلتصق بسفوح تلال المرخيات المحيطة بالمعسكر ، ارتد ببصره سريعا الي الكرانك حيث سيقيم معظم المجندين .. كل " كرنك " كان عبارة عن " راكوبة" ضخمة .. مستطيلة النسق .. قامت علي أربعة قوائم من الخشب .. تشكلت جدرانه من حزم من عيدان الحصير بسوقه الرفيعة .. تشي طريقة انتظامها باستخدام لفائف من الأسلاك الصدئة .. بموهبة متواضعة لنجارٍ ما أُستقدم للقيام بعمل يفوق خبراته العملية كثيراً.. كان لكل كرنك مدخل يقبع في اقصي يسار مواجهته العريضة.
رمق احمد مدخل الكرنك المخصص لسريتهم .. فألفاه ضيقاً تلوح من خلفه حلكةٌ مظلمة مما اثار في قلبه انقباضا لم يستطع تجاهله.. تذكر علي الفور تشاؤم جدته دار النعيم من كل ما ارتبط ذكره باليد اليسري.. ترآت أمامه بثوبها الابيض وهي تمسك بسبحتها وتهمهم ..
" يا ربي تجعلنا من اصحاب اليمين .. يا ربي ما تأتينا كتابنا بشمالنا يوم لا ينفع مال ولا بنون "..
توالت الصور تباعاً و تداعي الي ذاكرته مشهد الحاجة دار النعيم وهي تنسق وتنظم له حقيبة الحديد التي ابتاعتها من سوق ام درمان العتيق خصيصا لتدس له في جوفها .. مؤونة تقيم أوده في مقبل أيامه هنا.. فهو ما زال يذكر جيدا حماستها وقد اكملت ترتيب الحقيبة التي انكفأ نصفها العلوي الي الوراء فوق " العنقريب" .. قبل ان تستعد لاحكام اغلاقها مرة اخري .. وكيف كانت تشير بسبابتها لمحتويات الحقيبة .. بلهجة غلب عليها تحنان الوالدة بولدها ..
- عندك هنا 3 كيلو طحنية ، ملوتين تمر ، 3 علب مربي الفواكه ماركة سعيد ، باقة عصير روزانا و ملوتين قونقليز و زيهن لالوب وعلبتين عصير تانج و 5 أرطال سكر .. ما تنسي تحت تلقي البطانية ، الشتا داخل علينا ، لازم تتغذي كويس يا ولدي .. الجيش للصبيان و الصبي مِرق لا ينكسر لا ينفسل ..
كانت الحاجة دار النعيم هي جدته لأمه .. ما زال يذكر جيدا كيف تصدت لمسئولياتها في سد الفراغ الذي خلفه موت والدته مريم والتي رحلت مبكيا علي شبابها في تلك السنة التي أنشب فيها الموت أظفاره بقسوة في خلق الله فلم يمهل حتي أولات الأحمال من النساء اجلهن حتي يضعن حملهن .. فاطلق شقيقه عمر صرخته الاولي في هذه الدنيا وقد فارقت والدته الحياة قبل مولده بلحظات .. في ذاك العام توفيت نساء كثيرات بالحلة اثناء الولادة ومنهن سعدية والدة صديقه عمار التني والجنة والدة محمود فضل المولي .. وبت المني زوجة العم محمد جاد كريم . كان عاما بئيسا كالحاً.. خيمت علي شهوره سحائب من الحزن وألم فراق الاحبة فمقته رجال الحلة وأسموه بعام الشؤم .. وتطيروا من ذكراه كل ما لاحت لهم في الأفق البعيد .
تذكر كيف مضت الأيام مسرعة .. وقد قسمت الحاجة دارالنعيم وقتها بين بيتها و رعاية جده المسن الحاج عبدالصادق الكردفاني .. وبين رعايتهما هو وأخيه عمر .. فكانت تحرص علي قضاء 3 ايام في الأسبوع معهم علي الاقل .. لمساعدة ابن اختها الذي هو والده .. الاستاذ عباس القرشي في تربية أولاده ، فقد عزف عن الزواج بعد رحيل ابنتها الوحيدة مريم اكراما لذكراها . لم يكن رحيل مريم اخر مآسي الاستاذ عباس القرشي .. فقد عاملته الدنيا بلؤمها المعهود حينما تدير ظهرها وتدبر عن الناس بعد إقبال ، فلم تمضِ اكثر من 5 أعوام علي رحيل زوجته حتي اعتوره خَوَرٌ عام فشحبت ملامحه وهزل جسمه .. ثم غارت عيناه وبانت عظام وجهه .. تزامن كل ذلك مع سعال متواصل وضيق انفاس لا تخطئه عين ، اخبرهم الأطباء بأن إصابة قديمة بالسل قد تجددت برئتيه فأمضي الاستاذ عباس تسعة اشهر من العلاج المتواصل بمستشفي " ابوعنجة" للامراض الصدرية بأمدرمان .. وما ان تماثل للشفاء واسترد عافيته حتي عاجلته وزارة التربية بولاية الخرطوم بإرسال خطاب إحالته للصالح العام .. فاستقبل القرار بجلده ويقينه الذي اشتهر به .لم يهدر الاستاذ عباس كثيرا من الوقت فسلم بالاقدار بعد ان امضي ليالياً قليلة وقد اضرم الظلم في نفسه نيراناً متقدة من السخط والغضب الا انه قرر سريعا وضع الطباشيرة نهائيا تاركا تدريس مادة الجغرافيا التي احبها .كان ذلك قرارا صعبا علي رجل مثله لم يبلغ منتصف الخمسينات بعد . توكل علي الله و افتتح محل بنشر سيارات ابواحمد بمحاذاة محطة الرومي الشهيرة بشارع الشنقيطي.. فاقبل عليه معارفه وتلامذته وعارفو فضله يبرونه باصلاح سياراتهم عنده ويدفعون عنه غائلة الدهر الذي صار فيه امثاله من الأساتيذ يبحثون فيه عن ما يسد الرمق.

وقبل ان تخمد ثرثرة الكثيرين من اهل الحلة وهم يتناقلون مآساة عباس القرشي .. لاكت الأفواه مجددا خبر ضحية جديدة من ضحايا سيف الصالح العام الذي سلُط علي رقاب الناس بأوائل التسعينات بلا رحمة .. فلم يسلم منه هذه المرة حتي الاستاذ صديق الجيلي والد نوال "عشقه القديم" .. ولكن استاذ صديق بصرامته واعتداده بنفسه كَبُرَ عليه ان يري من هم في عمر ابنائه من اهل الحظوة يديرون مؤسسات تعليمية افني هو زهرة شبابه في التدرج بمراقيها بينما انتهي به هو الحال وحيدا ببيته يسامر الجدران الأربعة وقد ارتحلن عنه بناته الثلاث - بعد وفاة أمهن - لبيوت أزواجهن وانشغلن عنه بدوامة حيواتهن الجديدة وما فيها من تفاصيل قاسية .. حتي زياراتهن التي تتالت بصورة شبه يومية لم تخفف عنه كثيرا .. فتوالت عليه النكبات واصيب بجلطة دماغية ثم صار قعيدا لكرسيه المتحرك قبل ان تتدهور صحته بسرعة ويرحل عن الدنيا في نفس العام . كان ذلك عام شؤمٍ اخر بالثورة الحارة 12 .. خلفت تلك السنة في الصدور من الاهوال ما تنوء عن حمله الجبال .

تذكر احمد ان الاستاذ صديق الجيلي كان من جيل سبق أباه كثيرا في سلك التعليم الا انه تذكر ايضا ان والده لم يكن الوحيد من ابناء جيله في محنته تلك .. فقد ذاق صديقه الباشمهندس محمد جاد كريم - المهندس بوزارة الأشغال- حنظل الإحالة للصالح العام قبله في زمن صار فيه الولاء السياسي لمن يحكمون البلاد هو معيار استمرار اي احد في وظيفته مهما كانت مقدراته . ولكن محمد جاد كريم بحبه المقيم في نفسه للحياة رفض ان يكون ذلك هو الفصل الأخير في كتاب مسيرته المهنية.. فتحصل علي عقد عمل بالسعودية وآثر الاغتراب بحثاً عن حياة افضل. لم ينقطع محمد جاد الكريم عن الحلة فقد ترك بها أسرته المكونة من مهيرة ابنته البكر وأشقائها التوأم وخالتهم الصغري احسان التي تزوجها بعد وفاة والدتهم بت المني في ذلك العام الكبيس.. كانوا يقيمون جميعا .. ببيت جدهم لأمهم الحاج عثمان الضاوي تاجر الأواني المنزلية الموسر بسوق ام درمان..
لا يزال احمد يذكر ذلك اليوم الذي ارسله فيه والده الي بيت الحاج عثمان الضاوي لاستلام جهاز شحن بطاريات السيارات الذي بعث به الباشمهندس محمد جادكريم من المملكة من حر ماله دعما لدكان ابيه .. طرق الباب طويلا فلم يجبه احد حتي همّ بالرجوع .. وما اثناه عن ذلك الا وقع تلك الخطوات التي تصاعد صوتها كل ما اقتربت الأقدام من الباب .. قبل ان تسكن تلك الحركة لهنيهة ثم يترامي الي أذنه صوت موسيقي موغل في العذوبة .. تسرب من خلف الباب الحديدي ..
- منو ؟
- السلام عليكم .. انا احمد ود استاذ عباس القرشي جيت استلم الامانات ..
اصدر الباب صريرا بطيئا قبل ان تبرز من خلفه مهيرة .. طالعته بابتسامة حلوة حتي خفق لها قلبه الصغير بدقات متسارعة فكاد ان يقفز من صدره .. كانت فارعة القوام تماماً كما يشتهي حبيبته ان تكون .. خلاسية الملامح .. واسعة العينين ..غزيرة الحاجبين .. ناعمة الوجه.. حلوة التقاطيع .. تلفحت بثوب انسدل حتي أطراف قدميها فما بان من تفاصيلهما الا قليلا. لم تطل مهيرة الوقفة فرحبت به بذات الصوت ذي الوقع الموسيقي ..
- اهلًا احمد ود عمي عباس .. اتفضل ..
سرعان ما غلب عليه حياؤه فانحدر ببصره الي الارض.. قبل ان يرد بلهجة غلب عليها الارتباك ..
- الامانات .. اااا... انا .. اااااا... جيت استلم الامانات ..
- جدي عثمان مشي بنفسه يوصلها لي عمي عباس في دكانه قبل شوية .
تزايد الارتباك علي معالم وجهه فاستحال الي قطرات من عرق تدفقت من جبينه خلسة فحاول مداراة اضطرابه خلف لهجة حازمة لم يحسّن اصطناعها ..
- طيب .. شكرا ..
- اتفضل .. اشرب موية طيب .
- لا شكرا .. مع السلامة..
قفل احمد راجعا بذلك الزقاق الذي ينتهي اخره ببيت الحاج عثمان الضاوي و لم يعد يدري لماذا تذكر امه مريم مع اول عطفة الي يمين ذلك الزقاق تحديدا .. تذكر امه وهي تهدهده بأغاني ما قبل النوم و هو طفل يافع..
النوم تعال .. النوم تعال
النوم تعال .. سكت الجهال
النوم تعال .. لي ولدي الغالي
النوم تعال .. للبيستر حالي ..
يا الهي .. انه ذات الصوت العذب بلاشك .. لا زال يذكر جيدا عيني أمه الواسعتين .. رباه .. إنها ذات الحدقات .. بل انها هي .. هي ! اما مهيرة فلم تلبث ان خلعت عنها ذلك الثوب علي عجل وقد انشرح صدرها بعد انقباض طويل فقد وافق ذاك اليوم يوم رحيل والدتها " بت المني" قبل 12 عاماً خلت .. اعتقدت جازمة بان وجه ذاك الفتي الخجول ما زال يخبئ لها الكثير من الأشياء المفرحة .. وسرعان ما تعاقبت الأيام وصدق حدسها ففعلت كيمياء التجاذب أفاعيلها بقلبيهما الصغيرين .. و خطت بالاحرف اول فصل من قصة سيتردد اسميهما بين صحائفها كثيرا .

- ثااااااااااابت

هكذا قطع عليه العريف اسحق ادم حبل أفكاره التي اشتبكت مع بعضها بعضاً كما يشتبك اولاد الحلة في دافوري العصرية دون ان ينتصر اي فريق منهم فلا يفض اشتباكهم الا اذان المغرب . اصدر العريف اوامره للسرية بالتوقف امام الكرانك... قبل ان يقوم باختبار مبكّر حول أول درس عسكري تلقوه قبل لحظات بأرض التمام ..فصاح بحزم :
- طابوووور.. نمرة كاملة.. عِدْ ..
تعالت أصوات مجندي السرية بالترتيب من مقدمة الطابور بدأً من الهادي الذي صرخ مستخدما الطاقة القصوي الكامنة بحباله الصوتية ..
-واااااااااحد ..
أعقبه احمد عباس بصوت لا يقل حماسة عن صديقه ..
- اتنييييييين
ثم تتالت صيحات البقية بإيقاعاتها الآخذة بالارتفاع المتدرج كطائرة اقلعت لتوها من مدرج مطار ما .. كل مجند يجهر بموقعه في الطابور ..
- تلااااااااااااتة..
- ارررررربععععععة.... خممسسسسسسسة...
وما هي الا بضع دقائق الا وصدع اخر من بالطابور بالرقم 100 مما أكد اكتمال عدد أعضاء السرية بالتمام والكمال بحسب ما تقتضيه الاعراف العسكرية..فاكتملت بذلك سعادة العريف اسحق ادم والذي بانت نواجذه قبل يظهر استحسانه لما سمع بصيحة غلب عليها الرضا ..
- مبروووووووك ولله..
كل القوووووة ... انصراااااااف.

حمل احمد حقيبة الحديد خاصته من امام الميدان الخلفي الذي جُمعت فيه كل حقائب المجندين بعد ان خضعت للفحص الدقيق ثم ولج بقدمه اليمني الي الكوخ الخشبي و افترش نمرته بمقابل المدخل من الناحية الأخري وتبعه الهادي بانقا كظله فجلس بجانبه ثم طرح نمرته علي الارض و وقذف بحقيبته المنتفخة بالطيبات تماما كصندوق الدنيا الي اليمين قليلا .. مستخدما ذات أسلوبه الفوضوي القديم ثم طالع احمد بوجهه البرئ الذي لا تخلو ملامحه من سذاجة تكاد تصل به الي مشارف " العوارة" .. قبل ان يبدأ بالغناء بصوته النشاز ذي الطبقات الصوتية المتنافرة .. وقد تمايل بجسمه "بشتارة " في محاولة فاشلة منه لمحاكاة رقصة العرضة الحماسية المعروفة..فبدا وكأنه عسكري يقوم بحركة خطوات تنظيم اكثر من كونه شخصاً "يعرض " علي أنغام أغنية ما ..
غني لو ود عباس يا عيني انا
في القهوة ما جلاس يا عيني انا
الليلة وين وين يا عيني
ود عباس دا كال العين يا عيني انا
ثم انتقل بذات الفوضوية التي ناسبت تلك الطبيعة العشوائية لطبقاته الصوتية .. هكذا بلا مقدمات.. لترديد مقطع غنائي مختلف تماماً :
اسمر .. جميل فتااان..
ما بجود بمثله الزمان ..
لاي لا .. لاي لا لا
اصطنع احمد ابتسامة مجاملة سريعة لصديقه الذي لم يلبث ان سمع صفيرا يصعب علي الاذن تمييز دوافعه ان كانت استهجانا ام اعجابا ام تعجبا .. ثم تلاه صوت قادم من اعماق الكوخ كسته سخرية حارقة أستدرج بها صاحبها كل من في الكوخ الي مظاهرة صاخبة من الضحك المتواصل ..
- أمك .. الموسيقار ابو اللمين زاتو قاعد معانا هنا؟
بالله عليك الله يا استاذ الغنية الجاية دايرين "الحب والظروف" ولا أقول ليك حاجة خليها " بتتعلم من الأيام " أحسن ..
بعثت تلك الأجواء المرحة بعضا من الارتياح الذي غشي صدر احمد فبدد عن نفسه هواجس عدة اثارتها غربة المكان و الوجوه .. لم يتكلف كثيرا حين وجد نفسه يضحك ملء شدقيه هذه المرة فعاجل صديقه الهادي قائلا ..
- استاذ.. استاذ من زمان يا صاحبي .
تشاغل الهادي عن تلك الضجة التي تلت ذلك بإخراج كيس التمباك الذي خبأه بمهارة فائقة بجوربٍ التف حول رجله اليمني الي منتصف الساق تقريبا.. فأبان عن ساقين رقيقتين لم يفلح ذلك الزوج السميك من الجوارب الخضراء في جعلهما تبدوان اكثر اتساقا مع بقية جسمه الممتلئ نسبيا .. ثم كَوّر التمباك معملا الإبهام والسبابة والوسطي من أصابع يده اليمني علي قليل منه من ما اندلق علي راحة يده اليسري ليصنع من ذلك قطعة صغيرة متماسكة غلب علي شكلها الاستدارة سرعان ما وضعها بعناية داخل فمه لتستقر امام صف اسنانه السفلي و خلف شفته تماماً. الان اصبح الهادي اكثر هدوءا فاستلقى علي ظهره بقطعة القماش السميكة خاصته بجانب احمد عباس وبدأ يسأله عن بعض اسماء زملاء لهما في المدرسة الابتدائية ما زال احمد يذكر معظمهم كصلاح ود الحاجة وعمار التني و عثمان الجوكر وغيرهم من الأسماء التي لم يجد هو ادني صعوبة في استحضار وجوهها من ثنايا ذاكرته الفوتوغرافية . استذكرا معا جملة من المواقف والحكايات وهم صبية ايفاع فلا يلبث الهادي ان يبدأ في سرد موقف ما الا ووجد احمد يوافييه بكل تفاصيله قبل ان ينثر الهادي قهقهاته الفوضوية مجددا علي كل من حوله . وبينما انهمك الصديقان القديمان في سرد حكايا مضي علي حدوثها اكثر من 7 أعوام .. اذا بصاحب الصوت الساخر الذي سبق .. يقترب منهما ويلكز الهادي من كتفه ثم يمد يده اليمني ليصافحه قائلا ..
- ابواللمين ما تزعل من اخوك .. بقرق معاك ساي
اخوك حمودة بشارة .. ..
اجاب الهادي بتلقائيته المعهودة ..و كأنه يعرفه منذ امدٍ سحيق..
- اووو حمودة ؟ كيف حالك ..
- اخوك في الله الهادي بانقا .. دا صاحبي احمد عباس القرشي .. دفعة وفردة منقرضة من بدري ..
- يا مرحب ولله يا هادي .. مرحب ود القرشي كيفنك .. مرحب بالفرد ..
رد احمد التحية بحرارة حملته علي الخروج من قيود طبيعته المتحفظة تجاه كل وجه جديد .. تأمل ذلك الصبي الجرئ الذي اقتحم عليهم حديث الذكريات فوجده فتي مربوع القامة ..نحيل الجسم ، تبعث ملامح وجهه علي الارتياح نوعا ما بعينيه العسليتين وأنفه المستوي والذي يكاد يوازي جبينه فلا يفسد من استوائه الا نهاياته المنتفخة قليلا فوق فمه تماماً .. يبدو انه لا يكترث كثيرا لتهذيب شاربه الذي كان كثيفا بقدرٍ كان كافيا تماماً لوضع بضع سنوات إضافية فوق رزنامة عمره الحقيقي . وشت طريقته الواثقة في تعريف نفسه واحتفاء كل من في الكوخ بقفشاته الساخرة بشخصية اجتمعت فيها صفات تباينت بين الظرف وشقاوة الشباب او " الشفتنة ان شئت ان تكون اكثر تحديدا" وسرعة البديهة مع قدر غير قليل من التمركز في الذات الناتج عن احساس تملكه بمقدرته علي اسر قلوب الاخرين . والحق انه كان كالمغناطيس الذي يجذب لمحيطه كل من كان في مداه .. فقد افلح بسرعة البرق في "تشبيك" الصبية وتقريبهم لبعضهم بعضاً .. كان بارعا في اختلاق المواضيع المشتركة التي سرعان ما تجعل من حسبوا انهم غرباء عن بعضهم البعض يتسامرون كرفاق تعارفوا لسنوات.. فيلجأ علي سبيل المثال الي عقد مقارنات بين نجوم تسجيلات هلال مريخ لذاك الموسم فلا يلبث الشباب ان يتساجلون بسجال يبتدئ بروح من الدعابة التي لا تخلو من خشونة عادة وينتهي دوما بكثير من الإلف والوداد بينهم.. او قد يلجأ في مرات اخري الي اثارة مقارنات بين فتيات مدرسة البلك الثانوية وأم درمان الثانوية وأيهن اكثر جمالا ورقة مبتدرا الحوار بعباراته الضاحكة ..
- الجكس الدسيس ..
قاعد في ياتو ميس
ما دايرين هردبيس ..
يا حلاااة ناس لمياء و لميس..
فيستدرج بذلك رواد شارع المدارس سابقا من الحضور الي تجاذب أطراف الحديث حتي لا يدع حمودة نزلاء الكوخ الا وقد جذب الي محيطه المغناطيسي أكثرهم وجوما وانعزالا .. فتنحل من لسانهم عقدة لا يرجعون بعدها الي صمتهم أبدا .ويتردد صدي الضحكات المجلجلة بين جنبات المكان فتسري عدوي من الحبور اللذيذ لتعبث بأجسادهم جميعا .
توالت ساعات ذلك اليوم الذي أعفي فيه المجندون من اي نشاط عسكري الي حين حلول تمام الساعة التاسعة مساءا " تمام 9" .. وقد انقشعت الكثير من سحب تهيب المجهول من صدر احمد عباس فها هو الان بقدرة قادر اصبح محاطاً بأصدقاء جدد تعجب كيف استطاع هذا الكوخ المهترئ جمعهم جميعا تحت سقفه .. فعلي الرغم من اقتصاده المتعمد في ابداء مشاعره عادة الا انه احب حمودة من قلبه وسعي الي صداقته بلا مواربة فقد كان حمودة بقفشاته و سخريته من كل ما احاط به هو نسخة علنية مما كان يقوم به هو في سره .. فقد برع احمد في اخفاء الكثير من الخبايا باعماق نفسه دون اي يتمكن من سبر أغوارها احد . وعندما توارت شمس ذلك اليوم خلف قمم تلال المرخيات .. كان احمد عائداً لتوه مع ثلة من أصدقائه الجدد من المسجد بعد أن صلوا صلاة المغرب معا .. وقد توسطهم حمودة الذي سلم له الجميع بلواء الزعامة .. ومعه كل من .. محمد ضوينا .. ابراهيم ود التيرة .. حسن ادروب .. إيهاب العاقب .. هابيل تلفون كولي .. ثم صديقه القديم و الذي أضحي فريسة سهلة لمدفعية حمودة الساخرة .. الهادي بانقا. وعندما أخذ احمد موقعه في الكوخ.. ما لبث ان نال منه الإعياء ايما منال وسرعان ما سرت في جسمه موجة من الاسترخاء وجد انه لا مناص من الاستسلام لها بغفوة صغيرة لعلها تساعده علي استجماع بعض قواه الخائرة قبل حلول موعد تمام 9 الذي اوشكت صفارة إنذاره علي الانطلاق ..

وللقصة بقية..
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1716

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1454863 [Ayman]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2016 01:51 PM
لغة جميلة وسرد روائي اجمل وفي البال السنين التي ضيعها الكيزان من عمرنا في عبثهم الغبي بالسودان المنكوب. فترة غنية بااحداث عجيبة اعجبني الانتقال السلس بين المعسكر والحي الشعبي . عمل يصلحح ان يكون رواية كاملة تمام فالراوي يمتلك ناصية اللغة والحكي المنظم

[Ayman]

#1454394 [جادو]
0.00/5 (0 صوت)

05-02-2016 04:00 PM
جميل جدا واصل في انتظار باقي الحلقات

[جادو]

#1454355 [abdelsalam humida]
5.00/5 (1 صوت)

05-02-2016 02:51 PM
شكرا علي سيل الابداع يا دكتور تجربة الدفاع الشعبي ومعاناة الجيل الذي ذاق مرارات الانقاذ احسنت استعراضها بالفنتازيا الجميلة وحقيقة زمن الانقاذ هو يشبه زمن الكوليرا

[abdelsalam humida]

د. محمد المصطفي موسي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة