المقالات
السياسة
دعوة إلى صينية بطاطس وطماطم: دعوة إلى تجاوز "الأَرْجِمة"
دعوة إلى صينية بطاطس وطماطم: دعوة إلى تجاوز "الأَرْجِمة"
05-02-2016 10:11 PM


يصر أهلنا الطيبيون - حياهم الله والغمام – إصراراً عجيباً على الطبخ باللحم!
ذلك، مع أنّ الكل متفقٌ على أن اللحم، في بلدنا، يكاد ينضج بنار غلائه!
لدينا قول أثير هو "الحلةُ - أي القِدر- بصلٌ". فقِوام الطبخ عندنا البصلُ، ولا حلة بلا بصل.
لكن انتبهوا! يجب أن نفهم القول جيداً! ما يقصده أهلنا هو أن الحلةَ بصلٌ... بعد وجود اللحم طبعاً.
بدون اللحم، لا حلةٌ، ولا بصلة!
***
قد يكون أهلنا بحاجة إلى سعة الخيال أكثر من حاجتهم إلى اللحم.
لكنهم معذورن، إذْ إنّ الخيال يستعصي، عادةً، على الناس حين يتعلق الأمر بالأكل.
نحن لا نتخيل ما نأكل تخيلاً من فراغ، بل نتذكر ما أكلناه فعلاً ونحن جائعون.
وهكذا فلا يطيب لنا إلا ما تعودنا عليه.
***
نعم يا أهلنا، القليل من الخيال يفيد. خاصة حين يغلو اللحم ويغالي الجزارون في مهره.
بين أيديكم خيارات كثير جداً للطبخ بدون لحم ، وبدون لحم مفروم، وبدون دجاج، وبدون شرموط!
وحتى بدون مرقة ماجي!
نقترح عليكم صينية البطاطس بديلاً.
صينية البطاطس بالطماطم والبصل هي البديل المقترح للحم الذي علا علوا كبيراً.
ها نحن، إذنً، بالقليل من سعة الخيال، نقترح بديلاً.
لا تحتاج صينية البطاطس إلا إلى البصل والبطاطس والطماطم، وإلى بهارات أهمها الثوم. ولا ينازع الثومَ في الأهمية إلا الشمار. نعم الشمار، الذي يسميه غيرنا الكمون، بينما نحن نشير بالكمون إلى شيء آخر يشير إليه غيرنا بالحبة السوداء. لكن، كالعادة، اختلاف الأسماء لا يغير من حقيقة الأشياء. فالنظام، مثلاً، يُجمع على أنظمة (وعندما يجمعونه على نُظُم يتغير معناه)، لكن قد لا يعني وجودُ النظام وجودَ النظام. يا له من فقر بلاغي مدقع! كيف سموه نظاماً، وكان يمكن أن يسموه رِجِّيْماً، أسوةً باللغات الأجنبية، ويجمع إذنْ على "أرْجِمة". لكن لا ضير فاللغة أحياناً تُستغل ضدنا؛ يستغل البعض اعتباطها لمآرب في نفسه. فالجِمال، والنوق، كان يمكن أن تُسمى فئراناً. والفئران كان يمكن أن تسمى جمالاً ونوقاً، لكن هذا الانزياح الاسمي لن يعني أبداً أنّ تكون لها أسنمة تمجُّ بالدهن؛ ولا يعني أبداً أن تكون سفن صحراء. وفي المقابل، لو سُمِّيت الجمال فئرانا، ما تجرأ أحد على اختلاق المثل القائل: ليدخل كل فئر إلى جحره!

يا أهلنا الطيبين، حمّروا البصل وأضيفوا إليه الثوم، وبعض الشطة الخضراء، وبعض الفلفلية، ثم لمّا تتصاعد الرائحة الشهية، أضيفوا الكتير من الطماطم، مفروماً ومقطعاً دوائر أو شرائح أو مكعبات، وأريقوا عليه الكتير من الماء. وأضيفوا كذلك، إن شئتم، شرائح رقيقة من الليمون. والكثير من الشمار. شمارِكم، وليس شمار غيركم. فشماركم كمونُ غيركم، وكمون غيركم شماركم. واتركوا الصينية قليلاً على النار. دعوها على النار حتى تفور. وقبيل أن تنضج أنقلوها بهدوء إلى الفرن. لا تأكلوها الآن فهي لم تنضج بعد. اصبروا عليها، ودعوها في الفرن حتى تنضج، ولا تخافوا، فلن تحترق، بفضل الله، وبفضل مائها الكثير وطماطمهما الأحمر اللذيذ.
سوف تعجبكم صينية البطاطس. كلوها هنيئاً مريئا بخبز تصنعونه في البيت. بنار الفرن نفسه. خبزِ قمحٍ أسمر. الخبزُ الأسمر أفضل من الخبز الأبيض. الخبز الأبيض غير صحي. الخبز الأبيض مثل السكر الأبيض. هذه كلها حكم هذا الزمان، ويجب كتابتها على جميع "الرقشات" في العاصمة والأقاليم. ويجب ترديدها في خطب الجمعة. وفي صلب الأحاديث السياسية. والخطط الاقتصادية. لكن انشغال الإعلام وأجهزته وأهله، والدولة كلها، بأشياء أخرى حرمكم، يا أهلنا الطيبين، من الكثير من المعلومات الأساسية في الثقافة الغذائية. حتى وزارة الصحة لا تتصرف وكأنها تعي أن الوقاية خير من العلاج. ولا يبدو أن رئيس الوزراء، إنْ وجد، يدرك أن العلاج يبدأ من وزارة التموين. دور وزارة الصحة، ووزارة التموين، ووازرة الأوقاف هو أن يعرف كل مواطن، في المليون ميل مربع، أن كل إنتاج السكر لا حاجة لنا به، وكل ما ننتجه ونأكله/نشربه من السكر المصنّع إنما هو ضررٌ وضرارٌ.
من واجب الإعلام والوزارات الكثيرة تعليم الناس أمور دنياهم وإصلاحها.
كما ذكرنا من قبل، عمل صينية البطاطس بدون لحم لا يخطر بسهولة على أذهان الناس. والسبب بسيط، وهو أن الإنسان لا يفكر في الأكل إلا عندما يجوع. وعندما يجوع لا يتذكر إلا الأكلات اللذيذة المخزونة في دماغه. وصينية البطاطس المسكينة لا توجد في مخازننا الدماغية. مخازننا الدماغية مملوءة باللحوم والشواءات والملاحات والتقليات. وحتى البوش حديثاً والسخينة قديماً. والطريف أن كلمة "ملاح" تشتمل على كل حروف كلمة لحم. وذلك دليل على العلاقة الوثيقة بين الاثنين. لذلك لا يوجد في خيالنا ملاح بلا لحم، اللهم إلا قليلاً، وعلى الهامش.
صينية البطاطس، على سبيل المثال لا الحصر، هي الحل، هي البديل، حين يتعذر الحصول على اللحم.
وبعد صينية البطاطس سوف تكتشفون صينية الكوسة. وهي بنفس المقادير وبنفس الطريقة تقريباً. لكن أكثروا دائماً من الطماطم حين يكون رخيصاً، واهربوا منه حين يغلو ويعلو ويتجبر.
لكن لماذا فقط صينية الكوسة؟! أبدعوا، يا أهلنا الطيبين، واكتشفوا أيضاً صينية البامبي.
نعم صينية البامبي، أو البطاطس الحلوة كما يسميها قوم آخرون.
ثم تعالوا لتصلوا إلى قمة الإبداع: صينية البامية! وما أدراك ما البامية!
وحين تنكسر ماسورة الإبداع في في أحياء مدننا ستظهر عندنا صينية القرع، أو صينية اليقطين، إنْ أردنا اسماً للجذب السياحي. وعند ذلك سوف تتوطن ثقافة الصواني، وسوف تأخذ مكانها جنباً إلى جنب مع ثقافة الملاحات، وسوف تتأثر هذه الأخيرة، فلا تعود تشتمل بالضرورة على اللحم.
سوف تتعدد خياراتنا: ملاحاتنا وصوانينا، بلحم وبدون لحم.
وحين تتعدد الخيارات نستطيع أن نتجاوز اللحم حين يغلو ويعلو علوا كبيراً.
من المؤكد أن تجاوز اللحم سوف يكون عملا إبداعياً مرغوباً فيه؛
عملاً يكاد أن يكون وطنياً؛
ويزيد عليه في الأهمية تجاوز السكر؛
فتجاوز السكر عملٌ يكادُ أن نؤجرعليه!
قليلون منا يعرفون أن إدمان السكر أشد من ادمان التبغ وخطره أشد من خطره.
كل مصانع السكر لدينا إنما هي في الحقيقة آلات ضخمة لهدم صحتنا واقتصاد بيوتنا.
السكر يتهددنا كلنا، والتدخين يتهدد بعضنا.
ويمكننا كذلك تجاوز الدقيق الأبيض. وقليلون منا يعرفون أن صناعة خبزك في بيتك من قمحٍ مطحون في طاحونة حيك أفضل لصحتك وأرخص لجيبك من أعتى أنواع الخبز الأبيض "الفاخر" – نعوذ بالله من الفخر.
سوف تساعدنا سعة الخيال في هذا التجاوز.
وفي طريق تجاوزنا لأكل اللحم كل يوم؛
وتجاوزنا لأكل السكر الأبيض وشربه؛
وتجاوزنا للفتنة بالدقيق الأبيض؛
سوف نكتسب قدرة عظيمة على التجاوز.
قدر على تجاوز ركام كثيف لا بد لنا من تجاوزه.
سوف نكتسب تلك القدرة العظيمة،
قدرة عظيمة لا يهبها إلا الله سبحانه للراغبين في التجاوز.
قدرة على تجاوز كل الركام،
وتجاوز حتى النظام،
تجاوز الرّجِّيم،
تجاوز كل الأرْجِمة مجتمعةً.

[email protected]



تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1644

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1455121 [جمال علي]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2016 09:59 PM
مقابل كلمة شمار في الإنجليزية هو Cumen ويحرفها البعض في الجزيرة العربية و يقولون كمون.
و كمون تختلف عن كمونية. و قيل أنها تحريف لعبارة : Come on near
قيل أن أحشاء الذبيح كانت تباع سرآ لمنع الإنجليز بيعها و أكلها خوف من إنتقل المرض,فكان يقول الجزار هذه العبارة للمشتري,ثم تحرفت بمرور الأيام و صارت إسمآ لهذه الأكلة اللذيذة التي يشتهر بها السودانيين.

[جمال علي]

#1455068 [nadus]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2016 06:58 PM
ياجماعة قولوا بسم الله .. كيلو البطاطس بى كم والطاطم والفلفلية والشطة والتوم والزيت والبصل ................. بعدين الفرن نسيتو الكهرباء ...والرغيف.. تتشهوا ساكت ... والله فى ناس حق (العجور) ما عندها ...
بالهنا انشاء الله تنفعكم حلة البطاطس ..
بس اعملوا حسابكم ماتكون اسرائيلية ..

[nadus]

#1454587 [لبني]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2016 01:14 AM
شهيتني حله البطاطس يمكن عيالي يأكلوها انا غايتو كباب زمان داك ممكن تشيل منو لقمتين. علي كلامك انا أغنيه اسع ما يعرف اعمل الملاح بدون لحمه مع انو ما بناكل لحمه الملاح !!! ولا علي كلام اخو لمن سكن معرالعزابه قال بيعرف يعمل يهينه لانو أمي زمان لمن نزهج من الطبيخ تقوم تشتري كيلين لحمه وتعمل لينا سخينه للتغير!!!

[لبني]

#1454564 [عادل حمد]
0.00/5 (0 صوت)

05-02-2016 11:28 PM
مقال في غاية الأهمية . يشكر عليه كاتبه كثيراً .. يكفيه فهماً أنه قد ادرك أن الكتابة يمكن أن تتعدى التحول الديمقراطي او الهوية أو أو , إلى مناحي اخري لا ترتبط بالسياسة , و لا تقل أهمية عنها , بل قد تفوقها .. جزيل الشكر على هذا المقال القيم ..

[عادل حمد]

الريح عبد القادر محمد عثمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة