المقالات
منوعات
مرارات الماضي
مرارات الماضي
05-10-2016 03:35 AM


«ألا تفتقدني»؟ «بلى، يا أماندا». «أكثيراً»؟ «لا أدري». «سأحضر لأراك».» ولكن...». «ولكن، ماذا»؟ «أنا مشغول الآن». «أفي الأمر فتاة أخرى»؟ «أبداً». «سأحضر إذن». «سأنهي المكالمة». «كما تشاء، يا صلاح». ويده لا تزال موضوعة على سماعة الهاتف المغلق، فكر:»أي حزن حمل صوتها».

وافق ذلك عصر اليوم السادس من عطلة سنوية. منذ اليوم الأول، أخذ البعد من مشاق العمل يسمم حياته، بذكريات صدها، على نحو كثيف وضاغط، وقد ظنّ طوال أشهر أنّه طوى صفحتها، من دون رجعة. كان يتناول أكواب القهوة المُرَّة نهاراً، يُغرق نفسَه في قراءة الكتب، يشرب ليلاً. بدأت الشقة تتحول في الأثناء إلى مقلب للقمامة. الأواني الملطخة ببقايا الطعام وصلت حتى إلى داخل الحمام. أعقاب السجائر المطفأة ملقاة كيفما اتفق هنا وهناك. قشور البصل تتناثر على أرضية الصالة إلى جانب نفايات أخرى. الملابس المتسخة تتكوم أينما وقع البصر. في مثل تلك الأحوال، كان صوتُها آخر ما يرغب في سماعه.

بحلول الثامنة مساء، هاتفته لأكثر من تسع مرات. كان يترك الجرس يرن، إلى أن يسمعها، وهي تترك رسالة قلقة أخرى، على جهاز الرد الآلي. كانت لحيرته تقول عند كل رسالة «أعلم أنك هناك. فأجبني». بعيد التاسعة، أخذتْ تهب ريح عاتية. كان البرق يومض. المطر يتساقط، ويتوقف ليتساقط. في نحو التاسعة والنصف، تناهى طَرق. نهض من مجلسه داخل الصالة بتثاقل. فتح الباب. وجدها تقف قبالته: مبتلة، في يدها حقيبة، ومن داخل عينيها، أخذ يومض فرحٌ غامض ومربك. انفصلتْ ببطء عن عناقه. أغلق الباب وهو يكافح فكرة ضعفه المطلق أمامها. أدارته من كتفيه باتجاه المطبخ والصالة. كذلك بدا كالمنوّم. قالت «لا تلتفت». كانا لا يزالان يقفان داخل الطُرقة، وقد لاح وراءهما باب الحمام المشرع، عندما أخذتْ لصدمته تنضّ ملابسها وترمي بها أمام ناظريه قطعة فقطعة، وهي ما تنفك تردد «حذار، لا تلتفت». حين رأى تلك القطعة أدرك لضياعه أنها تقف وراءه عارية تماماً.

كانت أطرافه ترتعش، قلبه يدق بشدة، وهو يقوم بتسوية الفراش، على عجل، قبل أن يلحق بها في الحمام. الشيطان وحده يعلم كيف تحلحل من قيد ملابسه. هناك، بدت مرحة، طيّعة، مفعمة بالرغبة، حتى وهي تصدَّ غارات يده المراوغة أسفل مياه الدش. لم ينتبه إلى مقدار ما حاق به من تعب، إلى أن رآها أخيراً، وهي تستلقي، على السرير، مثل حلم يتحقق. البرق (لا يزال) يومض وراء النوافذ العارية من ستارة. كيانها يضئ بنور ذاته. لا يدري إن كان مصدر الضوء الروحُ لحظة صفاء أم شدة بياضها الحليبي الذي لا يُحتمل. بدأ يلاطفها... لم تبعثه من موته حتى ذكريات الحرمان. كما يتهدم حائط، هوى إلى جانبها. «مجرد إرهاق، يا صلاح». سمعها، وهو لا يكاد يقوى على تحريك عينيه الشاخصتين داخل العتمة كعينيّ غريق.

سأله في الصباح عن تاريخ العائلة المرضي. كشف على قلبه، ضاغطاً على شريان يده اليسرى. ثم بتلك السلطة التاريخية، طلب منه أن يسحب سرواله إلى أسفل قليلاً، حيث تابع تمرير يده خطفاً على طول المنطقة الواصلة ما بين الساق والحوض، فأجفل. قال «لا عليك. ذلك أمر يحدث أحياناً للرجال، في مثل سنّك». أدهشه أنّه يتقدم في العمر. سألته وهي تراه يفتح باب الشقة: «ماذا قال الطبيب؟». لم يفته وهو يدفع بها نحو السرير ملاحظة أنها قامت بتقليب الشقة في غيابه، وقد بدا كل شيء نظيفاً، حانياً، مرتباً بعناية، وممهوراً بلمسة الأنثى.

على ضوء الظهيرة، واصلا الرقاد على جنبيهما، واضعين رأسيهما على راحتيهما، ناظرين إلى بعضهما عبر ذلك القرب، إلى أن رآها، وهي تتجمع داخل محجر عين واحدة، تنحدر نحو كفها، قبل أن تنزلق سريعاً صوب الفراش المعجون بتقلبات الحبّ، بلا صوت. لعلها أدركتْ مدى ما أحدثته دموعُها في داخله، لحظة أن مدتْ يدها ماسحة على رأسه، وقد ضحكتْ فجأة، وهي تقول باستنكار غمره غنج: «صلاح؟ إنها دموع الغبطة».

استيقظ مع الغروب. مدَّ يده. أخذ يتحسس مكانها على الجانب الآخر من الفراش. بدا بارداً. لا بد أنها نهضتْ من النوم منذ فترة. ما لبث أن تناهى صوتها، من ناحية المطبخ، وهو يدندن بإحدى أغاني تلك الأيام العابرة: «أميركا تحبّ الراب الذي يغنيه رجال العصابات».

في اتجاه الحمام، بعد الخطى القصيرة الأولى داخل غرفة النوم الواسعة، بدأ يحسّ وكأن شيئاً طرأ على مشيته، وقد أخذ إحساسه بالأرض ينمو ويتضاعف، إحساس ريشة في طريق التحول إلى شيء راسخ وباق. كما لو أنّه ظلّ يمشي قبلها لسنوات طويلة خارج قانون الجاذبية. هكذا، شرع يلف حول السرير، من دون أي هدف، سوى التمتع بملمس الأرض أسفل قدميه الحافيتين.



عن الحياة اللندنية
[email protected]



تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1787

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1458756 [عبدالحميد البرنس]
0.00/5 (0 صوت)

05-10-2016 08:41 PM
وأنا أقرأ تعليق أديبنا الكبير المشجع، وكانت قد تجاوزت الثانية بعد منتصف ليل هذه الحاضرة الأسترالية، خطر لي أن الوقت قد حان لأشكر الله أكثر على تتويج فاق أحلامي ولا أستحقه من طرف هكذا مبدع في مقام مدرسة. كذلك عميق امتناني موصول للناقد الكبير عن حق: سوداني. وهنا، أشكر العزيز السارد الجميل الطاهر الطاهر لتوقفه في أحد المواقع عند نصيّ المتواضع: وتواصل الرنين ثانية. ولكل من شارك في بوست الطاهر ناقدا وموجها كالعزيز أسامة الخواض الذي أفادتني فيوضه هناك بصدد التفريق ما بين لغتي السرد والشعر. ودمتم

[عبدالحميد البرنس]

#1458686 [محمدالمكيتبراهيم]
5.00/5 (1 صوت)

05-10-2016 05:49 PM
كتابة راقية تخلق فضاءا محددا وتطلف خيالنا في اطاره وترعبنا بمساحة الحرية الواسعة والمقيدة بذات الوقت بقيود حريريةنسجها الكاتب القدير لتقودنا في مسالك ارادها-اقول مسالك بصيغة الجمع لان المشهد يوحي بعدد من العقد والنهايات لايمكن القطع بها ولا اريد ان اعددها حماية لحرية القاريء التالي في الاختيار .
عمل رائع من انضج ما رسمت الريشة السزدانية

[محمدالمكيتبراهيم]

#1458542 [سوداني]
5.00/5 (1 صوت)

05-10-2016 01:04 PM
هذا سرد حريف مقتدر! ومثال (سيفيد قطعا المبتدئين في مجال كتابة القصة القصيرة) في فن تكثيف اللحظة لحد جعلها بصلابة ونقاء الماس. فنحن لا نعلم ماذا كان قبل < ﻻ ﺗﻔﺘﻘﺪﻧﻲ> ولا ما سيأتي بعد < ﺳﻮﻯ ﺍﻟﺘﻤﺘﻊ ﺑﻤﻠﻤﺲ ﺍﻷﺭﺽ ﺃﺳﻔﻞ ﻗﺪﻣﻴﻪ ﺍﻟﺤﺎﻓﻴﺘﻴﻦ>، ولكن ذلك لا يقلل البتة من انهماكنا في حاضر هذه القصة لقوة الجذب الداخلية فيها من فرط كثافتها.

فشكرا ل ﻋﺒﺪﺍﻟﺤﻤﻴﺪ ﺍﻟﺒﺮﻧﺲ لاتحافنا بها، ونعشم في المزيد.

[سوداني]

عبدالحميد البرنس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة