المقالات
السياسة
منتدى شروق .. قوة الشفافية وضعف المساءلة (6-7)
منتدى شروق .. قوة الشفافية وضعف المساءلة (6-7)
05-11-2016 02:42 PM

حصار المنتدى بين الثقافة والسياسة

للثقافة تعريفات كثيرة ، لن نعمل على حصرها في هذا المقام ، أحد أشهرها هو تعريف تايلور "الثقافة هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع" . ولم يعرّف قانون الجماعات الثقافية القومية لسنة 1996م "الثقافة" وإنما عرّف "الأنشطة الثقافية" بأنها تشمل كل الأنشطة الإبداعية في مجالات الفنون والإبداع و"الثقافة" ، وتمثل عبارة "الثقافة تقود الحياة" شعارا لوزارة الثقافة ، وهذه الحياة تتخللها السياسة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها . ويمكننا أن نعرف الأنشطة الثقافية من واقع أهداف منتدى شروق الثقافي بأنها الأنشطة التي تؤدي إلى رفع الوعي الذي يفضي إلى مقاومة العنصرية والجهوية ، وتدعيم الروابط الاجتماعية ، واستلهام قيم الأديان ، خدمة للمجتمع ، وصيانة لحقوق الإنسان ، وبناء للديمقراطية وترقية المسرح والآداب والفنون والموسيقى .

وزارة الثقافة حزبية أم أمنية ؟

منذ الاستقلال لم يصدر سوى قانونين بخصوص العمل الثقافي : قانون الجمعيات لسنة 1957 ، ثم (قانون تنظيم نشاط الجمعيات الثقافية القومية لسنة 1996م) الحالي ، والذي صدر بموجب المرسوم الدستوري الخامس لسنة 1991 . إن قانون تنظيم نشاط الجمعيات الثقافية القومية لسنة 1996 ، هو قانون قومي وليس ولائي ، ولم يوجد نظيره الولائي منذ ذلك الوقت وحتى الآن ، مما يدلل على هامشية الثقافة بولاية القضارف . وقد حكم السودان دستوران بعده : دستور 1998 ، ثم دستور 2005 ، ولا يزال هو القانون الساري مما يدلل على هامشية الثقافة في تفكير القائمين على أمر الدولة في السودان ككل . وأن أي قانون جديد يصدر في ظل الواقع المعاش سيكون أسوأ من القانون الحالي .

ورغم أن المادة 4 الفقرة (1) اشترطت على كل جماعة ترغب في التسجيل ب"أن يكون لها مقر ثابت" إلا أن السلطات (جهاز الأمن + معتمد بلدية القضارف + إدارة الثقافة) منعت منتدى شروق ـ مع سبق الإصرار والترصد ـ من الإيفاء بهذا الشرط ، بإغلاقها لمقرين استئجرهما منتدى شروق ، مما يعد خرقا صريحا للقانون . إنّ المادة الوحيدة التي خولت إغلاق الدار هي المادة 22 وذلك في حالة عدم التسجيل .

ونصت المادة 21 على أنه يعتبر مرتبكا لمخالفة كل جماعة مسجلة تخالف "(أولا) أحكام هذا القانون ، أو (ثانيا) اللوائح ، أو (ثالثا) القرارات الصادرة بموجب أحكام هذا القانون أو اللوائح ، أو (رابعا) نظامها الأساسي" . فقد ظل منتدى شروق على الدوام يدعو لسيادة حكم القانون ، بعكس إدارة الثقافة التي لا تحرص على ذلك ، وإن تحركت بنوايا حسنة فهي ترتكب الأخطاء لحرصها على إرضاء جهاز الأمن الذي أضحى يتدخل في شئونها بصورة سافرة . ونصت المادة 15 على لجنة الأنشطة الثقافية التي مهمتها "دراسة وتقييم الأنشطة الثقافية" والتي لم نر لها عملا قط .

وسبق أن جمد مدير عام الوزارة ـ التي يتغير اسمها من وقت لآخر ـ نشاط منتدى شروق الثقافي بعد يومين من تدخل جهاز الأمن الذي منع ندوة (الآثار الاقتصادية لانفصال الجنوب) مما يكشف أن الوزارة ليست أكثر من تابع لجهاز الأمن ، وإذا علمنا أن أمين أمانة الثقافة والإعلام بالمؤتمر الوطني استنكر قرار الإيقاف(1) ، فإنّ هذا يعني أن قرار الإيقاف ـ غير المستند على القانون ـ قرار أمني أو قرار شلة حزبية في أحسن الأحوال . إما إغلاق المقر فنفذته قوة من جهاز الأمن بقرار شفهي من المعتمد الذي ذهب غير مأسوف عليه . وبعد كل ذلك يتمشدقون بترويج أقاويل في شكل اتهامات بأن تم تسييس منتدى شروق ! ولسان حال شروق يقول "رمتني بدائها وانسلت"!! .

شروق ثقافي وليس حزبي :

كانت أول فعالية يقدمها المنتدى عنوانها (قراءة في الخطاب السياسي السوداني) بتاريخ 2/6/2007 ، ومن خلال ال99 فعالية الأولى قدم المنتدى 22 فعالية سياسية(2) ، مثل سلسلة الطريق إلى انتخابات نزيهة ، وهذا يمثل 22% من الأنشطة التي تمت وقتئذ . وقد خط مدير إدارة الثقافة بيده عددا من الخلفيات القماشية للأنشطة السياسية للمنتدى ، ولم يجد حرجا في ذلك ، بل ونفذها تطوعا خدمة للمنتدى .

وردت كلمة "السياسي" مرّة واحدة في النظام الأساسي حيث نصّت أول جملة في ديباجته على (من أجل أن تكون القضارف بوتقة يصوغها كل ألوان الطيف الثقافي والفكري والسياسي) ، أما في اللائحة الداخلية فقد وردت كلمة "سياسية" سبع مرات في الباب الأول وفي الفقرات الأربع الأول تحديدا .

نصت الفقرة الأولى من اللائحة الداخلية على (ولا يجوز استغلال اسم المنتدى وممتلكاته لأغراض شخصية أو جهوية أو سياسية تخدم مصالح أفراد بعينهم) هذا يعني أن المنتدى لن يسمح بتوظيف اسمه وممتلكاته لمصلحة الأحزاب السياسية أو أي قوى سياسية أخرى ، ونصت الفقرة الثانية على (منتدى شروق منتدى ثقافي يحترم كل الثقافات والأديان ويؤمن بتعدد الاتجاهات الفكرية والسياسية لأعضائه ولا يجوز ممارسة الأنشطة السياسية الضيقة داخل المنتدى ) ولكن لم تفسّر اللائحة معنى "الأنشطة السياسية الضيقة" ، ويمكننا أن نفهم أنها الأنشطة التي تعمل على تجيير المنتدى لمصلحة جهة سياسية معينة باستغلال اسمه أو ممتلكاته . ونصت الفقرة الثالثة في اللائحة (يجوز للمنتدى تلبية الدعوات التي تقدم من الجهات السياسية قبل وقت كاف وتكون المشاركة ، أو الخطاب ، الذي يقدم مكتوبا ومجازا من قبل المكتب التنفيذي) وقد جوزت الفقرة ، ولم تلزم ، تلبية الدعوة من جهة سياسية ما ، ولكنها اشترطت الوقت الكافي وإجازة مشاركة مكتوبة حال وجودها ؛ وهذه الفقرة تمت إضافتها في أعقاب دعوة تلقاها المنتدى من الحزب الاتحادي الديمقراطي المسجّل كما سبق ذكره . وأكدت الفقرة الرابعة على الحق البديهي لأعضاء المنتدى بنصها (أعضاء المنتدى لهم حق المشاركة والتعبير والممارسة في المحافل والمشاركات السياسية وغير السياسية كأفراد من دون ذكر اسم المنتدى أو استخدام ممتلكاته) وأكدت مجددا على عدم استغلال اسم أو ممتلكات المنتدى .

ويبدو أن المنتدى من تجربته العملية ـ المعبر عنها في اللائحة الداخلية ـ قد توصل إلى أنه لا يتجنب "السياسة" بمعنى تناول القضايا السياسية المباشرة وغير المباشرة كقضايا الديمقراطية والانتخابات وحقوق الإنسان ، وإنما يتجنب "التحزيب" بأن يكون مطية أو واجهة لأي حزب أو قوى سياسية . وبذلك يكون المنتدى قد وقى نفسه من أحد أعراض مرض نشاط منظمات المجتمع المدني ـ حسب كمال الجزولي ـ الذي "يتمـثَّل في بعـض الأوهـام التي ما تنفكُّ تعشعـش في أذهان الكـثير مـن النُّشـطاء، وأخطـرهـا طـرَّاً تعـريـف "منظـمـة المجـتمـع المدني" ككـيان "غـير سياسـي ، بينما المقصود أنها كيان "غير حزبي ، والفرق، يقيناً، جدُّ شاسع!(3) .

ولكن هذا لا يعني الإطمئنان المودي إلى الغفلة ، فقد حدث في اجتماع الجمعية العمومية ، مارس 2008 بدار المعلمين ، تحشيد من جهة سياسية محسوبة على السلطة بغرض التأثير على سير الاجتماع . ورغم أن منتدى شروق حسب نظامه الأساسي يسعى لأن تتضمن عضويته (كل ألوان الطيف الثقافي والفكري والسياسي) بمعنى أن المنتدى يرغب في التنوع السياسي بداخله ، إلا أن بعض المغرضين قد يسعون للعزف على وتر الخلاف السياسي والتنافس الفارغ ، لخلق الصراع داخل المنتدى وإصابة نسيج المنتدى في الصميم ، مستغلين سهولة إنسياق البعض وراء نعرات كهذي .

يحتاج المنتدى لتحسين حالة التكيف مع الحصار المضروب بتجويد أنشطته وتوثيقها ونشرها عبر وسائل الميديا الحديثة ، لتتسع دائرة الحضور عبر المكان والزمان ، وهذا بدوره سيجوّد الأداء ويسهّل استقطاب العارفين والمبدعين للمنبر المُشاهد ، لتتسع دائرة المشاهدة أكثر ، وهكذا دواليك . كما أن تطوير مجلة اللافتة ، كمنبر إضافي متحرك ، يصل إلى القرّاء في أماكنهم ، سيسهم في كسر حلقة الحصار . وينبغي أن يعمل المنتدى على استعادة الكوادر الفاعلة التي ابتعدت ، أو أُبعدت ؛ ويعمل على استقطاب عناصر جديدة جيدة ، لإيقاف التناقص المطرد في أعضاء الجمعية العمومية . ويمكن مناهضة الإشكالات في هذا المنحى ب:

1/ مواصلة التأكيد على حقيقة شمولية مفهوم "الثقافة" وأنه يتضمن "السياسة" وتنظيم الأنشطة في هذا المنحى دون وجل كما كان منذ نشأة المنتدى .

2/ النأي بالمنتدى عن التحزيب ، والتصدي بحزم وصرامة لأي جهة سياسية ـ مناصرة للحكومة أو معارضة لها ـ تسعى لتجيير المنتدى لأجندتها الخاصة .

3/ رفض قبول الدعم المادي من الأحزاب ـ إن وجد ـ والسماح بإقامة نشاط المنتدى في دورها (بموافقتها) إذا دعت الضرورة .

4/ كفالة حرية التعبير داخل المنتدى إلى حدها الأقصى ، مع ضرورة الفصل القاطع بين آراء الأعضاء الخاصة ورأي المنتدى ، وأن يقوم ممثل المنتدى أثناء الفعالية المعينة بإزالة أي خلط أو تشويش أو سوء فهم قد يطرأ .

5/ العمل على إكساب الأعضاء عادة ممارسة نقد الآخرين ، وتقبل النقد من الآخرين ، بل والنقد الذاتي .

6/ محاربة الغواصات الأمنية التي تحاول اختلاق عراك حزبي لا محل له في منتدى شروق . مع العلم أن جهاز الأمن يسعى إلى تحجيم المنتدى ، بإغلاق المقر ، ومصادرة الممتلكات ، وبالتخويف ، والتخذيل والتغويص ، والتوريط ، والابتزاز ، والتشكيك . وينبغي تقديم الوقائع والشواهد التي تدلل على احتمال تورط أحدهم ـ كتابة ـ إلى اللجنة التنفيذية ، وهذه هي الحالة المثلى لمقاومة التغويص ، بدلا من استهوان الأمر وغض الطرف مما يندرج في خانة السذاجة ، أو تقديم الاتهامات الجزافية المجانية وفقا للحالة المزاجية بغضا واستلطافا .

وفي كل الأحوال ينبغي ألا تتأثر الشفافية والمساءلة سلبا بتدخل جهاز الأمن ، بل العكس لأن مصدر قوة المنتدى هو أخلاقيته .

مراجع:

(1) صحيفة الحرة 10/11/2010

(2) إبراهيم علي أبكر ، ويحي هارون ، تقييم تجربة منتدى شروق ، دراسة تم تقديمها في منتدى شروق الثقافي بتاريخ 6/2/2010

(3) كمال الجزولي ، الجرحُ والقَوْس: منظمات المجتمع المدني والفضاء المعنوي للتغيير .. http://www.d-a.org.uk/opinion/kgizouli/essays.htm


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1005

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




جعفر خضر
جعفر خضر

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة