المقالات
السياسة
الحزب الشيوعي.. أي التيارات يسعى لتصفيته الحلقة السادسة والعشرون.. العدو الكامن
الحزب الشيوعي.. أي التيارات يسعى لتصفيته الحلقة السادسة والعشرون.. العدو الكامن
05-23-2016 05:51 PM


نسمات باردة بدأت تداعب جسد الحزب الشيوعي، أصبح الحديث ممكناً وبصوت مرتفع، ربما أخيراً اهتدى الكثيرون إلى حقيقة أن الصراع الفكري الحُر خير وأبقى، فصار كل بما لديهم فرحين، يعرضون بضاعتهم في هواء الأسافير الطلق وفي الصحف السيارة والملتقيات وما يذكر فيه اسم الحزب، وما يكتبون، كان الحديث محرماً خارج القنوات الحزبية، ولا شيء يمر إلا عبر المواعين الحزبية، لكن فيما يبدو أن المواعين قد ضاقت تماماً وصارت كأنها قد صممت لخدمة تيار معين، وبعد أن كان الرفاق يؤدون صلاتهم سراً، الآن انتقل الكثير منهم إلى صلاة العلن باحثين عن مخرج وعن إجابة عن سؤال "ما العمل"؟.
تحقيق: علاء الدين محمود
أتينا في الحلقة الماضية على ذكر دور المخابرات الدولية وعملاءها في الداخل في السعي نحو تصفية الحزب الشيوعي عبر تصفية قياداتها السياسية والعسكرية في عام 1971م، والحقيقة أن المخابرات الأجنبية أو الإمبريالية العالمية استطاعت أن تخترق باكرا الحزب الشيوعي على مستوى قيادته، وبرع ممثليها أو عملاؤها داخل الحزب في تخريب الحياة الحزبية، عبر أساليب مجربة مثل جر الحزب نحو الانقسامات، والتكتلات، وفبركة الوقائع، وتجميد العضوية، وفصلها ـ وهذا جرى في تاريخ الحزب الشيوعي ـ في الوقت الذي تظن فيه العضوية العادية في الفروع والهيئات أن قيادة الحزب في تمام وحدتها وقوتها وأن قيادتها على قلب واحد، وفكر واحد ويتطور هذا الظن إلى درجة التقديس، تم تقديس الأشخاص من القيادات، وهذه العملية ما زالت مستمرة ففي اللحظة التي تنتقد فيها قيادي ما من قيادات الحزب فأنت ستتهم بالعداء لكل الحزب، ولعل ذلك من اثار الستالينية أن يختزل الحزب في أشخاص هم القيادة، ثم تختزل القيادة في شخص هو سكرتير الحزب، بالتالي يصبحون أشخاص مقدسون فوق النقد، بالتالي فإن الإنتماء لا يكون للفكرة إنما لهؤلاء الأشخاص الذين يصبحون هم الحزب، وهذا من أسباب فساد الحياة الحزبية، والمطلوب أن يعرف الشيوعيون أن حزبهم يعيش أزمة حقيقية تتطلب مواجهة جادة، تعيد الحزب المختطف.
قصور ذاتي
الشاهد أن ممثلي الاستخبارات الأجنبية داخل الحزب ظلوا موجودين على الدوام، ويتكثف حضورهم في مشهد الحزب، عند اللحظات الكبرى، والمنعطفات الهامة في تاريخ الحزب، وهذا الدور التخريبي الذي مارسوه كان من أهم أسباب القصور الذاتي للحزب الشيوعي، ومن أهم هذا المنعطفات الموقف من ثورة أكتوبر، والموقف من انقلاب الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري في 25 مايو 1969م، والموقف كذلك من ما عرف في أدبيات الحزب الشيوعي بالثورة التصحيحية في عام 1971م والتي شكلت بكل المقاييس كارثة كادت أن تقضي على الحزب تماما، وكان لهولاء العملاء الدور الأبرز، وهم العملاء الذين مازالت بقيتهم تجثم على صدر الحزب على مستوى قيادته، ومازالوا يحاولون جهد إيمانهم السير بالحزب نحو التصفية، أو على الأقل تغيير طبيعة الحزب الشيوعي، ومن خلف هولاء تقف الأجهزة الأمنية، والإستخبارات الدولية.
الأجهزة الخاصة
ومن المعروف أن للحزب الشيوعي أجهزته الخاصة المتمثلة في مكاتب الرقابة والمعلومات والأمن وهي أجهزة تابعة بشكل مباشر لقمة التنظيم، وهي تقوم بتقييم المعلومات، وبالتالي، فإن اختراق تلك المكاتب من قبل الاستخبارات أو الأجهزة الأمنية يعني السيطرة كليا على الحزب، ونشر الفوضى التنظيمية داخله، وهذه العملية تتم عبر بعض القيادات ليكون هدف الاختراق هو إضعاف الحزب وشل مقدرته، وكبح انطلاقه خاصة في لحظة توهج وصعود الحركة الجماهيرية، وهذه العملية من شأنها أن تجعل الحزب بأكمله في حالة دفاع فاقد للبوصلة عاجز عن التفاعل مع الحركة الجماهيرية والإسهام السياسي، وتعمل تلك العناصر من عملاء الاستخبارات والأجهزة الأمنية على إضعاف الحزب عبر تذكية الكوادر الضعيفة للعمل القيادي، والتخلص من القيادات الفاعلة المخلصة، وتشويه سمعة الشيوعيين الشرفاء والمخلصين، وكذلك يعملون بجهد ونشاط شديدين على صناعة المواقف الملتهبة، وتغذية الانقسامات والتناقضات في المواقف، ودفع بعض القيادات للخروج عن الحزب وتقديم استقالاتها، وقد يصل الأمر إلى التصفية الجسدية للقيادات كما حدث في عام 1971م، وكما حدث مع قيادات فاعلة اتهمت بأبشع التهم فاختارت الموت طواعية عن طريق الانتحار.
المخابرات الأمريكية
وليس ضربا من الخيال إن تحدثنا عن دور المخابرات الأمريكية ونشاطها المكثف في محاربة الشيوعية وهو ما سنت له قانونا باعتباره وكما ذكرنا سابقا "نشاطا هداما" فبذلت الأموال الطائلة لقاء محاربة الفكر الشيوعي ـ وهذا أمر متوفرة معلوماته في أدبيات متوفرة، ـ وهو ما يقدح في ديمقراطية الولايات المتحدة الأمريكية ـ غير أن نشاط الولايات المتحدة الاستخباراتي كان قديما في بلدان ما يسمى بالعالم الثالث مع بدايات إنعتاقها من نير الاحتلال، ونيلها لاستقلالها، فكان هدف الولايات المتحدة أن تحل محل الدول الاستعمارية من أجل البحث عن الموارد الطبيعية الغنية غير المستغلة لضيق ذات اليد في تلك البلدان، وكذلك من أجل تجارة السلاح وصناعة الحروب الداخلية في تلك البلدان البكر، وهذا النشاط معروف ودونته كتب ومؤلفات كثيرة، ولقد أتينا على ذكر دور هذه الاستخبارات الأجنبية وتدخلها في حياة أكبر الأحزاب الشيوعية في القارة ـ وإن أبى البعض ـ والحقيقة أن عبد الخالق محجوب قد أطلع على حقيقة دور هذه المخابرات الأجنبية في الحزب الشيوعي السوداني في وقت متأخر، وجاء هذا الاكتشاف تحديدا في العام 1969م، وساعده في ذلك الاكتشاف انقلاب 25 مايو من ذات العام بقيادة الرائد جعفر محمد نميري، وقام عبد الخالق بشرح ذلك الدور وفضحه في حلقة ضيقة، غير أن عبد الخالق أوضح عجز الحزب عن مواجهة خطر نشاط المخابرات الأجنبية تنظيميا، وفي ذلك الوقت كان تغلغل المخابرات الاجنبية قد أعلن عن وجوده بقوة في السياسة العملية وفي اللجنة المركزية عبر اختراقه للآلة الجهنمية للحزب متبعة الوسائل المرسومة لتحقيق هدف التخريب المنظم للحزب وإضعافه، وكان من أكبر أهدافها المرصودة حينها سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب وبعض القيادات السياسية، لذلك عندما نتحدث عن أن عبد الخالق ورفاقه السياسيين والعسكريين قد قضوا كنتيجة مباشرة لهذا المخطط وكنتاج لنشاط اولائك العملاء فذلك ليس ضربا من خيال مجنون، أو مستوحى من نظرية المؤامرة، بل من خلال تتبع تلك الخيوط التي ذكرناها، ومن خلال تجميع الوقائع، ولقد تحدثنا عن أدوار مشبوهة لبعض قيادات الحزب، وعلى رأسهم المسئول التنظيمي حينها وهو دور معروف لم ينته حتى بعد القبض على عبد الخالق وقيادات الحزب، بل وشهد على قيادات الحزب وعلى حرس عبد الخالق محجوب، لذلك دائما ما نكرر أن استشهاد عبد الخالق مازال يحتاج إلى ضوء كثيف يضيء للشيوعيين غموض موته، ويكشف ما حدث في الأيام الأخيرة لقائد الحزب وسكرتيره العام، وهي الأشياء التي مازالت غامضة في تاريخ الحزب.
كتابات عبد الخالق
وعلى الرغم من أن عبد الخالق محجوب قام بتدوين كتابات سياسية عرفت في أدبيات الحزب بوصية عبد الخالق، وهي الكتابات التي دونها عقب فشل حركة 19 يوليو 1971م، وهي التي سلمها عبد الخالق لطه الكد، والذي قام بدوره بتسليمها لقيادة الحزب الشيوعي، وهي الكتابات التي تقر قيادات الحزب بوجودها في تصريحات متوفرة، لكنها لم تفرج عنها حتى الآن رغم قيام المؤتمر الخامس للحزب، وهذه من الأشياء التي أهملها التاريخ الرسمي للحزب.
ممارسة مستمرة
إن ظاهرة الإختراق مازالت مستمرة في الحزب الشيوعي وهو ما أقر به بعض قيادات الحزب مثل سكرتيره محمد الخطيب، الخطيب الذي يأبى أن يبصر النار التي تندلع تحت أقدامه، وهنالك التصريح الأشهر لعضو اللجنة المركزية يوسف حسين الذي أقر بوجود خروقات داخل الحزب الشيوعي في حوار لصحيفة "التيار"، ومازالت نفس الأساليب القديمة مستمرة وهي التي أشرنا إليها سابقا مثل فبركة الوقائع، واختلاق البيانات، وصناعة البلاغات صنعا، ومقاطعة الرفاق سياسيا، وعزلهم اجتماعيا وذلك كله يتم باسم أمن الحزب والحفاظ على جسد الحزب، وخلق حالة من القداسة، بالتالي يصبح الجميع رهبانا عليهم السمع والطاعة، في حالة صماء وعمياء من القدسية، إن ما ساعد على نجاح نشاط المخابرات داخل الحزب الشيوعي تلك المركزية المطلقة والقابضة، والتي قدمت أفضل غطاء لعملاء هذه المخابرات داخل الحزب الشيوعي على مستوى قيادته، وكذلك عدم استيعاب مفهوم تأمين الحزب وأمن الحزب، فكانت قيادة الحزب تقابل الضربات التي يتعرض لها الحزب بمزيد من إجراءات إحكام القبضة بدلا عن إتباع الأساليب الذكية والمرنة في كشف من أين تأتي هذه الضربات، وهذا عينه ما يحقق أهداف أعداء الحزب من عملاء المخابرات والأجهزة الأمنية المندسين داخل قيادة الحزب الشيوعي، بالتالي المزيد من إرادة تخريب الحزب الحياة الفكرية والسياسية في الحزب الشيوعي، وبالتالي تم تسليف عضوية الحزب وعيا زائفا يجرم مناقشة مسألة أمن الحزب، الذي يعتبر من المقدسات، وهو ما يجعل عضو الحزب يظن أن أمر أمن الحزب هو أولا : أمر مقدس ـ خط أحمر ـ، وثانيا: هو خارج صلاحيته، ويتم تعزيز ذلك الأمر بفكرة أن مثل هذه المنقاشان حول قضية أمن الحزب تخدم أعداء الحزب، ومازال هذا الفهم الخاطيء سائدا وسط كثير من عضوية الحزب، بل ونجحت بعض القيادات من استنساخ عضوية من الشباب تحمل ذات أفكارها كما ذكرنا من قبل، على الرغم من أن أمن الحزب نفسه صار في مهب الريح، وصارت الصحف في الخرطوم تنشر المتسرب من وقائع اجتماعات اللجنة المركزية دون نفي من قيادة الحزب، بل وأحيانا تأتي التصريحات مؤيدة لهذه التسريبات، مثلما حدث مع يوسف حسين عندما سئل عن تسريبات صحيفة "الصحافة" فاكتفى بقوله إن هذه الوقائع قديمة! مما يدل على صحتها طالما أنه ثبتها ولم ينكرها أو ينفيها، وفي الأحداث الأخيرة المتعلقة بقضية "الشفيع ـ قطان" كانت الصحف تقوم بنشر اجتماعات اللجنة المركزية التي تصدر في وقت متأخر من المساء، ليجدها القاريء صباحا على صفحات الصحف أو بعضها، وطريقة النقل إلى الصحف بهذه الكيفية معروفة المصادر.
قبضة حديدية
إن من أكبر الأخطاء التي وقع فيها الحزب خاصة بعد عام 1971م، ذلك الاهتمام المتعاظم والمبالغ فيه بالمعلومات والبلاغات، والتي يعز في واقع القبضة الشديدة التأكد من صحتها، أو معرفة ما هو حقيقي منها وماهو مفبرك لأغراض معروفة، ومما فاقم الأزمة أن قيادة الحزب أضاعت فرص كثيرة بغرض مراجعة العمل التنظيمي، وكل تاريخ الحزب الشيوعي، وكشف هذه الأساليب، لقد أقعدت هذه الممارسات بالحزب تماما، شردت كادره المخلص عبر الأساليب الملتوية المعروفة، وأخرت مؤتمره الخامس طويلا الذي لم ينجو نفسه من مبرر أمن الحزب، وعلى الرغم من الحزب عقب انتفاضة أبريل عام 1985م، قرر بحث قضية الشيوعيين خارج الحزب، وكذلك المؤتمر الخامس الذي كرر ذات القرار إلا أن لا جديد يذكر بل قديم ظل يعاد، وهو العودة لذات الأساليب القديمة، التي أضرت بالحزب الشيوعي.
استمرار الاختراقات
بالتالي هذا يؤكد أن عملية الاختراق مازالت مستمرة وموجودة، وصناعة الأزمات كذلك مازالت مستمرة، وهي تأتي أحيانا في شكل غبار كثيف ليغطي على كارثة أكبر، وهنا نشير إلى قضية توقيف عدد من قيادات الحزب وعلى رأسهم الشفيع خضر وحاتم قطان وآخرين، وهي القضية التي أثارت غبارا كثيفا امتلأت بها صفحات الصحف، وهي القضية التي التي كادت أن تغطي على أزمة أكبر ألمت بالحزب الشيوعي، أزمة حيكت تفاصيلها بشكل مذهل وماكر من أجل تصفية الحزب الشيوعي تماما، ومحوه من الحياة السياسية والفكرية، وهو الحزب الذي يعتبر من أكبر بوابات الحداثة في السودان، وهذا ما سنأتي على تفصيله عندما نتناول في مقبل الحلقات قضية "الفلاش الأزرق"، التي كنا قد أثرناها لأول مرة في حوار جمعنا بعلي الكنين المسئول التنظيمي للحزب، بقناة أمدرمان في برنامج "الميدان الشرقي" وكذلك عن معسكر أو مجموعة براغ، ولكن قبلها سنعرض لقضية التكتلات والتهم التي وجهت لبعض قيادات الحزب والسعي المحموم من قبل قيادة الحزب لابعاد هذه القيادات، وعقد مؤتمر على طريقة المؤتمر الخامس الذي ظهر أيضا فيه دور التكتل، وجاء المؤتمر وكأنه قد أعد مسبقا، وكل ذلك سنأتي إليه بالتفصيل
ونواصل
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1506

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1465710 [اليوم الأخير]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2016 12:15 PM
لا أعتقد أن هنالك حزباً واجه ظروفاً تنظيمية و أمنية مثل الحزب الشيوعي السوداني ، سواء اختلفنا معه أم اتفقنا ،
كل المحاولات الإنقسامية طوال تاريخ الحزب باءت بالفشل ،،أين الذين انقسموا منذ الستينات ، البعض اختفى و البعض أنضم للجبهة الإسلامية ( أحمد سليمان الذي اعتقد الناس إنه كان ينادي بالإصلاح ) ،، و يبقى الحزب الشيوعي السوداني
سؤال بسيط : لماذا في هذا الوقت بالتحديد يهتمون بأخبار و إنقسامات الحزب الشيوعي؟هل هم حريصون على الحزب ؟

[اليوم الأخير]

علاء الدين محمود
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة