المقالات
السياسة
مملكة البجة بين الزنافجة والحداربـة إبان الفتح الاسلامي لمصر - 1
مملكة البجة بين الزنافجة والحداربـة إبان الفتح الاسلامي لمصر - 1
05-24-2016 08:52 PM



تناولت في مقالات سابقة بين شهري أغسطس ونوفمبر عام 2013 مقالات عن شعب البلو تعرضت فيها لملكة البلو وظهور القيادات الجديدة في المنطقة، كما تناولت مملكة الدجن والقبائل التي تولت قيادتها بما فيها مرحلة البلو. وبدأت الحديث عن أسلاف البجة فتناولت المِجا والبليميين. وقد اكتملت المادةالموضوع وكونت الفصل الثالث من الجزء الرابع من كتاب "السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية" وتناول الفصل الحديث عن"البجة ووالحداربة وبلي والبلو" والكتاب جاهز للطباعة. وقد أثارت مناقشة مع بعض الاخوان موضوع الحدارب والبلي فأردت أن اشارك القراء الكرام ما جاء فيهذا الفصل عنهم لحين صدور الكتاب.
تحد بلاد البجة شمالا بمنطقة الصحراء الشرقية الممتدة بين الأقصر على النيل في صعيد مصر و البحر الأحمر. يقول ابن سُليم الأسواني (أخبار النوبة، فس مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية ص105): "أول بلد البجة من قرية تعرف بالخربة من معدن الزمرد في صحراء قوص، وبين هذا الموضع وبين قوص ثلاث مراحل" وتقع مدينة قوص إلى الشمال قليلاً من مدينة الأقصر الحالية. ويوضح هذا أن حدود بلاد البجة كانت تمتد في الصحراء شمالاً إلى مناطق أبعد بكثير من امتداد مناطقها الحالية.
وجعل ابن سليم حد البجة الجنوبي بأول بلاد الحبشة حيث قال "وآخر بلاد البجة، أوّل بلاد الحبشة" غير أن الحدود بين بلاد الحبشة وبلاد البجة لا تبدو واضحة المعالم في المصادر العربية، بل لم يرد اتفاق حول تحديدها، فابن سليم مثلا يرى أن ساحل البجة يمتد حتى جزيرة سواكن وباضع ودهلَك.
ذكر الحميري (الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، ج 1 ص 333): "أن باضع تقع عل الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، ج 1 ص 333ى ساحل البجة والحبشة، وجعل ابن حوقل (كتاب صورة الأرض،في مسعد، المكتبة السودانية ص 59) الحدود الجنوبية لبلاد البجة أعالي خور بركة بالقرب من باضع حيث بطون قصعة أما اليعقوبي (تاريخ اليعقوبي،في مسعد، المكتبة السودانية ص 21) فقد ذكر تحت عنوان "مملكة البجة" أن "لهم عدة ممالك" وتتبعها من الشمال إلى الجنوب، فكانت آخر ممالكهم وهي السادسة " مملكة النجاشي ... وساحلهم دهلَك" فالحدود الجنوبية لبلاد البجة تمتد حتى شمال دولة اثيوبيا الحالية.
ويعتبر نقش ميناء عدولي الذي يرجع إلى عهد بطليموس الثالث في القرن الثالث قبل الميلاد من أقدم الآثارالتي ورد فيها اسم البجة. فقد جاء في النقش أن بطليموس أخضع عددا من الشعوب على ساحل البحر الأحمر والمناطق الداخلية ومن بينها البجة. (William Vincent, the Commerce and Navigation of the Ancients in the Indian Ocean. p 533.) ويعني هذا أن شعباً باسم البجة كان ذا قوة في منطقة البجة الحالية أخضعه بطليموس.
وأغلب الظن أن البجة كانوا عائشين في المنطقة ولم يرد اسمهم في المصادر اليونانية والرومانية لأنها لم تتناول أغلب شعوب المنطقة بأسمائهم بل تناولتهم بأنواع غذائهم، ولا بد أن البجة ذكروا ضمن أولئك السكان. وكانت الغلبة في العصرين اليوناني والروماني في بلاد البجة لقبائل البليميين والتروجلودايت، ولذلك غلبت أسماؤهما في تلك المصادر. ويلاحظ أن اسم الترجلودايت لم يعد يظهرفي المصادر البيزنطية في مصر منذ بداية القرن السادس الميلادي مما يشير إلى ظهور فرع جديد من سكان المنطقة حل محلهم في القيادة.
وفي واقع الأمر فإنه في الوقت الذي كان فيه اسما الترجلودايت والبليميين يتردد في المصادر الرومانية كان البجة يواجهون هجمات مملكة أكسوم. فقد شنت مملكة أكسوم عدداً من الغارات على المناطق الواقعة على حدودها الشمالية على ساحل البحر الأحمر وفي المناطق الداخلية ضد البجة والباريا والنوبا من أجل تأمين طرق تجارتها شمالاً. فقد جاء في وثائق الملك الاكسومي كالب أنه شن غارة على البجة وما حولهم في أول القرن السادس الميلادي. (J. Spencer Trimingham, Islam in Ethiopia. P36.)
ويبدو أن مملكة اكسوم في عصر ملكها كالب - كما يرى سلاسي - قد توسعت شمالاً على نهر عطبرة وضمت بعض المناطق شماليه، وتوسعت شمالاًعلى ساحل البحر الأحمر. وكان من بين ألقاب الملك الأكسومي كالب"ملكالبحة والنوبا" (Sergew Hable Sellessie, Ancient abd Medieval Ethiopian History to 1270. p 62-64, 124.) ويعني هذا أن البجة كانوا قد دخلوا تحت سلطة أكسوم.
وهكذا فقد ظل اسم البجة يتردد في تلك المناطق منذ ما قبل القرن الثالث قبل الميلادي وحتى القرن السادس الميلادي. ويلاحظ أن هذا هو الوقت الذي اختفى فيه اسم الترجلودايت. فهل ثار البجة على أكسوم وتحركوا شمالاً؟ يبدو مقبولاً أن يكون ذلك قد تم، وفرض البجة سيادتهم على مناطق الترجلودايت ربما منذ بداية القرن السادس الميلادي. وإذا قبلنا ذلك فيمكن تفسير ظهوراسم البجة المبكر في المصادر العربية.
وجاء أول ذكر للبجة في المصادر العربية عند الواقدي (فتوح الشام. ج 2 ص 227 – 228 وص 243) في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) حيث ذكر أن البيزنطيين استعانوا بملكي البجة والنوبةعندما حاصر المسلمون مدينة البهنسا (Oxernchus) في صعيد مصر. ولبى ملك البجة والنوبة دعوة البيزنطيين وأرسلا الجيوش لمصر.
وذكر الواقدي: "أن ملك البجة مكسوج أتى ومعه 1300 فيل عليها قباب الجلد بصفائح الفولاذ في كل قبة عشَرة من السودان أي عليها 13000 مقاتل" ووصفوا بأنهم "طوال القامة عراة الأجسام، على أكتافهم وأوساطهم جلود النمور وغيرها من الدرق والحراب والكرابيج والقسي والمقاليع والأعمدة الحديدية والطبول والقرون." واستخدام البجة للأفيال في القتال في ذلك الوقت ربما كان فيه إشارة إلى التروجلودويت – أسلاف البجة - الذين كانوا يصدرون الأفيال إلى جيوش البطالمة.
ولم يرد في المصادر العربية الأخرى ما يؤيد رواية الواقدي، ولكن ذكر بوركهارت ونقل عنه بدج أنه وجد في تاريخ مدينة البهنسا ما يشير إلى وصول جيش كبير من البجة والنوباديين بقيادة مكسوج ملك البجة وغالك ملك النوباديين لنجدة المسيحيين. (John Lewis Burckhardt Travels in Nubia, , f.n. 63 p 528; E. A. Wallis Budge, The Egyptian Sudan Vol. 2 184.)
وقد تناولت المصادر العربية البجة بصورة عامة حتى القرن الرابع الهجري (10 م). فورد اسم البجة في القرن السابع الميلادي عندما دخل المسلمون مصر حيث ذكر ابن حوقل (كتاب صورة الأرض ص55) أن "عبد الله بن أبي سرح لما فتح مدينة أسوان وكانت مدينة قديمة أزلية، وكان قد عبر إليها من الحجاز قهر جميع من كان بالصعيد وبها من فراعنة البجة وغيرهم"
وورد أن أول من صالح البجة هو ابن الحبحاب في آخر القرن الأول الهجري (7 م). ولم يدم هذا الصلح، وكانت العلاقات متوترة بين الجانبين مما أدى إلى نشوب الحروب بينهما حتى منتصف القرن الثالث الهجري (9 م).وقد فصلنا الحديث عن تلك الحروب في الفصل السادس من الجزءالثالث من كتاب السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية.
ولم توضح المصادر العربية أسماء قبيلة أو قبائل البجة التي خاضت تلك الحروب، كما لم تتعرض لاسم أو أسماء الممالك التي قادتها. ولكن بعد سنوات قليلة من نهاية تلك الحروب أورد اليعقوبي ت 284 هـ / 897 م في كتابيه التاريخ والبلدان أول تفاصيل عن ممالك وقبائل البجة . وتهمنا هنا المملكة الأولى التي ذكر أنها تجاورالمسلمين وأطلق عليها اسم مملكة نقيس وعاصمتها مدينة هجر ومن سكانها الحداربة والزنافج.
نواصل عنهما في الحلقة التالية
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1608

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1466056 [Al-Saif Albuttar]
0.00/5 (0 صوت)

05-25-2016 07:16 AM
شكرا لك يا عالم مجيد

[Al-Saif Albuttar]

أحمد الياس حسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة