المقالات
السياسة
"رجل" من السودان و"رجل" من السعودية
"رجل" من السودان و"رجل" من السعودية
05-28-2016 04:06 PM

image

أكتب وانا في غاية التأثر بمقال كتبه مثقف سعودي بارز ، وهو الأستاذ / "زياد الدريس" ، المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية لدى اليونسكو ، يرثي فيه الراحل الكبير العالم السوداني د. "محمد صالح زياده" ، الذي استشهد في حادث الطائرة المصرية .. رحمه الله.

تأثرت حقيقة وانا أقرأ مقال الرجل المحترم وهو يعدد محاسن الفقيد الكثيرة ، ويصف الشخصية السودانية ممثلة في المرحوم "زيادة" ، قائلاً : (قلّما تجد سودانياً يكذب أو يتغطرس أو يغش أو ينافق أو يتزلف، على رغم حاجته، كما يفعل كثيرٌ من الشعوب العربية الأخرى) – انتهى حديث المثقف السعودي المحترم - يا الله .. وكأنما الفقيد الكبير يريد ان يغمرنا بعذب فيضه ميتاً بعد ان نهلنا من "سلسبيله" في حياته ، ولا ريب ، فأمثاله من العلماء "ورثة الأنبياء" .. لا يموتون حين يموتون ، بل يتحولوا إلى "صدقة جارية" .. صدقة تجري من فوقنا وتحتنا : تشق الأرض شقا ، وتصب الخير صبا ، فتنبت فيها حُبا ، أدبا وطيبة ، وأخلاقاً وخلقا ، وعلماً ونورا ، وسيرة غُلبا ، متاعاً لنا ، وفخراً لأحفادنا .

اللهم أرحم "محمد صالح زيادة".. وابدله داراً خير من بلاده ، وأرفع مقداره مثلما رفع مقدارنا ، , وأحسن إليه بمثلما أحسن إلينا .. اللهم أرفق بأسرته ، وأجعل الخير والبركة في ذريته ، اللهم بدل أحزانهم فرحاً وسروراً .. اللهم أسكنه في العليين مع الشهداء والنبيين والقديسيين ، وحسن أولئك رفيقا... وإلى المقال :


رجل من السودان

زياد الدريس

الذين لم يسبق لهم أن فقدوا عزيزاً في طائرة غارقة (الطائرة المصرية )، حماهم الله من تجريب هذا النوع من الموت، لن يتخيلوا مشاعر من مَرُّوا بهذه المعاناة.

ما زلت أتخيل محمد زيادة في كرسيه في الطائرة يريد أحداً فقط يساعده على فك حزام المقعد، ولأنه يجيد السباحة فهو سيكمل بقية خطوات النجاة من الأعماق. لم يكن سطحياً أبداً في أطروحاته التي أمتعنا بها في اليونسكو، وحتى في موته لم يكن سطحياً ... كان عميقاً دوماً!

الموت في طائرة غارقة هو أقسى أنواع الموت لأنه أقربها إلى الحياة. تقول زوجتي نقلاً عن زوجة الفقيد إنها ما زال لديها أمل بأنه ربما خرج من إحدى الفجوات التي أحدثها الارتطام وسبح كثيراً كثيراً وهو الذي يجيد السباحة، حتى وصل إلى سطح بحرٍ ما.

أقول لزوجتي: أعانها الله، هذه من تخاريف الصدمة. ثم أبدأ بيني وبين نفسي في تقليب الفكرة «الخرافية» وهل يمكن حدوثها. هل أصابتني تخاريف الصدمة أيضاً؟!

تعرّفت على محمد زيادة منذ عشر سنوات داخل أروقة اليونسكو، حبّبتني فيه الصفات التي حببتني في الأخوة السودانيين عموماً: البساطة، الصدق، التواضع، الكرامة، المعرفة. قلّما تجد سودانياً يكذب أو يتغطرس أو يغش أو ينافق أو يتزلف، على رغم حاجته، كما يفعل كثيرٌ من الشعوب العربية الأخرى.

وجدت في محمد زيادة هذه الأخلاق السودانية المعتادة ... وزيادة.

للذين لم يتعرفوا عليه من قبل، ما كانوا يعرفون حين يرونه في ممرات المنظمة وبجوار القاعات، هل هو سفير أم إداري أم مراسل أم سائق أم خادم؟! لم يعرفوا، لأن الراحل أربكهم بوقفاته المتساوية مع الجميع وبنقاشاته وضحكاته واهتمامه غير الطبقي بمحدّثه.

ما كانوا ليعرفوا أن الدكتور محمد زيادة هو أستاذ، تنقّل خلال أربعين عاماً بين الجامعات والمعاهد الفرنسية، في اختصاص اللغات والترجمة بين العربية والفرنسية والإنكليزية، ثم أصبح منذ عشرين عاماً أحد أعمدة التنوع الثقافي واللغوي في منظمة اليونسكو.

هو المثقف الإفريقي الذي وقف خلف مشروع «تاريخ أفريقيا»، وقد صدرت منه ثمانية مجلدات، ودعت اليونسكو الشهر الماضي إلى الأخذ منه في المناهج الدراسية في دول أفريقيا.

وهو المثقف العربي/ المسلم الذي أشرف على مشروع «جوانب من الثقافة الإسلامية»، حيث صدرت منه ثلاثة مجلدات ضخمة باللغة الإنكليزية، وقد بلغ الفقيد سن التقاعد قبل أن يُكمل عمله فيه، وبعد محاولات غير مقبولة للتمديد له، أعلن هو عن إصراره باستكمال العمل في المشروع على سبيل «التطوع» حتى ينتهي.

لم يغرق محمد زيادة في الصراعات الإيديولوجية المستهلكة للجهد والعمل والإنتاج. دافع عن الثقافة العربية والإسلامية، لكن من دون أن يهاجم أو يعادي أحداً. ومنه، تعلمت كيف يمكن أن تدافع عن نفسك وقيمك من دون أن تهاجم الآخرين.

محمد زيادة لم يغرق في خصومات وعداوات لا تخلو منها المؤسسات والمنظمات كافة.

محمد زيادة لم يغرق في البحر، بل هو مدفونٌ تحت الماء.

له المغفرة ولنا الصبر.

· زياد الدريس ، مندوب السعودية الدائم لدى اليونسكو .





[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 9339

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1468903 [عماد الدين]
0.00/5 (0 صوت)

05-31-2016 08:54 AM
سلامات يامنعم ليك وحشة ومبروك جريدة الحرية لو المعلومة صحيحة . أتمني ليك التوفيق . وربنا يرحم الدكتور محمد صالح زيادة بقدر ماقدم للانسانية من عطاء . اخوك عمادالدين اللازم.

[عماد الدين]

#1467987 [مشاكس]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2016 10:44 AM
رحمة الله عليه فقد افاد بلده حيا وميتا

[مشاكس]

#1467954 [ابوشوارب]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2016 09:35 AM
ربى ان أمثال محمد زيادة والدريس وعبدالمنعم سليمان قد قلت أعدادهم بيننا فزدنا منهم ومن أمثالهم وارحم الجميع برحمتك

[ابوشوارب]

#1467825 [لتسألن]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2016 11:58 PM
اللهم عظم أجره، و ارفع درجته، و احشره في زمرة المقربين، و اجعله من ورثة جنة النعيم، و أحسن عزاء بنيه و أهليه، و الزمهم الصبر الجميل؛ و جزي الله خيرا الكاتب الرجل الدريس الذي عرفنا بالراحل زيادة، و شهد بفضله، و نشكره أن دكرنا - أهل السودان بخير، ذكره الله في خير ملأ.

[لتسألن]

عبدالمنعم سليمان
عبدالمنعم سليمان

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة