المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
السلطة – حلاوة رضاعها و مرارة فطامها
السلطة – حلاوة رضاعها و مرارة فطامها
04-01-2011 08:00 PM

عمود : محور اللقيا

السلطة – حلاوة رضاعها و مرارة فطامها

د. عمر بادي
[email protected]

أجدني مع مجريات الأحداث في الساحة السياسية العربية , أتذكر كثيرا مقولة الصحابي الجليل سلمان الفارسي الذي كان كارها لمنصب الإمارة ( أو الولاية أو الإستوزار ) و زاهدا فيها و عندما سئل عن سبب بغضه للإمارة , قال : ( حلاوة رضاعها و مرارة فطامها ) !
إنتفاضة الشعب التونسي التي هلت في 17/12/2010 كانت فاتحة تسونامي الإنتفاضات و الثورات في العالم العربي , فزلزلت و دكت نظام زين العابدين بن علي الذي ظل يرضع من ثدي السلطة لمدة ثلاثة و عشرين عاما , و تمنع و قاوم مقاومة الطفل الرضيع عند فطامه , و أخيرا ( فهم ) بأن دوام الحال من المحال فأقلع بطائرته التونسية فرارا بجلده و طلبا للجؤ في المنافي . بعد تونس كبرت كرة الثلج المتدحرجة , و هذا المصطلح كنت قد إستعملته منذ مقالاتي الأولى عن الإنتفاضات العربية وقد وردتني تساؤلات عما يكون قصدي به , و الإخوة القراء معذورون في مناطقنا المدارية إن لم يدروا بكرة الثلج Snowball لأنها تكون عادة في المناطق الباردة , و هي عبارة عن ثلج مضغوط كروي الشكل و عندما يتدحرج من أعالي الجبال على الجليد يلتصق به الجليد و هكذا يكبر حجم الكرة مع تدحرجها , و كرة الثلج لعبة يلعبها الصغار و الكبار في المناطق الباردة حيث يدحرجون هم كرة الثلج وسط الجليد و يتبارون في ذلك .
لقد كبرت كرة الثلج المتدحرجة بعد تونس و قذفت بنفسها إلى مصر , و كرر الشباب المصري تجربة التونسيين بداية منذ 25/ 1/ 2011 و أيضا تمنع الرئيس حسني مبارك الذي ظل يرضع من تدي السلطة لمدة ثلاثين عاما و قاوم مقاومة الطفل الرضيع عند فطامه و أخيرا إنحازت قيادة الجيش المصري إلى الشعب المنتفض و أجبرت الرئيس حسني مبارك بالتخلي عن السلطة ! كبرت كرة الثلج أكثر و تدحرجت هذه المرة من جبل ( عوينات ) في إتجاه ليبيا في 17/ 2/2011 و إنتفض الشعب الليبي كالنار في الهشيم , و لكن تمسك العقيد معمر القذافي بالسلطة التي ظل يرضع من ثديها لمدة إثنين و أربعين عاما , و تمنع و قاوم مقاومة الطفل الرضيع عند فطامه , و لا زال يتمنع حتى و لو قضى على نصف شعبه شبرا شبرا و بيتا بيتا و دارا دارا و ( زنقة زنقة ) ! كعقيد ليبيا تماما يفعل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في شعبه ما يفعله في سبيل البقاء في السلطة بعد أن إشتدت الإحتجاجات الشعبية عليه في شهر مارس 2011 , فقد ظل يرضع من ثدي تلك السلطة لمدة ثلاثة و ثلاثين عاما , و تمنع و قاوم مقاومة الطفل الرضيع عند فطامه , و لا زال يتمنع حتى و لو قضى على كل المنتفضين الذين يعتبرهم أقلية و مأجورين و عملاء ! آخر الشعوب المنتفضة على نوعية الحكام أولئك , كان الشعب السوري الذي واجه الآلة الأمنية الضاربة للنظام السوري , و لكنه سار على نفس النهج الشبابي الجديد في نهايات شهر مارس و أيضا كسابقيه تمنع الرئيس بشار الأسد الذي ظل على السلطة مدة أحد عشر عاما , و التي ورثها من أبيه الرئيس حافظ الأسد في منحى غير مسبوق في الأنظمة الجمهورية الشمولية العربية , فكان إمتدادا لحكم والده الذي دام مدة ثلاثين عاما , و ها هو الرئيس بشار الأسد يقاوم مقاومة الطفل الرضيع عند فطامه , و لا زال يقاوم و يبسط في الإصلاحات . الملفت في تجربة الرئيس حافظ الأسد أنها قد صارت مرجعا لتجارب بعدها . مثلا عند إستيلاء البعثيين على السلطة في سوريا في عام 1963 صار الأسد قائدا للقوات الجوية , فقام بالإنقلاب على القيادة القومية لحزب البعث في عام 1966 و على مؤسس الحزب و منظره ميشيل عفلق , و إنقسم حزب البعث إلى حزبين : حزب للقيادة القطرية من سوريا و حزب للقيادة القومية من العراق و إستفحل العداء بين القيادتين . هذا ما فعله الرئيس البشير في عام 1999 حين أنقلب على قيادة حزب الجبهة القومية الإسلامية ( المؤتمر الوطني ) و مؤسسها و منظرها حسن عبد الله الترابي , و بذلك إنقسم المؤتمر الوطني إلى مؤتمر وطني و مؤتمر شعبي . في عام 1970 إنقلب الرئيس حافظ الأسد في حركة تصحيحية على رئيس الجمهورية نور الدين الأتاسي ثم صار رئيسا للجمهورية . هذا ما سعي لفعله الرائد هاشم العطا في حركته التصحيحية في عام 1971 ضد الرئيس جعفر نميري و لكن محاولته أجهضت بعد صمودها لمدة ثلاثة أيام , و من أسباب إجهاضها كان تدخل الرئيس القذافي و استولائه في قرصنة جوية على الطائرة السودانية التي كانت في طريقها من لندن إلى الخرطوم و كان بين ركابها بابكر النور و فاروق حمد الله عضوي مجلس قيادة الثورة الجديدة .
ذكرا على جبل ( عوينات ) و هو الذي يمثل مثلث الحدود الجغرافية بين مصر و ليبيا و السودان , هل يعقل ألا تنطلق كرة الثلج و تتدحرج منه تجاه السودان بعد أن تدحرجت في الإتجاهين الآخرين ؟ قطعا هذا سوف يحدث و لو تأخر قليلا , و كل تأخيرة بخيرها , و قد كنت قد تطرقت قبل هذا في مقالات لي سابقة عن مسببات التأخير و التي أجملتها في الآتي : إنعدام النقابات الوطنية , و ضعف أحزاب المعارضة و هرولتها تجاه وعود النظام الخلبية , و التريث حتى تطبق كل أجندة إتفاقية سلام نيفاشا سواء في القضايا العالقة أم في المشورة الشعبية , و التريث لمعرفة ما تودي إليه محادثات الدوحة الخاصة بدارفور .
رحم الله الصحابي الجليل سلمان الفارسي , فكأنه قد إستشرف ما تقود إليه السلطة الشمولية و الديكتاتورية في زماننا هذا , حين ذكر مقولته التي أوردتها في صدر هذه المقالة ! كلنا قد شاهدنا محاولات التمسك بالسلطة بكل السبل و التضحية بكل شيء في سبيل ذلك . إنه التعود على الرضاع و الخوف من الفطام و مرارته . هذا النوع من الحكام يظل صغيرا و لن يكبر أبدا في عيون شعوبه !


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 2511

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عمر بادي
د. عمر بادي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة