المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
خالد التيجاني النور
الاستفتاء بين اشتراطات دولية واحتمالات التأجيل
الاستفتاء بين اشتراطات دولية واحتمالات التأجيل
06-24-2010 02:29 PM

نص رأي

الاستفتاء بين اشتراطات دولية واحتمالات التأجيل

خالد التيجاني النور

كشفت التحركات والاتصالات الدولية الأخيرة بشأن الوضع في السودان عن توجه عواصم نافذة لوضع اشتراطات فيما يتعلق بإجراء الاستفتاء على تقرير المصير، كما سعت أخرى إلى دعوة مجلس الامن الاستعداد لـ«سيناريو طوارئ» في الساحة السودانية لما بعد 2011م، فما الذي يجري في كواليس وأروقة الدبلوماسية الدولية، وقد كانت نيويورك وواشنطن مسرحاً لهذه التحركات أخيراً، وما هو تأثير ذلك في صناعة مستقبل السودان؟.
ومما يلفت النظر في هذا الخصوص أن تزايدت على نحو غير مسبوق التصريحات في الآونة الاخيرة، من قبل الأطراف الدولية وكذلك المحلية، بشأن ضرورة الإلتزام بإجراء الاستفتاء على تقرير المصير في الجنوب في موعده المضروب في اتفاقية السلام وفي الدستور الانتقالي بحلول مطلع العام المقبل.
وبالنظر إلى أنه من المفترض أن يكون ذلك امراً بديهياً خاصة مع تأكيد طرفي الاتفاقية على ذلك، إلا أن كثرة التركيز على ذلك تثير تساؤلاً ما إذا كان حرص هذه الأطراف المختلفة على التأكيد على إجراء الاستفتاء في موعده ترسل في الواقع إشارة عكسية وتملأ الأجواء بدخان كثيف تمهيداً لهبوط سياسي اضطراري يتبنى تأجيل موعد الاستحقاق لأسباب ومبررات متحققة الآن بالفعل، يشير إليها بعض اللاعبين الدوليين من طرف خفي أو ربطه بجملة شروط، إلا انهم يفضلون عبور جسر التأجيل عند الاقتراب منه لأن الأوضاع غير المواتية على الأرض حينها قد تجعل مهمة الإقناع بذلك أكثر موضوعية، وربما أيسر قبولاً خاصة من قبل نخبة الحركة الشعبية الحاكمة للضغوط الدولية المفترضة بهذا الشأن.
نظرياً يبدو الحديث عن إجراء الاستفتاء على تقرير المصير أمراً سهلاً وممكناً وقد حل أوانه، بحكم أن ذلك إجراء متفق عليه ويمثل خلاصة منطقية لاتفاقية السلام الشامل بكل مقدماتها وبرتوكولاتها وترتيباتها، فضلاً عن أنه استحقاق دستوري لا مناص منه، ولكن الأمر هنا لا يتعلق بمبدأ إجراء الاستفتاء في حد ذاته، ولكن بالموعد المضروب له خلال أشهر قليلة في وقت لا يبدو فيه على الأفق، على الرغم من بدء جهود في هذا الخصوص، أن هناك اتفاقات حاسمة وشيكة بين الطرفين لتسوية قضايا بالغة الحساسية لفك الارتباط بين الطرفين، وهي قضايا لا يمكن تجاهلها أو تأجيلها لما بعد الاستفتاء لأن استمرار الخلاف بشأنها سيعبد الطريق لعودة الحرب بأسرع مما يتوقع أو ينتظره الكثيرون. كما أن سيرة تنفيذ اتفاقية السلام في السنوات الماضية اثبتت أن الشد والجذب والخلافات المستديمة بين الطرفين لم يجعل سبيلاً لتنفيذ أيٍّ من بنودها المتفق عليها في توقيته المضروب في جداول التطبيق الزمني المكملة للاتفاقية ليطرح السؤال ما الذي يجعل إجراء الاستفتاء في موعده أمراً وارداً على الرغم من أهميته الاستثنائية في حين تأجلت تنفيذ كل المحطات المهمة في الاتفاقية بلا استثناء، مما شهدنا في شأن تنفيذ الترتيبات الأمنية والعسكرية، الإحصاء، الانتخابات، ترسيم الحدود، وحسم نزاع أبيي حتى بعد التحكيم الدولي.
ومسألة تقرير مصير الجنوب، أو في الحقيقة مسألة تقرير مصير السودان كله، لم تعد شأناً سودانياً خالصاً، إذ أن تبعاته ستتجاوزه لتطال تداعياته الجوار والإقليم والقارة الإفريقية بأجمعها، وبالطبع ما وراء ذلك على اللاعبين الدوليين على الساحة الدولية المتقاطعة مصالحهم مع القارة السمراء، ولعل وقوف أربعة من الشخصيات الإفريقية أمام مجلس الامن الدولي الأسبوع الماضي، الرئيس الجنوب الإفريقي السابق ثابو إمبيكي رئيس لجنة الاتحاد الإفريقي عالية المستوى بشأن السودان، وهايلي منقريوس ممثل الامين العام ورئيس بعثة الأمم المتحدة بالسودان «يونميس»، وإبراهيم قمباري الممثل المشترك للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة ورئيس بعثة «يوناميد»، وجبريل باسولي وسيط السلام المشترك للمنظمتين الدولية والإفريقية، لمناقشة قضايا السلام والجنوب ودارفور وسط إجماع دولي على أن السودان يواجه واحدة من أكثر اللحظات حرجاً في تاريخه الحديث تعطى مؤشراً على محورية الدور الإفريقي وتعويل المجتمع الدولي عليه في تحركه لرسم ملامح مستقبل البلاد.
واللافت في هذه التحركات البروز المميز لدور الرئيس إمبيكي الذي بات بشكل متزايد يأخذ صفة اللاعب الأكثر أهمية في الملف السوداني، وما يلاحظ هنا التطور المفاجئ لدوره فاللجنة التي يرأسها شكلها الاتحاد الإفريقي العام الماضي للبحث عن مقاربة إفريقية لمعالجة تداعيات وتبعات إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير على خلفية أزمة دارفور، وذلك في إطار موقف الاتحاد الإفريقي المناهض للمذكرة، ولكن إمبيكي تجاوز، أو طور تدريجياً، هذا التفويض المحدود ليوسع مظلة مقاربة العدالة والمصالحة في دارفور ليربطها بعملية السلام في الإقليم، وهو ما تسبب في صراع مشكوف بينه والوسيط المشترك جبريل باسولي وكاد يطيح بالأخير، ويبدو أن كاريزما إمبيكي ونشاطه المكوكي، وربما ارتياح الخرطوم لمواقفه، مهَّد له الطريق ليتوسع أكثر في مهمته ليضم لأجندة لجنته أيضاً متابعة تنفيذ اتفاقية السلام في الجنوب، ووجد غطاء إفريقياً ودولياً لدوره حين نجح في إقناع الأطراف المختلفة في اجتماع أديس أبابا في مايو الماضي بتبني نظريته التي ابتدعها «مدخل متكامل للاستقرار في السودان» ربط فيها بين الوضع في دارفور والجنوب، وأن يسبق إجراء الاستفتاء على تقرير المصير تسوية أزمة دارفور في غضون العام الجاري.
ونجح أمبيكي في الحصول على اعتراف مجلس الأمن الدولي بدوره المتعاظم حين جرى التعامل معه إبان جلسته المخصصة لمناقشة الوضع في السودان بحسبانه الشخصية المرجعية التي تقود فريق المبعوثين الدوليين الآخرين، كما استقبلته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، وبحثت معه موضوعات عملية السلام في الجنوب وتطورات الوضع في دارفور.
وسمع الرئيس إمبيكي من الوزيرة كلينتون بالضبط ما أراد أن يسمعه، وتوافق مع ما سبق أن طرحه أمام مجلس الأمن الدولي، حيث أبلغته حسب بيان صادر من وزارتها تعهدات الولايات المتحدة الأمريكية حيال الوضع في السودان ومن ذلك التزامها بإجراء الاستفتاء على تقرير المصير «في موعده» لكنها ربطت ذلك بجملة شروط تتضمن أن يتم في «مناخ مواتٍ لاقتراع يكون موثوقاً به، وأن يجري في جو سلمي»، وأن يفرز نتائج تحظى باحترام المجتمع الدولي، وأكدت كلينتون على الحاجة لنقاش عاجل وجاد حول ترتيبات ما بعد اتفاقية السلام الشامل حول قضايا إدارة الموارد، في إشارة للنفط والمياه، والامن، وحقوق المواطنة وغيرها من القضايا العالقة. ولعل الاهم حصول إمبيكي على دعم الإدارة الأمريكية للجهود المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي التي يقودها لحث طرفي اتفاقية السلام لتسوية القضايا العالقة، وكان إمبيكي أبلغ مجلس الأمن قبل لقائه كلينتون أن لجنته ستعقد اجتماعات بين الشريكين الجارية حالياً في مدينة مكلي عاصمة إقليم التقراي الإثيوبي، لتسوية ملفات ما بعد الاستفتاء آخذين في الاعتبار احتمالي الوحدة والانفصال.
وفي خضم محاولة الرئيس إمبيكي لتأكيد دوره المرجعي في جهود تسوية الأزمات السودانية حثت واشنطن الأطراف الدولية والإقليمية على الحديث بصوت واحد بين يدي الاستحقاقات الحاسمة في الشأن السوداني، وهو أمر له أهميته في دعم مساعي إمبيكي. كما يعكس القلق في أوساط العواصم صانعة القرار الدولي من تشتيت جهودها.
ولكن من المهم مع كل هذه التطورات الإشارة إلى نقلة مهمة في المعادلة باتت تظهر بوضوح في التحركات الدولية والإقليمية تجاه السودان على خلفية اقتراب استحقاق تقرير المصير، فمن جهة لا جدال حوله من ناحية أنه التزام واجب التنفيذ، ومع التأكيد على أهمية إجرائه في موعده إلا أن ثمة وعي دولي متزايد بالسياق الذي سيجري فيه بالنظر إلى أن قرار الاستفتاء إن أفضى إلى قيام دولتين على انقاض الدولة السودانية سيمثل عاملاً مؤثراً على المنطقة بكامله، وهو ما تحاول بعض دول الإقليم خاصة تفاديه، فضلاً عن القناعة المتزايدة بأن موعد الاستفتاء أزف في وقت لا يبدو فيه أن هناك ما هو مستعد بالفعل لترتيباته سواء على صعيد الوضع الداخلي في السودان بما في ذلك شريكي الحكم، ولا على المستوى الدولي الذي بات يتحسب لسيناريوهات متعددة بما في ذلك تلك التي قد تنتج أوضاعاً طارئة بالضرورة عودة الحرب الأهلية من بينها إذا استمرت قضايا ما بعد الاستفتاء محل خلاف بين الطرفين.
بالطبع يدرك المجتمع الدولي، وكذلك الجوار الإقليمي، مدى تمسك النخبة الحاكمة في الحركة الشعبية بضرورة إجراء الاستفتاء في موعده دون تأخير، ودون اعتبار لأية ضرورة موضوعية أو عملية قد تتطلب ذلك، وهو ما يفسر تأكيد الأطراف المختلفة على تأكيد مسألة توقيت إجراء الاستفتاء، ولكن الملاحظ أن الدعوة للوفاء بهذا الإلتزام لا تأتي مطلقة، ولكن تأتي مصحوبة باستدراكات مهمة ترقى لأن توفرها شروط لازمة لإكساب الاستفتاء المشروعية والجدوى السياسية والاعتراف الدولي، وفي هذا الخصوص فليس اعتباطاً ألا تعتبر واشنطن على لسان وزيرة الخارجية كلينتون أن إجراء الاستفتاء على تقرير المصير من باب تحصيل الحاصل، وهي حتى وإن رغبت في رؤية دولة مستقلة في الجنوب، إلا أنها تدرك أهمية أن هذه الدولة الوليدة لا تتوفر لها سبل الحياة تلقائياً، وأن هناك ثمة شروط ضرورية لإبقائها قابلة للحياة، وهو أمر بالضرورة يرتبط أيضاً بقدرة الدولة التي تنشأ في الشمال أيضاً للحياة، وإلا كان الانفصال بمثابة وصفة حرب جاهزة كما وصفها ذات مرة الدكتور غازي صلاح الدين.
واللافت فيما نقلته كلينتون لإمبيكي وصفها للمناخ المواتي لإجراء الاستفتاء والذي ربطته بالموثوقية والسلمية، بمعنى آخر، فإن واشنطن تريد أن يكون هناك استفتاءً حقيقياً وليس صورياً، حتى يتمكن من الحصول على احترام المجتمع الدولي على حد قولها.
والأمر الآخر في الموقف الأمريكي يتعلق بضرورة تسوية قضايا ما بعد الاستفتاء، وهي مسائل شائكة ومعقدة للغاية وليس سهلاً فك الاشتباك حولها، وبقائها عالقة ينذر بإعادة إنتاج الحرب وتبديد فرصة السلام التي حققتها اتفاقية نيفاشا، ولعل العنوان العريض للموقف الأمريكي هو كيفية دعم السلام والاستقرار وليس فقط إجراء الاستفتاء على أي حال وبغض النظر عن عواقبه.
ويلاحظ هنا أيضاً على وجه الخصوص أن المندوب البريطاني لدى الأمم المتحدة، مارك غرانت اشار أيضاً إلى المعنى ذاته في جلسة مجلس الأمن الدولي الخاصة بالسودان، فهو اعتبر هذه المرحلة حاسمة للسودان ولمجلس الأمن أيضاً مشيراً إلى أن المجلس استثمر في حفظ السلام في السودان أكثر من أي منطقة أخرى، وقال إنه لا تحدي أمام المنظمة الدولية أكبر من مساعدة الأطراف على تأمين السلام في السودان، وتحدث عن إقامة الاستفتاء في موعده في السياق نفسه الذي تحدثت عنه كلينتون، بما في ذلك موثوقيته وسلميته، وعلى المنوال ذاته جاءت مواقف بقية أعضاء المجلس بما في ذلك الدول الأخرى دائمة العضوية.
ولعل شكل هذه المعادلة بين قيام الاستفتاء في موعده، وتوفر شروط ومعطيات الحفاظ على السلام والاستقرار، ورسم خريطة طريق بين الشريكين لتسوية قضايا ما بعد الاستفتاء التي لا تزال عالقة ستكون عاملاً حاسماً في قرار المجتمع الدولي بالمضي قدماً في إجراء الاستفتاء في موعده المضروب، أم التحرك بإتجاه تأجيله لتوفير ظروف ومناخ أكثر ملاءمة لتحقيق مقاصد السلام والاستقرار، وليس مجرد الالتزام الشكلي بالتوقيت.
وليس سراً أن أوساطاً دبلوماسية دولية رفيعة تتداول في تأجيل الاستفتاء كسيناريو محتمل، كما ذهبت دول أخرى للإفصاح عن ذلك علانية نحو ما فعلت جنوب إفريقيا وإرتريا ومصر على هامش أعمال القمة الفرنسية الإفريقية واثار غضب بعض قادة الحركة الشعبية، ومع ذلك فإن الأمر أقرب ما يكون متروك للتطورات الفعلية على الأرض مع اقتراب الموعد، وليس على أساس افتراضات وإن كانت موضوعية على الأقل بسبب عامل الزمن المحدود المتبقي أمام تنفيذ جملة من الخطوات المهمة واللازمة لصالح استفتاء فعال وآمن، كما أن هناك من لا يريد أن يعطي الخرطوم فرصة للمماطلة والتسويف في حسم الأمور إذا أحست في الأفق بفسحة جديدة لالتقاط الأنفاس.
ولكن مع ذلك يبدو المشهد مفتوحاً على الاحتمالات كافة، والمجتمع الدولي يستطيع التأثير ولكن لذلك حدود، ويبقى في كثير من الأحيان فإن المعطيات الموجودة على الأرض تلعب دوراً أهم بكثير مما في تحديد المصائر مما يفعله السياسيون في أروقة صناعة القرار على نحو ما أسفرت عنه تجربة التحكيم الدولي في لاهاي بشأن أبيي، فالتأجيل من أجل تفادي الإضرار بالسلام والاستقرار قد يكون سبباً أيضاً في نسفهما

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 762

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد التيجاني النور
خالد التيجاني النور

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة