المقالات
السياسة

06-10-2016 02:36 PM

نكد العاصمة... تفاصيل حياة هامشية
يوميات رمضانية"2"

محمد عبدالباقي

الحكايات الواردة أدناه حصرية على العاصمة.. ولم لا تكون حصرية ما دامت الخرطوم نموذجاً مصغراً للسودان بلا منافس أو منازع، ولا يوجد من يحدق لها في الظلام ليردها عن غيها للصواب وجادته.. نعم لا أحد يستطيع التحديق في وجهها ومن يفعل عليه ارتداء (كركاسته) تحت بنطاله لأنه لا محالة مضروب على قفاه قبل وجه.
والضرب على القفا كما هو معلوم يُوجه للصغار فقط ولهذا تمارسه الخرطوم ضد المُدن الأخرى لأنها دائماً تراها صغيرة وصغيرة جداً، ولذا تنال ضربتها على قفاها ولا تُلطم على وجوهها بتاتاً، وحتى اللطم على الوجوه تستكثره هذه المدينة الشمطاء على غيرها، لأنها تعتبره دالاً على الندية وهو كذلك! هذا حال المُدن التي تعتبر نفسها وصيفة للخرطوم أما القرى والفرقان، فلا مكان لذكرها بين دفتي كتاب هذه المدينة (الباتعة).. والحكايات التي يرد ذكرها هنا هي نتف من يوميات الناس في شهر رمضان نقصها من واقع حالهم بلا إضافة أو تعديل ونرسلها لسجل التاريخ الأمين، لتبقى هناك شاهداً في المستقبل على الجبروت الخرطومي.
******
قصة حياة
التوم، هذا اسمه الحقيقي أما اسم والده لا أظن أن بينكم من يرغب في معرفته لأن ذلك الوالد الكريم أبصر الشمس في بقعة لا يرهب أهلها انقطاع التيار الكهربائي ولا يزعجهم ( شخير) الحنفيات حين يتأمر تجار بيع الماء مع عامل البلف ليقطع الامداد عن الأحياء بقية إنعاش تجارة البيع بالبرميل؛ لا يلقوا بالاً لهذا أو لتلك لأنهم ببساطة لم ينعموا بإحداهما يوماً.. هنا عاش والد التوم ثمانين عاماً ظن أنه صار معروفاً لكل سكان الأرض من كثرت ما رأي بعينه ولمس بيديه وحين وافاه الأجل المحتوم توسد ثرى قريته باطمئنان وحب جعل الطبيعة تكافئه بقيام شجرة لالوب أحتلت مكان شاهد القبر لتجيره وعدد من القبور الأخرى من لفح الهجير.
اصل الحكاية
تلك كل قصة والد التوم التي لو رويناها في سياق أخر لجاءة أكثر تشويقاً، لكن المهم بالنسبة لنا هنا هو قصة التوم الذي عاش نصف سنوات عمره بمسقط راْسه ولم يخطر بباله أن يوما ما يجد نفسه يلتحف شمس الخرطوم التي فاضت بأمثاله ممن يبحثون لا عن ثراء فاحش أو منضبط بل عن لقمة عيش كريمة، يعرض من أجل الحصول عليها خضروات وفاكهة تبادلتها أيادي مضاربون وسماسرة (لاكوا) أسعارها وعمولاتهم بلغات شتى حتى وصلته هو هنا في وسط الخرطوم، وبالضبط في موقف استاد الخرطوم العتيق لبيعها لأناس لا يشترون الفاكهة إلا للمريض أو كنزوة في بعض أيام شهر رمضان.
حلم ضائع
قلنا أن التوم عاش نصف عمره في بلدته الريفية النائية، هنالك الناس يولدون تحت ضوء القمر ويخرجون للحياة بلا شهادات توثق للحظة وتاريخ ميلادهم ويكبرون بسرعة كأنهم يريدون تجاوز الحياة الدنيا ويتمددون في قبورهم بسكينة من أنهى جميع التزاماته خلفه.. الحقيقة، لم يكن التوم راغباً في الحضور للخرطوم بحسب وصفه لأنه يعلم أنها ستجرده من كبريائه الذي تربي عليه وانفته المتوارثة، لكن الخرطوم أغوته بحُلم العيش الرغد، فجاءها يحمل على ظهره أربعين عاماً وحلم واحد كغيره من أناس كثر جذبتهم إليها من بعيد ولفظتهم في طرقاتها البائسة والمعفرة.. بدأ التوم، بائع فاكهة لا يربح مالاً يدخره ليعود به لدياره التي ترعرع فيها ولا يقوى على حب عمله المضني ليخطو به للإمام.. فصار تائهاً وسط التائهين وفقيراً بين الأغنياء، قروي يقطن المدينة، يطلق عليه أهله صفة تاجر وهو لا يملك سلعة التجار ولا بضاعتهم ، غارق في الخسارة قبل أن يبدأ عمله.. يبحث عن قشة تنجيه من المتاهة.
نواصل
image


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2957

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1474102 [ابو زكية]
0.00/5 (0 صوت)

06-10-2016 10:30 PM
السرد جميل وهي قصتنا جميعا قبل التوم اخي محمد وهي آلمنا وفجيعتنا كلنا ... الا ان الفرق ان اخونا التوم اختار مكرها الهجرة للداخل واحنا كذلك اخترناها للخارج ... ولكن يبقى الحزن هو سيد الموقف في الحالتين ... في انتظار باقي الحكاية اخي محمد وتصوم وتفطر انت والتوم على خير وليس بيدنا غير ان نقول ربنا يجازي اللي كان السبب

[ابو زكية]

محمد عبدالباقي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة