المقالات
السياسة
كولمبس نبي العصر
كولمبس نبي العصر
06-11-2016 02:26 AM

image


في العشرين من يونيو عام 1503، حطت سفن كريستوفر كولمبس على الساحل الشمالي لجاميكا في رحلة اسكشافية هي الثالثة من نوعها. في بداية الأمر، رحب أبناء البلاد بالرحالة ورجاله، وأكرموا وفادتهم. وفي مقابل الطعام والشراب، حصل المواطنون على حلى تافهة رخيصة. كانت الأذرع السوداء ممدودة عن آخرها، وكانت الأحضان دافئة كرمال الشاطئ وقت الأصيل. إلا أن هذه الحميمية لم تدم طويلا. إذ سرعان ما قبض المواطنون أياديهم وأداروا ظهورهم لضيوفهم الثقال.
لم يخف كولمبس نواياه الاستعمارية طويلا، وخلال أشهر معدودات، بدأ الرجل يكشف عن وجهه الأبيض القبيح. إذ لم يكتف الغريب بما قدمه أبناء البلاد له ولرجاله طواعية وعن طيب خاطر، فشن غزوات متتابعات لنهب صوامع القوم وأجرانهم. ولم يتورع رجاله عن ارتكاب الموبقات كلها في حق من فتحوا بوابات قلوبهم وديارهم على مصاريعها لقطعانهم. ومع حلول شتاء 1504، قرر المواطنون قطع إمدادات الغذاء والماء عن فلول الرحالة الطامعين جزاء وفاقا.
لم يكن كولمبس يمتلك الأساطيل التي تمكنه من احتلال البلاد وقهر العباد، فلجأ إلى الحيلة. كان كولمبس ورجاله يمتطون صهوة العلم، بينما كان أهل البلاد الأصليون يهيمون في وديان الخرافة على وجوههم صما وبكما وعميا. وكان جوهانز ميللر، أحد أشهر الفلكيين الألمان على مر القرون شريكا غير متآمر. فباستخدام تقويم الرجل، استطاع كولمبس أن يتنبأ بموعد خسوف القمر. واستطاع المستكشف الخبيث أن يحدد مدة الخسوف وأمده بدقة متناهية. وفي اجتماع ضمه وزعماء القبائل، شرع الرحالة الأبيض في استمالة عقول الرجال وقلوبهم باستخدام حيلة خبيثة كان الشيطان فيها رب مائدة المفاوضات وراعيها.
قال كولمبس لزعماء القبائل أن الله غاضب منهم لأنهم أداروا ظهورهم للمستكشفين الطيبين، ولم يعينوهم على أداء رسالتهم المقدسة في استكشاف الأراضين ورسم الخرائط. وأخبرهم أن آية غضبه اختفاء القمر، وأن الهلال لن يعود ليتربع على كبد السماء حتى يرفع المواطنون حصارهم المجحف دون شروط. ولما رأى أهل القبائل الوجه الأسود للقمر، هرعوا إلى كولمبس ليدعو الله لهم كي يرفع مقته ويوقف عقابه.
رفع كولمبس يديه ضارعا في صومعة الشيطان، محاولا أن يكتم ضحكة شيطانية كادت تخرج من فيه. وظل يدعو ويتضرع حتى امتلأت سفنه بما لذ من خيرات البلاد وطاب. لكن الرجل لم يمد عينيه قبل المشرق أو المغرب، بل وقف يختلس النظر بين الفينة والفينة ليراقب ساعة رملية فوق مكتبه الخشبي. كان كولمبس يعلم أن الخسوف لن يدوم أكثر من ثمانية وأربعين دقيقة، لهذا خرج الرجل على قومه قبل انقضاء الأجل ليخبرهم أن الله قد قبل وساطته، وأنه لن ينزل عقابه على أهل البلاد طالما وفروا احتياجات المستكشفين الغزاة.
لم يكن كولمبس في حاجة إلى حاملة طائرات أو براميل متفجرة للسيطرة على بلاد ليست له. ولم يكن مضطرا للدخول في معارك شوارع مع رجال جاميكا البواسل. ورغم هذا، استطاع أن يتحول إلى نبي مرسل يقبل الناس قبعته المعقوفة وذيل حصانه الأشهب، ويتبركون بمس بياضه الملائكي. واستطاع سفير الرحمة أن يتحول إلى قبلة يحج إليها رجال باعوا عقولهم للشيطان وتنازلوا عن ملكهم ووثقوا تنازلاتهم في أشهر التاريخ العقارية.
يعرف كولمبس من أين تؤكل أكتاف المدن، ويهزأ بالواقفين عند مقدمات سفنه ليقدموا بضائع الولاء. ويكرر التاريخ قصصه، ويعيد الرحالة نسج حيلهم، ويقف المغيبون من أبناء المدن المستهدفة في طوابير حمق طويلة ليرحبوا بالغزاة القادمين إلى خواصر العواصم بكتب غير مقدسة رافعين بيارق النصر.
اليوم يأتينا كولمبس فوق حاملات الطائرات، وخلف راجمات الصواريخ رافعا كتبه المقدسة. يضرب دون تمحيص، ويقتل دون هوادة، ويفر - رغم كل ذلك - إليه مطاردو التاريخ بأسمال بالية وحلوق يابسة، ليتوسط لهم عند إله لم يعودوا يرون إلا عذابه. ما زال غباء الشعوب مستمرا، وثقتهم بالغزاة أكبر من ثقتهم بالقمر ورب القمر. وما زال كولمبس يرفع يديه الضارعتين وينظر إلى عقارب ساعة تسير إلى الوراء ولا تنذر إلا بالخسوف والخسف.
عبد الرازق أحمد الشاعر
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1211

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1474227 [ahmed ali]
5.00/5 (1 صوت)

06-11-2016 10:07 AM
لو وجدت العذرللجامايكيين في عصر الجهل فماذا تقول و نحن في عهد العلم و التكنولوجيا التي تبيح لك كل أصناف العلوم و المعرفة عندما يأتي لصوص وقتلة سفاحين شواذ مغتصبون قائلين أنهم يريدون تطبيق شرع الله ولذلك إستولوا علي السلطة ؟؟؟؟؟؟

[ahmed ali]

#1474197 [برهان على]
5.00/5 (1 صوت)

06-11-2016 07:10 AM
يعنى القصة دي تدخل العقل؟ وكأن الخسوف يحدث لأول مرة في جامايكا عند وصول كولمبس؟ فكر ياهذا القصة مخرومه!

[برهان على]

عبد الرازق أحمد الشاعر
عبد الرازق أحمد الشاعر

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة