المقالات
السياسة
التجربة الديموقراطيَّة الأولى في السُّودان (1953-1958م): أساس المشكل ومكمن الخلل؟ .. (2 من 3)
التجربة الديموقراطيَّة الأولى في السُّودان (1953-1958م): أساس المشكل ومكمن الخلل؟ .. (2 من 3)
06-14-2016 12:34 AM


الحلقة الثانية:
تمهيد :
نشرتُ البحث الموسوم أعلاه في كتاب "استقلال السُّودان: ستون عاماً من التجربة والخطأ (1956-2016م)، الصادر عن دار الحضارة للنشر بالقاهرة 2015م، والذي حرره الدكتور حيدر إبراهيم علي، مستنداً إلى مساهمات نُخبة من الأكاديميين والباحثين السودانيين، الذين تناولوا بالعرض والتحليل تركة استقلال السودان بعقودها الستة، مُقيِّمين التجربة تقييماً علمياً من زوايا متعددة، شملت السياسة، والاقتصاد، وقضايا التنمية، والإعلام والثقافة والتعليم، والسياسة الخارجية، والواقع الآني ومآلاته. تطرقنا في الحلقة الأولى من البحث المشار إليه للإطار النظري للتجربة الديمُقراطيَّة في السُّودان من واقع حواضنها الاجتماعيَّة الثقافيَّة الناظمة لثنائيَّة الدين والقبيلة، وطبيعة الواقع السياسي والاقتصادي؛ ثم عرضنا مرتكزات البناء السياسي والاجتماعي للدولة السودانية، وكيف رسمت تلك المرتكزات مسارات الحراك الديمقراطي والعوائق السياسية التي تولدت عنه. ونتناول في هذه الحلقة الثانية انتخابات عام 1953م؛ افتراضاً بأنها قد أفرزت قيماً سياسيةً جديدة، شكلت منصة التأسيس الخطأ التي انطلقت منها التجارب الانتخابية اللاحقة والممارسات الديمقراطية المصاحبة لها.
انتخابات عام 1953م: منصة التأسيس الخطأ
تشكلت السُّلطة التشريعيَّة (البرلمان) الأولى في أحضان الحكم الإنجليزي-المصري (1898-1956م)؛ متأثرة بهيكل النظام البرلماني البريطاني، وذلك من وحي قانون الحكم الذاتي لسنة 1953م، الذي نصَّ على تكوين البرلمان السوداني من مجلسين (الشيوخ والنواب)، يشكلان مع الحاكم العام البريطاني السُّلطة التشريعيَّة في السُّودان. إذ يتكون مجلس الشيوخ من خمسين عضواً، يُعين الحاكم العام عشرين منهم حسب تقديراته السياسيَّة والإداريَّة، ويُنتخب ثلاثون عضواً عبر كليات انتخابيَّة، مكونةً من أعضاء مجالس الحكومة المحليَّة، ومجالس المديريات، والخريجين نساءً ورجالاً، ومرشحي مجلس النواب. وبهذا الإطار القانوني مُنح الحاكم العام البريطاني تفويضاً واسعاً في اختيار أعضاء المجلس، فاسحاً بذلك المجال لزعماء العشائر والقوى الطائفيَّة ليشكلوا عضويَّة المجلس. ومن زاويَّة أخرى أقرَّ القانون مشاركة المرأة الخريجة في انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ. وكان توزيع مقاعد مجلس الشيوخ في مديريات السُّودان التسع على النحو الآتي:


• اسم الدائرة المقاعد المخصصة
 مديريَّة بحر الغزال 3
 مديريَّة النيل الأزرق 5
 مديريَّة دارفور 4
 المديريَّة الاستوائيَّة 2
 مديريَّة كسلا 3
 مديريَّة الخرطوم 2
 مديريَّة كردفان 5
 المديريَّة الشماليَّة 3
 مديريَّة أعالي النيل 3
 العدد الكلي 30
الجدول رقم 1: توزيع مقاعد مجلس الشيوخ في المديريات
أما مجلس النواب فقد نصَّ قانون الحكم الذاتي على تشكيله من سبعة وتسعين عضواً منتخباً، يمثلون اثنتين وتسعين دائرة جغرافيَّة، وخمسة مقاعد للخريجين. وصنِّفت الدوائر الجغرافيَّة إلى ثماني وستين دائرة مباشرة، وأربع وعشرين غير مباشرة. ارتبطت عمليَّة التمييز بين الدوائر المباشرة وغير المباشرة بمقدار درجة الوعي والكسب المعرفي، فمثلاً كل دوائر مديريَّة الخرطوم والمديريَّة الشماليَّة صُنفت بأنها دوائر مباشرة، وأُجري التصويت فيها عن طرق الاقتراع السري، بينما كانت معظم دوائر مديريات جنوب السُّودان غير مباشرة. ويبين الجدول أدناه توزيع دوائر مجلس النواب في المديريات التسع حسب تصنيفاتها المباشرة وغيرها، مصحوبة بالتعداد التقريبي للسكان والناخبين.
اسم الدائرة عدد السكان التقريبي عدد الناخبين الدوائر الانتخابيَّة
مباشرة غير مباشرة المجموع
• مديريَّة بحر الغزال 796000 185000 1 6 7
• مديريَّة النيل الأزرق 1678000 375000 17 1 18
• مديريَّة دارفور 1037000 181000 7 4 11
• المديريَّة الاستوائيَّة 640000 152000 5 2 7
• مديريَّة كسلا 579000 149000 7 1 8
• مديريَّة الخرطوم 438000 106000 9 0 9
• مديريَّة كردفان 1692000 301000 13 4 17
• المديريَّة الشماليَّة 687000 129000 7 0 7
• مديريَّة أعالي النيل 724000 127000 2 6 8
• العدد الكلي 8271000 1687000 68 24 92

الجدول رقم 2: عدد السكان، والناخبين المسجلين، وتوزيع الدوائر الجغرافيَّة
أما شروط الانتخاب لمجلس النواب فكانت تقضي بأن يكون الناخب سودانياً، وذَكَراً، ولا يقل عمره عن إحدى وعشرين سنة، مع سلامة العقل، والإقامة في دائرته الانتخابيَّة لأكثر من ستة أشهر قبل نهايَّة التسجيل الانتخابي. ومنح القانون كل خريج حق التصويب في دائرة الخريجين، مع اسقاط شرطي الإقامة والذكورة. وبموجب ذلك أُقر القانون حق المرأة في التصويت في دائرة الخريجين، دون الدوائر الجغرافيَّة لمجلس النواب. ومن ثم أضحى الخريج الذكر مميزاً عن الناخبين الآخرين، حيث مُنح خمسة أصوات في دائرة الخريجين، وصوت واحد في الدائرة الجغرافيَّة التي يقيم فيها، وعدد من الأصوات في انتخابات مجلس الشيوخ يساوي عدد المقاعد المخصصة لدائرة المديريَّة التي ينتمي إليها.
وتجسد البُعد الاستعماري الآخر في تشكيل لجنة الانتخابات المختلطة، برئاسة سكومار سن الهندي الجنسيَّة، وعضويَّة ستة ممثلين لكل من الحكومة البريطانيَّة، والحكومة المصريَّة، والحكومة الأمريكيَّة، والحزب الوطني الاتحادي، وحزب الأمة، وجنوب السُّودان. ويوضح هذا التشكيل طرفاً من الصراعات الثنائيَّة على مستوى قيادة الدولة الاستعماريَّة، والأحزاب السياسيَّة الرئيسة، ويبين أيضاً الوضع الاستثنائي لجنوب السُّودان. بالرغم من أن أداء رئيس اللجنة اتسم بالمهنيَّة والنزاهة؛ إلا أن الاختلاف في بعض القضايا الإجرائيَّة أبرز النزعة الحزبيَّة التي كانت قائمة بين حزبي الوطني الاتحادي والأمة من طرف، وبين دولتي الحكم الثاني من طرف آخر.
وفي تلك الانتخابات كانت البنيَّة الحزبيَّة متأثرة بالواقع الاستعماري وإسقاطاته السياسيَّة، بدليل أن (الحزب الوطني الاتحادي) رفع شعار الوحدة مع مصر، و(حزب الأمة) و(الحزب الوطني)، آثرا الدعوة إلى الاستقلال التام، و(الحزب الجمهوري الاشتراكي) و(حزب الجنوب)، ثمّنا استمراريَّة الوجود الاستعماري، متعللين بضرورة دفع عجلة التطور والتنميَّة إلى الأمام قبل أن يأتي الاستقلال، و(الجبهة المعاديَّة للاستعمار) شكلت الوجود المعادي للإمبريالية. وهكذا تراوحت شعارات تلك الأحزاب بين الدعوة لاستقلال السُّودان تحت التاج المصري، واستقلال السُّودان التام، واستمرار الحكم الثنائي تعللاً بأن الزمن لم يكن مناسباً لخروج المستعمر.
في ضوء هذه النظم الإجرائيَّة أُجريت الانتخابات البرلمانية في شهر نوفمبر 1952م، وفي 13 ديسمبر 1953م أعلنت اللجنة المختلطة للانتخابات نتائج انتخابات مجلسي النواب والشيوخ على النحو الوارد في الجدولين أدناه:-
• الحزب عدد الفائزين ملاحظات
• الحزب الوطني الاتحادي 51 ثلاثة مقاعد في دائرة الخريجين
• حزب الأمة 22 مقعد واحد في دائرة الخريجين
• حزب الجنوب 10
• مستقلون شماليون 4
• مستقلون جنوبيون 4
• الحزب الجمهوري الاشتراكي 3
• تحالف الجنوب السياسي 2
• الجبهة المعاديَّة للاستعمار 1 دائرة الخريجين
• المجموع 97
الجدول رقم 3: نتائج انتخابات مجلس النواب

الحزب بالانتخاب بالتعيين المجموع
الحزب الوطني الاتحادي 22 10 32
حزب الأمة 3 4 7
الحزب الجمهوري الاشتراكي – 1-1
حزب الجنوب 3 1 4
مستقلون شماليون 1 2 3
مستقلون جنوبيون 1 2 3
المجموع 30 20 50
الجدول رقم 4: نتائج انتخابات مجلس الشيوخ
تحليل نتائج الانتخابات
أبرزت نتائج الانتخابات البرلمانيَّة الأولى أنَّ الحزب الوطني الاتحادي كان أكثر الأحزاب انتشاراً جغرافياً، إذ فاز مرشحوه في كل دوائر الخرطوم، والشماليَّة، وكسلا باستثناء دائرة جنوب القضارف، مع تمثيل نسبي في المديريات الجنوبيَّة، والنيل الأزرق، وكردفان. أما حزب الأمة فقد كان تمثيله محصوراً في دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، ودائرة واحدة في كسلا. وانحصر تمثيل حزب الجنوب في الدوائر الجنوبيَّة، بسبب تركيبته الإثنيَّة وبرنامجه الانتخابي المرتبط بقضايا الجنوب دون غيرها. بينما حصلت (الجبهة المعاديَّة للاستعمار) على مقعد واحد من دائرة الخريجين؛ وخسر (الحزب الوطني) كل الدوائر التي ترشح فيها. وكانت تُقدر أغلبيَّة الحزب الوطني الاتحادي بـ 52 % في مجلس النواب، وبـ 64 % في مجلس الشيوح؛ معلناً بذلك، ولو مرحلياً، سيطرته على الجهاز التشريعي (مجلس النواب والشيوخ)، وتكوين حكومة منفردة دون ائتلاف مع الأحزاب الأخرى.
وإلى جانب ذلك، عكست الانتخابات البرلمانيَّة الاصطفاف الطائفي، حيث فاز الاتحاديون في دوائر النفوذ الختمي من الشماليَّة وكسلا؛ بينما تركزت دوائر الاستقلاليين في معاقل الأنصار في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. ويضاف إلى ذلك أن الخصومات التاريخيَّة بين المهديَّة والقطاعات القبيلة قد أسهمت في فوز الاتحاديين في بعض دوائر كردفان ودارفور والنيل الأزرق، بدليل أن الشيخ مشاور جمعة سهل فاز بالتزكيَّة في الدائرة 37 دار حامد، ممثلاً للحزب الوطني الاتحادي؛ والشيخ فضل الله علي التوم بالتزكيَّة في الدائرة 74 دار الكبابيش، ممثلاً للحزب الوطني الاتحادي. وتولى صغار التجار (الجلابة) والرأسماليَّة الوطنيَّة زمام الدعايَّة الانتخابيَّة لصالح الحزب الاتحادي، وجلب الناخبين إلى مراكز الاقتراع في كثير من المدن والأرياف التي لم تكن من مراكز النفوذ الختمي في السُّودان.
وفي بعض مناطق التنافس الطائفي-القبلي، كانت كفة زعماء الإدارة الأهليَّة راجحة، بدليل أنَّ الناظر يوسف العجب فاز في الدائرة 46 نظارات الفونج، مرشحاً عن الحزب الجمهوري الاشتراكي (11929 صوتاً)، على منافسه حسن يوسف أبوروف مرشح حزب أمة (10234 صوتاً). وفوز الناظر في دائر نظارات الفونج لا يستمد قوته من إدراك الناخب العادي بأهميَّة العمليَّة الانتخابيَّة فحسب، بل يعبر عن مرارة الخصومة السياسيَّة التي نشبت بين قيادة حزب الأمة، وبعض القيادات القبليَّة، التي تمردت على النفوذ الطائفي، وناصرت قيام الحزب الجمهوري الاشتراكي. وكذلك الحال في الدائرة 43 رفاعة، حيث بلغت نسبة التصويت فيها 68%، لصالح الناظر محمد حلمي أبوسن (جمهوري اشتراكي) الذي فاز بـ 12459 صوتاً على منافسيه أحمد السيِّد الشيخ العباسي (حزب أمة) الذي حصل على 4329 صوتاً، وأحمد جلي (الحزب الوطني الاتحادي) الذي حصل على 4317 صوتاً.
ومن زاويَّة أخرى نلحظ أنَّ النفوذ القبلي في الأرياف أسهم في استنهاض الناخبين على الاقتراع، حيث سجلت الأقاليم أعلي مناسيب الاقتراع: 77 % في الاستوائيَّة، و76 % في النيل الأزرق، و73 % في الشماليَّة، و69 % في كردفان، و63 % في كسلا، و62 % في دارفور؛ بينما كانت النسبة منخفضة في مديريَّة الخرطوم، إذ تراوحت في حدها الأعلى بين 36 % و50 %. وذلك خلاف الاعتقاد الشائع بأن مناسيب الاقتراع دائماً تكون مرتفعة في المناطق الحضريَّة أكثر من المناطق الريفيَّة والبوادي.
وبناءً على نتائج الانتخابات البرلمانيَّة المشار إليها أعلاها عقد البرلمان جلسته الأولى بحضور الحاكم العام البريطاني في يناير 1956م، وفيها تمَّ انتخاب رئيسيّ مجلسي النواب والشيوخ على التوالي. وفي تلك الجلسة طرح حزب الأمة فكرة انتخاب شخصيات قوميَّة محايدة لرئاسة أي من المجلسين؛ إلا أن اقتراحه لم يحظ بقبول الأغلبيَّة الاتحاديَّة. وبموجب ذلك تمَّ ترشيح المحامي إبراهيم المفتي (الوطني الاتحادي) والأستاذ عبد الفتاح محمد المغربي (الأمة) لرئاسة مجلس النواب، فحصل المفتي على 54 صوتاً والمغربي على 34 صوتاً؛ بيد أن الحاكم العام رفض تعيين المفتي محتجاً بحزبيته الصارخة. وبعد مداولات سياسيَّة كثيفة أجمعت الأحزاب السياسيَّة داخل البرلمان على انتخاب القاضي بابكر عوض الله، الذي أجاز الحاكم العام ترشيحه، وعينه أول رئيس لمجلس النواب. أما رئاسة مجلس الشيوخ فقد فاز بها أحمد محمد يس على منافسه المستقل، أحمد محمد صالح بفارق عشرين صوتاً. وفي 6 يناير تمَّ ترشيح إسماعيل الأزهري (الوطني الاتحادي) ومحمد أحمد محجوب (الأمة) لرئاسة مجلس الوزراء، فحصل الأزهري على 56 صوتاً، ومحجوب على 37 صوتاً، وبذلك أصبح الأزهري أول رئيس وزراء للسودان، بينما صار محجوب زعيماً للمعارضة. وفي 9 يناير 1954م أعلن الأزهري تشكيل وزارته الاتحاديَّة من أحد عشر وزيراً، ثلاثة منهم جنوبيين دون حقائب وزاريَّة، وثلاثة آخرين جمعوا أكثر من حقيبة وزاريَّة. وهكذا بدأت ظاهر الوضع الهامشي للوزراء الجنوبيين. وبعد أداء القسم السيادي أعلن الحاكم العام بدايَّة الفترة الانتقاليَّة؛ لتحقيق سودنة الوظائف القياديَّة في الدولة، وإجازة الدستور الدائم، وتقرير مصير السُّودان. وفي سبيل انجاز تلك المهام واجهت حكومة الوطني الاتحادي تحديات مركبة، تمثل طرفها الأول في رفض الاستقلاليين لأي نوع من الوحدة أو الاتحاد مع مصر، تعللاً بأن الاتحاد أو الوحدة منقصة في حق الشعب السُّوداني الذي عاني من عنت التُركيَّة السابقة واللاحقة؛ وتبلور طرفها الثاني في معارضة قيادات الطريقة الختميَّة لزعامة الرئيس إسماعيل الأزهري وبطانته الاتحاديَّة ذات النزعة العلمانيَّة الرافضة لهيمنة الطريقة الختميَّة؛ وتجسد طرفها الثالث في التيار الاتحادي الوحدوي الذي كان ينادي بضرورة صون المواثيق الوحدويَّة مع حكومة يوليو 1952م، وتطبيق شعار "وحدة وادي النيل" على صعيد الواقع.
تدريجياً تبلورت تلك الصراعات في مواجهات سياسيَّة مكشوفة، تمثلت في مظاهرات حزب الأمة والأنصار ضد زيارة اللواء محمد نجيب للخرطوم لحضور حفل افتتاح البرلمان السُّوداني في أول مارس 1954م، وبذلك سجل الانصار وحزب الأمة موقفاً سياسياً ضد توجهات الحزب الوطني الاتحادي التي وصفوها بالوحدويَّة. ومن زاويَّة أخرى تصاعدت حدة الصراع بين الزعيم الأزهري والسيِّد علي الميرغني من طرف، ودعاة وحدة وادي النيل من طرف ثانٍ. وأخيراً أفضت تلك الصراعات إلى تعديل وزاري أحكم قبضة العناصر الاتحاديَّة المواليَّة للزعيم الأزهري، وأقال العناصر الختميَّة وذات النزعة الاتحاديَّة الوحدويَّة (ميرغني حمزة، وخلف الله خالد، وأحمد جلي، ومحمد نور الدين). وبناءً على ذلك رفض الأزهري اقتراح السيِّد علي الميرغني بإجراء الاستفتاء الذي نصَّ عليه قانون الحكم الذاتي بشأن الاستقلال والسيادة، مستأنساً في ذلك بتأييد أعضاء حزب الأمة في البرلمان. وفي تلك الأثناء أسس وزراء الختميَّة المقالين حزب الاستقلال الجمهوري في 2 يناير 1955م، بمباركة من السيد علي الميرغني. وفي خضم تلك الأحداث المتسارعة استقال الوزراء الجنوبيون من حكومة الوطني الاتحادي، عندما رفضت الحكومة مطلبهم بالحكم الفدرالي في جنوب السُّودان، بحجة أن الفيدراليَّة ربما تقود إلى "انشطار الوطن في ليلة ميلاده"؛ ونتيجة لذلك انفجر التمرد العسكري في جنوب السُّودان، في 18 أغسطس 1955م، مربكاً المشهد السياسي في الخرطوم، ومحدثاً فوضى في المديريات الجنوبيَّة.
ونتيجة لتلك التطورات السياسيَّة أضحت حكومة الوطني الاتحادي في موقف حرج، استثمره المعارضون في رفض إجازة مشروع الميزانيَّة بأغلبيَّة 49 صوتاً مقابل 45 صوتاً، مرغمين الحكومة على الاستقالة. وبعد خمسة أيام في تاريخ الاستقالة (أي 15 نوفمبر 1955م)، طلب رئيس المجلس اختيار رئيس للوزارة الجديدة، فكان هناك مرشحان هما: إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء المستقيل، وميرغني حمزة مرشح الأحزاب المعارضة. وبعد أجراء الاقتراع فاز الأزهري بأغلبيَّة 49 صوتاً مقابل 45 صوتاً نالها منافسه ميرغني حمزة. علَّق الدكتور إبراهيم حاج موسى على هذه السابقة السياسيَّة، بقوله: "ومن الغريب حقاً أن يمنح مجلس النواب ثقته للرجل الذي سبق أن سحبها منه قبل يومين فقط. لا شك في أن ذلك يرجع إلى الصراع الحزبي الذي استحكم في تلك الفترة، وأن كل حزب كان يسعى بكل جهد وبشتى الطرق لكسب النواب إلى جانبه." ومن بين تلك الطرق كان لقاء السيِّدين، الذي عُقد في 14 ديسمبر 1955م، مؤكداً بأن الطرفين "مصممان على العمل لخير السُّودان، وسعادته، وحريته، والسيادة الكاملة"، وذلك بتكوين حكومة قوميَّة من جميع الأحزاب، عِوضاً عن تلك الحكومة الاتحاديَّة. ويرى محمد أحمد محجوب أن ذلك اللقاء الثنائي كان "أعظم كارثة مُنيَ بها تاريخ السياسة السُّودانيَّة، [حيث] سعى عدوان لدودان مدى الحياة، بدافع الجشع والتهافت على السُّلطة والغرور والمصلحة الشخصيَّة إلى السيطرة على الميدان السياسي." وبهذا الاتهام حاول محجوب أن يبرئ ساحة النُخْبَة السياسيَّة التي كانت وراء لقاء السيدين؛ بهدف تصفيَّة خصوماتها السياسيَّة. ويشهد على ذلك الدرديري محمد عثمان، القائل: بأن الله قد وفقه أن يجمع السيدين في "لقاء تاريخي ... غيَّر إلى حد كبير من مجرى الحوادث في السُّودان، ووجهها وجهة لم تكن في حسبان أكثر المراقبين دقة، حتى قال بعض الساسة الإنجليز الذين كانوا بالسُّودان، لقد تحققت أحدى المعجزات بالسُّودان بالتقاء السيدين."
إلا أنَّ الأزهري لم يقف مكتوف الأيدي أمام تلك المناورات السياسيَّة، بل فاجأ الأحزاب في البرلمان، عندما أعلن أن مهمة حكومته قد انتهت بإتمام السودنة، واتمام الجلاء، ولم يبق أمامه إلا إعلان الاستقلال "من داخل المجلس يوم الاثنين القادم إن شاء الله، وأرجو ألا يفوت حضرات نواب هذا المجلس الموقر حكومة ومعارضة قطاف هذه الثمار الدانيَّة، وأرجو أن يقدموا عليه، ويقروه بكل قوة وشجاعة." وبتلك الخطوة مدد عمر حكومته المحاصرة سياسياً إلى حين أعلن الاستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955م، بنص توافقي مفاده: "نحن أعضاء مجلس النواب في البرلمان نعلن باسم الشعب السُّوداني أن السُّودان قد أصبح دولة مستقلة كاملة السيادة، ونرجو من معاليكم [أي الحاكم العام] أن تطلبوا من دولتي الحكم الثنائي الاعتراف بهذا الإعلان فوراً."
وقد أجاز مجلس الشيوخ هذا الإعلان، وشدد على ضرورة العمل به. وفي ضوء ذلك الإعلان أعلنت الحكومتان المصريَّة والبريطانيَّة في أول يناير 1956م اعترافهما باستقلال السُّودان، وأملهما أن تَرعى الحكومة السُّودانيَّة الاتفاقات والمعاهدات والمواثيق التي عقدتها دولتا الحكم الثنائي نيابة عن السُّودان، وتطبقها حسب مقتضى النصوص المتفق عليها. وبهذا الاعتراف أُنزل العلمان البريطاني والمصري من واجهة سراي الحاكم العام (القصر الجمهوري حالياً)، ورُفع علم السُّودان ذو الألوان الثلاثة: الأزرق والأصفر والأخضر على واجهة القصر الجمهوري إيذاناً بإعلان ميلاد عهد جديد من الحريَّة والديمُقراطيَّة في السُّودان.
وبعد إعلان الاستقلال أذعن الأزهري إلى ضغوط حزبي الأمة والختميَّة، مكوناً حكومة قوميَّة من حزب الأمة والوطني الاتحادي والاستقلال الجمهوري في 2 فبراير 1956م؛ إلا أنها لم تصمد طويلاً، بعد أعلن الاستقلاليون الجمهوريون والاتحاديون الوحدويون تأسيس حزب الشعب الديمقراطي في يونيو 1956م. ثم بعد ذلك سعوا إلى إسقاط حكومة الأزهري، وتكوين حكومة ائتلافيَّة مع حزب الأمة في 4 يوليو 1956م، تحت قيادة عبد الله خليل، السكرتير العام لحزب الأمة. وصف بيتر هولت حكومة حزبي الأمة والشعب الديمقراطي: "بأنها ائتلاف مصطنع، وذو طابع انتهازي؛ لأن طرفاه اتفقا فقط على خلع أزهري ومؤيديه من الوطني الاتحادي عن دست الحكم، دون أن يحققا أدنى اتفاق حول الأمور السياسيَّة الهامة." وكرد فعل لهذه الخطوة كوَّن الحزب الوطني الاتحادي جبهةً وطنيَّة مع الحزب الشيوعي السُّوداني، واتحاد نقابات العمال، واتحاد المزارعين، واتحاد الطلاب، والحزب الفيدرالي الجنوبي ضد "حكومة السيدين"، رافعاً شعار "لا قداسة في السياسة". وتعقد المشهد السياسي أيضاً بموقف الكتلة الجنوبيَّة التي شرطت تعاونها مع حكومة الخرطوم بقيام نظام فيدرالي لحكم جنوب السُّودان. ويؤكد ذلك قول الأب سترنينو لا هوري أمام البرلمان السُّوداني في يونيو 1957م: "إنَّ الجنوب لا ينوي الانفصال عن الشمال كهدف بحدِّ ذاته، بل يريد أن يعيش في ظل وحدة فدراليَّة بكامل إرادتها، ولكن الجنوب سينفصل عن الشمال حتماً بسبب الأعمال والتصرفات غير المسؤولة التي يقوم بها السياسيون الشماليون."
لا غرو أن حكومة الوطني الاتحادي أفلحت في تحقيق الاستقلال بمساندة المعارضة من داخل البرلمان، وأيضاً حققت جلاء القوات الأجنبيَّة، وسودنة الوظائف المفتاحيَّة في الدولة، بالرغم من الطعن في عدالتها التمثيليَّة لأبناء المديريات المختلفة ومهنيتها من حيث الكفاءة والخبرة؛ ولكن الصراعات الحزبيَّة داخل البرلمان وخارجه قد صرفت الأعضاء البرلمانيين عن إجازة الدستور الدائم، وعن معالجة مطلب الكتلة الجنوبيَّة المناديَّة بقيام نظام فيدرالي في جنوب السُّودان. "ولذلك أضحى البرلمان بمجلسيه مسرحاً للمناورات الحزبيَّة، ومحاولة للاستيلاء على السلطة، والتعبير عن مصالح الطبقة الغنيَّة في البلاد، أو إن شئت فقل المصالح الرأسماليَّة والاقطاعيَّة." وأخيراً تبلور حصاد هذه الصراعات في عجز الحكومات الاتحاديَّة عن تنفيذ الوعود التي قطعتها مع الناخبين أثناء الحملة الانتخابيَّة وداخل قبة البرلمان.
++++
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1609

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1475736 [السماك]
0.00/5 (0 صوت)

06-14-2016 01:02 PM
عندما قرأت عمليات الإرتباط وفك الإرتباط والتحالفات ونقض التحالفات بين الأحزاب لا لهدف سوى إسقاط حكومة الحزب الفلاني من الحكم من باب المكايدة المجردة وحب الصعود للسلطة .. شعرت وكأنني أقرأ عن أطفال يلعبون لعبة كراسي أو شليل أو جر حبل ..

يتضح لك مما سردت لماذا بقي السوداني خلف الشعوب يسير القهقري بينما الشعوب الأخرى تسير إلى الأمام .. عرفت دور الطائفية الشمالية في كل ذلك .. والغريبة أن نفس الشمالية ظلوا يكنكشون إلى اليوم في السلطة إما بإنقلاب عسكري أو ديمقراطية مزيفة تتفاعل مع صناديق الإقتراع بإشارة من أصبع العباءة الطائفية!! ..

والله شيء يحير .. أحد كتاب الأعمدة بالراكوبة الغراء ويسمى مين مدني ويقيم في أستراليا كتب مرة في عموده أن توحيد الحزب الإتحادي هو ضمان قيام الديمقراطية في السودان !! ..

يعني أستاذنا مدني أن الديمقراطية ضمانها أن يأتي أحد أبناء أو أحفاد على الميرغني ويجلس بعباءته وقد فاز بالإنتخابات عن طريق الإشارة ليأتي البروفسورات والدكاترة لتقبيل يده ليحظوا بوزارة أو مديرية عامة أو حاكم ولاية أو أي وظيفة عامة!!!

يعني نرجع لنفس الفلم الذي أعطيتنا مناظره في مقالك هذا .. وأستاذنا مدني لم يدرك بعد الدهليز الذي يسوق السوداني إليه بدعوته للطائفية الصوفية أن تعود للحكم باسم الديمقراطية !!! نخلة في الدنيا .. نخلة في الجنة !!

[السماك]

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة