المقالات
السياسة
أكاديميتي وأنا أجزي بها: عبد الله خليل والكبريت أبو مفتاح الشيوعي (5-8)
أكاديميتي وأنا أجزي بها: عبد الله خليل والكبريت أبو مفتاح الشيوعي (5-8)
06-14-2016 11:43 PM


وفي حديث ابن عباس: قيل له ما هذه الفُتْيا التي شَغَبَتْ في الناسِ؟ الشَّغْبُ، بسكون الغين: تَهْيِـيجُ الشَّرِّ والفِتْنَةِ والخِصام، والعامَّة تَفْتَحُها؛ تقولُ: شَغَبْتُهم، وبهم، وفيهم، وعليهم.
مقدمة
تعرضت بعد نشري للحلقة الثالثة والعشرين من مخطوطتي " . . . ومنصور خالد" في مجلة الخرطوم الجديدة في 2005 وما بعدها وفي الأسافير لحملة جاهلة طعنت في مصداقيتي الأكاديمية. وكنت عرضت في هذه الحلقة لوثيقة تحصلت عليها كشفت عن علاقة "قوالة"، كما وصفتها، بين منصور خالد، الطالب بكلية الخرطوم الجامعية وقتها، والمخابرات الأمريكية في 1953 عن طريق مكتب الاتصال الأمريكي. وجدت هذه الوثيقة في دوسيه بين مستودعات وزارة الخارجية الأمريكية بدار الوثائق الأمريكية بكولدج بارك بولاية مريلاند. واشتمل الدوسيه على تقارير عن النشاط الشيوعي في الفترة ما بين فبراير 1953 وسبتمبر 1954. ولكن مادة 1953 أغزر. وكان من بعث بهذه التقارير إلى وزارة الخارجية الأمريكية هو مكتب الاتصال الأمريكي بالخرطوم قبل أن تكون لأمريكا سفارة بعد استقلال السودان في 1956.
وساء هذا الكشف عن وثيقة "قوالة" منصور شيعة منصور وتكأكأوا عليّ في سودانيزأونلاين تكأكأهم على ذي جنة يخطئون كشفي وحيثياته يميناً وشمالاً. ولم يتفقوا على خطأ قراءتي في زعمهم للوثيقة فحسب، بل أقبل بعضهم على بعض بالتهنئة لأنهم ردوني عن الافتئات على منصور.
وسيأخذنا تجديد النظر في "قوالة" منصور، على ضوء طعن الطاعنين في سداد منهجي، إلى تعريفات وأعراف ومنشآت في الاستخبارات الأمريكية خاض فيها نقدتي بغير علم.
رددنا على الشائنين في الحلقات الماضية على ما يلي من قولهم:
1-إن جون سويني، مدير مكتب الاتصال الأمريكي في 1953، الذي احتك به منصور كان دبلوماسياً مهنياً. وكشفنا أنه من أصول استخباراتية استعانت به وزارة الخارجية كما وضحنا.
2-وبيّنا أن حملة الدكتوراه في أمريكا مثل سويني خدموا مخابرات بلدهم بامتياز خلافاً لزعم شيعة منصور.
3-وقمنا بالتفريق بين الرسالة الدبلوماسية وتقرير الاستخبارات لنرد على شيعة منصور التي زعمت أن ما أدلى به منصور لسويني كان لرسالة دبلوماسية لا لتقرير استخبارات.
وسنوالي هنا بيان حجتنا أن التقارير الأربعة عشر في دوسيه النشاط الشيوعي في السودان، التي حوي واحدها قوالة منصور، هي شغل مخابراتي لا يمت بصلة للرسالة الدبلوماسية التقليدية. فإلى الحلقة الجديدة:

التصنيف: الوثيقة المخابراتية
نتناول الآن تقرير الاستخبارات والرسالة الدبلوماسية من حيث تصنيفهما لجهة السرية والتداول. فوجدت الرسالة تختلف عن تقارير الاستخبارات، وإن كان لكليهما نفس الفورمات، في ثلاثة. فتصنيفها من حيث الحفظ والصون خلا من كلمة "معلومات" التي هي صفة لازمة في تقرير المخابرات. فالرسائل صُنِّفت، متى صُنفت، إما "Secret " (سرية) أو " Limited official use " (تداولها مقتصر). فهي بهذا لا تُعامل كمعلومات متصعدة في السلم الاستخباراتي الذي سنوضحه فيما بعد بل كخبر وتحليل تام ناجز. أي أنها ليست مادة خام تنتظر مضاهاة ومقارنة وتحليل لتصبح تقرير استخبارات مكتمل بيد وكالة استخباراتية في طور لاحق. أما الفرق الثاني فرسائل الدبلوماسية، خلافاً للتقرير الاستخباراتي، لا تذيل بقائمة "مصادر المعلومات" التي ترد فيها أسماء من حصلت الاستخبارات منهم على المعلومات، وتعريف موجز بهم، كما سنرى في حالة تقرير "قوالة" منصور. ومثل هذه القائمة تدخل في تحليل المادة لأن مصداقيتها قائمة في صدقية من أدلى بها من حيث خبرته وتأهيله وملامسته لبيئة تلك المادة عن كثب. أما وجه الخلاف الثالث بين التقرير والرسالة فهو أن طقوس تأمين الوثيقة المخابراتية أكثر دقة من الرسالة. فهي تخضع لأربعة تصنيفات من جهة سريتها ودائرة تداولها. وهذه التصنيفات متدرجة في التشدد في السرية فآخرها أشد كتماناً من أولها:
Confidential security information -1- معلومات للصون
-2-(Secret Information) معلومات سرية
Top secret-3- سري للغاية
Special Compartmented Information -4- معلومات الخاصة المجزءة
. فكل التقارير الموصوفة من دوسيه الحزب الشيوعي موضوع نظرنا مصنفة بصفة للسرية والتداول ما عدا التقرير رقم 10 الذي اعتمد على مقالات الصحف عن مزارعي مشروع الجزيرة. بل تجد حتى ملاحق هذه التقارير المخدومة استخبارياً مصنفة كذلك. فوجدت ثلاثة من التقارير واقعة تحت التصنيف الأول وهو confidential security information (معلومات للصون) والداعي لمثل سريتها أنه من الممكن أن تحدث خسارة للأمن الوطني متى كشفت. ثم وجدت أكثرها، ثمان تقارير، مصنفة في المرتبة الثانية من جهة السرية وهي (Secret Information) (معلومات سرية) التي من شأن الكشف عنها لغير أهل الشأن أن يحدث خسارة جدية للأمن الوطني. ولم أجد في ما بين يدي من التقارير المرتبة الثالثة وهي سري للغاية (Top Secret, IS) التي من شأن الكشف عن مثلها لغير أهل الشأن أن يحدث خسارة استثنائية للأمن الوطني. وكذلك لم أجد التصنيف الغاية في السرية الرابع وهو المعلومات الخاصة المجزءة (Special Compartmented Information). وهي الأسرار الأكثر حساسية في الولايات المتحدة . وإلى جانب هذه التصانيف المعتمدة، وجدت أخرى مثل "محدود التداول (Restricted Security information) مرة واحدة، و"تداوله مقتصر" (Limited official Use) مرة واحدة كذلك. وتراوحت ملاحق التقارير التي تحت نظرنا بين التصنيف الأول والثاني أو اقتصار التداول. أما مادة الصحف والقوانين الصادرة في الغازيته الرسمية أو غيرها فهي بلا تصنيف.
طالما كان شاغل التقرير الاستخباراتي التربص بمسألة موضوعة على أجندة الاستخبار فهو يبني، خلافاً للرسالة الدبلوماسية، على تقارير استخبارات سلفت بقوة. من ذلك عثوري بين هذه التقارير لرسالة من جون كافري، السفير الأمريكي بالقاهرة (أول مايو 1951) لها نفس تبويب الرسالة الاستخباراتية تقريباً عن الشيوعية في السودان ومرفقة هي نفسها بتقارير من استخبارات للسكرتير الإداري لحكومة السودان تعود إلى 10 سبتمبر 1949 ثم جرى تحريرها وتجديدها في 22 أكتوبر 1950 . وما ميز رسالة السفير كافري هو تحويلها لعناية السفارة الأمريكية في موسكو أيضاً. ويبني تقرير الاستخبارات خلافاً للرسالة الدبلوماسية على ما سبقه، ويحسن النظر في المادة التي سلفت (8 أغسطس 1953)، ويزيل اللبس. مثلاً، وجد الضابط المبلغ أنه لا أساس لما جاء قبلاً من أن الشيوعيين يتمولون بمال يأتيهم في صناديق كبريت وغيرها من روسيا أو تشيكوسلوفاكيا. وكان عبد الله خليل البيه هو الذي سبق له القول بمثل هذا التمويل وقال البيه لمكتب الاتصال إنه توصل إليه بعد بحث وتحري (8 أغسطس 1953). ويصحح التقرير ما سبق مثل قوله إنه ورد خطأ أن قاسم أمين "نقابي من الممرضين" في حين أنه ضابط نقابة السكة حديد (8 أغسطس 1953).
وتجد أصداء من معرفة في هذه التقارير بتحركات أجهزة استخبارات أخرى. فالديب، القيادي في البوليس السياسي، نقل للأمريكان نشاط وكالة MI5 الاستخباراتية البريطانية في محاربة الشيوعية السودانية بمراقبة شيوعيّ السودان في أسفارهم بالخارج. وكانت الصلة بين مكتب الديب والمخابرات البريطانية تتم في قنال السويس. وجرت مراقبة الشيوعيين السودانيين في مصر عبر الاستخبارات البريطانية. بل حركت هذه المخابرات قانون محاربة الشيوعية الذي أجازه المجلس التنفيذي للجمعية التشريعية بإضافة منظمات أخرى إلى دائرة الحظر وهي وفدي (اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي)، واتحاد النساء الديمقراطيات، واتحاد الطلاب العالمي. وهذا ما أخبر به عبد الله خليل، عضو المجلس التنفيذي للجمعية التشريعية، مكتب الاتصال. ونقل الديب أن ج أي إلّيوت هو مندوب المخابرات البريطانية وجاء من عدن لإنشاء مكتب ل MI5 برئاسة الشرطة بالخرطوم. وخطته، كما رسمها، هي أن يداوم المجيء من عدن للتعرف على الوضع. وواضح أنه استبدل من ورد اسمه ك"سايمز" الذي ربما كان رجلهم في عدن من قبل. ومن الطريف أن إلّيوت أوصى الديب ألا يكشف عن وجوده بالخرطوم لمكتب الاتصال الأمريكي. وذكرت الرسالة أن عبد الله خليل عارض في المجلس التنفيذي سياسة الحكومة للمجيء بإلّيوت ومكتبه إلى السودان وأثناها عن ذلك (8 أغسطس 1953). وفي رسالة لاحقة أخبر الديب الضابط المبلغ في مكتب الاتصال أن ذلك القانون لم يصدر عن مكتبه إذا كان للمخابرات البريطانية ضلع فيه. فهم لم يأخذوا بمشروع قانونه. وجاء إلّيوت ووصى بقانون أقسى مما أقترح الديب (4 نوفمبر 1953).
ومن أبواب التنسيق بين مكتب الاتصال مع البوليس السياسي في السودان تزويد الضابط المبلغ بمكتب الاتصال الأمريكي بمقال من مجلة للكومنفورم الشيوعية ضبطتها شرطة السودان في البريد علق على تحركات وأوضاع مزارعي السودان، ثم بنسخ من جريدة "اللواء الأحمر"، كما أطّلع الضابط المبلغ الأمريكي على فايلات البوليس السياسي (12 سبتمبر 1953). وتذكر التقارير أيضاً أخبار البوليس السياسي مثل تعيين أحمد حسين مديراً له وابتعاثه إلى عدن للتدريب على محاربة الشيوعية (10 سبتمبر 1953).
متى نظرت في "قائمة المصادر للمعلومات" لهذه التقارير عن الشيوعية السودانية التي موضوع نظرنا وجدتها غطت عناصر في كل الجبهات التي للشيوعيين همة فيها. فتجد من وُصف بأنه أخبر عن شيوعيين بعينهم. أما منصور فوصف بأنه مدهم بمعلومات عن الطلبة. ثم أعيدت مادته للتعريف بالشيوعيين الذين أخبر عن أسفارهم (وهما محمد إبراهيم نقد وأبو) في الكشف الوارد عن السودانيين المرتبطين بالشيوعية. وجاء في القائمة تعريف نقد بأنه من أقرباء الدرديري نقد بالحزب الجمهوري الاشتراكي. وقالت عن الأمين أبو "لا شك أنه شيوعي" بشهادة منصور خالد (8 أغسطس 1953).
وفي الحلقة القادمة نرد على من قالوا من شغّابة منصور إن خبر سفر نقد وأبو وبعثتهما إلى أوربا الشرقية معلومة هينة لا خطر استخباراتي منها.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2276

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عبد الله علي إبراهيم
د. عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة