04-03-2011 11:54 AM

بشفافية

حبيبي أفتي لي وأنا أفتي ليك

حيدر المكاشفي

في واحدة من أشباه المدن الكردفانية - لا هي بادية بداوتها تبدو ولا هي بندر-، كان لنفر من علية قومها ممن يعتبرون أهل الحل والعقد فيها مجلس دائم يعقدونه كل نهار تحت شجرة النيم الضخمة التي تتوسط السوق، وبعد أن تدور عليهم أكواب الشاي والقهوة ويكملوا متعتهم واسترخاءتهم بمشروب «القدو قدو» يبدأون في التسامر والتحاور والتداول حول شتى الشؤون، من الغارقة في المحلية وإلى الموغلة في العالمية التي يلتقطونها من إذاعة البي بي سي، أقال الله عثرتها، المدينة كانت من أشباه المدن ومثلها كان هذا النفر، أشباه مثقفين وأنصاف متعلمين وادعياء أدب ومدعي تفقه في الدين، ثار مرة بينهم غُلاط حول استحلال أو حرمة لحم «كلدينق أبو صلعة» وهو نوع من الصقور يعيش على القمامة والجيف، بعضهم حرّمه وبعضهم استحلّه ولكن دون أن يأتي أي فريق بدليل، ولحسم الغلاط حكّموا أكثرهم إدعاءً بالفقه وكان من عادته ألا يخوض معهم في أي غلاط حول أي أمر ديني انتظاراً لأخذ الرأي الفيصل والنهائي في ما اختلفوا فيه منه، قال الرجل وقد ملأه الزهو والغرور، بالقطع حلال واستطرد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل لحم الطير حلال إلا الذي في بطنه عيال» و«كلدينق» يبيض ولا يحيض، ويفقس ولا يلد....
ومن الطرائف التي تُروى عن أحد المشايخ الذين يقدمون برامج فقهية ودعوية بتلفزيونات بلادهم، أن أحد المشاهدين سأله مرة عن هل يجوز أكل لحم البطريق، وكان السائل جاداً، فكر الشيخ ودبر ثم نظر وبسر وأخيراً استقبل الكاميرا وقال مبتسماً «إذا لقيته فكله»....
قال الامام مالك رحمه الله ، ما شئ أشد عليَّ من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام، لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا وأن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا يشتهون الكلام فيه والفتيا، كان ذلك في زمان الامام مالك فما عساه يقول في زماننا هذا الذي تكاثرت فيه الفتاوى وتقاطعت وتضاربت حول المسألة الواحدة، كالذي حدث أخيراً عندنا بين مجمع الفقه الذي أفتى بحرمة «سيارة زين» التي تطرحها في مسابقة على الجمهور، وهيئة علماء السودان التي أباحتها، هذا غير سيل الفتاوى الذي لم ينفك ينهمر وليته كان في شؤون ذات بال، فغالبه للأسف من عينة «ما حكم صلاة من توضأ للصلاة وهو يحمل قربة فُساء على ظهره»، يقتلون القضايا الكبرى بالتحاشي والتجاهل وينشطون في الصغائر مثل الذين أطبقوا على سيدنا الحسين فقتلوه ثم طفقوا يسألون عن دم البعوض، فمالهم بالله بسفر الرئيس حتى يحشدوا له ليحوشوه عنه، فهل سفر الرئيس أمر ديني يُفتى فيه أم أنه أمر دنيا تُحسب حساباته الأمنية وتُدرس جدواه الديبلوماسية، ما ضرهم بالله حتى لو استفتوا فيه إن قالوا لا ندري أنتم أعلم بأمور دنياكم، هذه الفتوى التي كان يسعد بها ابن عمر رضى الله عنهما أيما سعادة، فمن قال لا أدري فقد أفتى، والعلم ثلاثة «كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري»....
إن استسهال اصدار الفتاوى على طريقة «حبيبي أكتب لي وأنا أكتب ليك بالحاصل بي والحاصل ليك»، فتاوى تنسخ فتاوى، وفتاوى تتقاطع وتتعارض مع أخرى، لن يورث الأمة شئ غير الفتن، ويزيد من خطورة الأمر تعدد المنابر والجهات التي تنطلق منها هذه الفتاوى، من وسائل الاعلام ومنابر المساجد وإلى الهواتف المحمولة، ومن التنظيمات والهيئات وإلى المجمعات، فما أدعى ذلك إلى التفرق والتشرذم والافتتان إن لم تصدر هذه الفتاوى من جهة واحدة مؤهلة ديناً ودنيا لابراز الوجه الحقيقي للاسلام ببعده الحضاري والوسطي والتنويري....

الصحافة


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2630

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#121961 [Abu Abdallah]
0.00/5 (0 صوت)

04-04-2011 10:14 AM
كل من لبس جلباب قصير وساعه فى يده اليمنى واطلق اللحيه يفتى كما يشاء ، الحكومه منحت لهم الفضائيات وهم يبثون الفتنه .


#121801 [Zingar]
0.00/5 (0 صوت)

04-04-2011 12:46 AM
تعرف يا أخ حيدر العوالم بتاعننا أللى فى السودان أذا أفتوا فى حاجه أنا شخصيا بمشى عكسها مش لو لحومهم مسمومه اللهم الا لو أفتوا لى فى دق الظار ودق التنك ودق الدلوكه عند الرجال.


#121541 [Saif AlHagg]
0.00/5 (0 صوت)

04-03-2011 01:31 PM
هل سمعت بفقه اسمه \"فقه الحيل\" سيقولوا لك ان فى اختلاف راى العلماء لرحمة
فهذا ديدن الكيزان ان يجعلوا الدين كشراب اى واحد كوز يمكن يشيل منو ---
ان الله يمهل ولايهمل لهذا العبث وقل من كان فى الضلالة فاليمدد له الرحمن مدا


#121524 [خالد مبارك]
0.00/5 (0 صوت)

04-03-2011 01:01 PM
كلهم جهلة بالدين والسياسة والتاريخ.... رحم الله الشهيد الاستاذ محمود محمد طه....


#121504 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

04-03-2011 12:22 PM
كثرت \" مجموعات الضغط\" الدينية التي يكونها الحزب الحاكم، و منهج عملها تماما مثل منهج الحكم الحاكم: هو تضارب الفتاوي كما تتضارب تصريحات \" مسئولي\" الحزب، و ذلك حتي ينشغل الناس بالتفسير و التاويل و التحليل في ايها الخطأ و ايها الصواب... و الاسلامويين مشهورون بحبهم للاباك و زعزعة يقين الناس حتي يسودوا، و الاجتهاد في الدين عندهم \" هواية\" باعتبار ان من اجتهد و اصاب فله اجران و من اجتهد و اخطأ فله اجر، ناسين ان الاجتهاد له من الشروط و المقومات ما يحصره عند فئة قليلة من اهل العلم \" و اهل العلم هؤلاء هم من يعلمون و يتقون الله فيما يفعلون و يقولون و نفوسهم مبرأة من اغراض السياسة و ممالأة الحاكمين و بطونهم خاوية من مال السلطان و وظائف الرشوة\"
الفتوي عمل ضروري لتستقيم حياة الامة و تعمل علي بصيرة من دينها، و من \" نوادي \" الفتاوي و العلماء التي نراها في سودان المشروع الحضاري نقول ان كل تلك \" الاندية\" و الجمعيات غير مؤهلة للفتوي لان الفصل في امر الفتوي ليس الشهادات الاكاديمة انما شهادات تزكية النفوس من الغرض و الهوي و مداهنة الحكام.


حيدر المكاشفي
حيدر المكاشفي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة