المقالات
السياسة
رحيل المفكر السوداني محمد علي جادين
رحيل المفكر السوداني محمد علي جادين
06-19-2016 09:14 PM


نخشى أن يكون رحيل المفكر السوداني محمد علي جادين ... رحيل آخر القمم الإنسانية السودانية.

كان المفكر الكبير محمد علي جادين إستثنائيا في كل شيء ... فهو خصم شريف لا يستخدم الوسائل الدنيوية الدنيئة للوصول للغايات النبيلة ... لم يكن جادين عقائديا أي من أرباب العقائد الذين يتشبهون بالسلفيين الذين ينقلون إلي الناس ما في بطون الكتب التي ألفها غيرهم دون تمحيص و دون إعمال للعقل. و لم يكن محمد علي جادين يعمل تحت رهن إشارة القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي قبيل حدوث الانقسامات الأخيرة التي قادها تياران ... تيار منطلق من أرضية سودانية يتزعمه الراحل جادين و آخر منطلق من أرضية عربية خالصة لها قيادة خارج الحدود السودانية المتعارف عليها يتزعمها آخرون .

كان محمد علي جادين مناضلا لا يعرف للمساومة على المبادئ التي وهب حياته لها سبيلا. لذلك صادرت العصبة أولى البأس ممتلكاته القليلة المتمثلة في عربة بوكس و لم تعدها إليه إلي أن غادر الفانية إلي رحاب ربه راضيا مرضيا.

لم يسخر جادين قلمه لكتابة التقارير البوليسية التي يجيدها أرباب العقائد لكي يأكلوا من ورائها العيش الحرام و إنما سخر قلمه للبحث عن الحقيقة و عن إعمال الفكر و التثاقف و قبول الآخر السوداني و الآخر الغير سوداني.

كان جادين مترجما أمينا لم يعرف لخيانة النص سبيلا لذلك ترجم الكثير من الأفكار التي طرحها على الساحة السياسية السودانية المفكر السوداني الراحل الدكتور جون قرنق ... و قد إستمتع السودانيون بتلك التراجم وهي رصيد كبير من الفكر تركه جادين للأجيال القادمة من باب عسى و لعل.

كان جادين صحفيا حرا لا يمكن أن يشتري أي كان قلمه بمال الدنيا كلها لذلك لم يكن حاضرا في مؤتمر الاعلاميين السودانيين العاملين في الخارج ذلك المؤتمر الذي دعمه سيء الذكر نافع علي نافع والذي تدافع لحضوره عدد كبير من اعلاميي الداخل كما لبى النداء إليه و طاف حوله أسوة بالكعبة صحفيون ( كبار ) يسكنون في دول أوربية تحترم إنسانية الإنسان و بإسم كتم الحريات.

لقد قاطع جادين ذلك المؤتمر الذي تولى أمره د. نافع علي نافع و سجل بإسمه موقفا تاريخيا نادر الوجود في السودان لأننا أمة تعاني من وجود الرموز .لذا كان جادين رمزا من الرموز السودانية الخالدة أسوة بشيخ الشهداء المفكر الأستاذ محمود محمد طه الرمز الغائب الحاضر و أسوة بغيره من الرموز النادرة .

كان جادين في أمتنا منذ الأزل و سيظل بيننا إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها .

و برحيله لابد للسودانيين من تحسس قلوبهم لأنها افتقدت إنسانا سودانيا مخلصا لوطنه و لقضية شعبه السوداني قبل أي شيء آخر. لذا مات واقفا و شامخا شموخ بعانخي و تهارقا و آدم أم دبالو و علي دينار و علي عبد اللطيف و محمود محمد طه و عبد الخالق محجوب و حواء الطقطاقة و القائمة تطول.

لم يقل جادين للسودانيين / ات إني أمي دينكايوية لكي يقف موقفا أخلاقيا مع قضية السودانيين في الجنوب الذي بتره الأمويون الجدد ... كما أنه لم يقل للسودانيين في شمال السودان إني جدتي لأبي نوبية لذلك لا لطمس التراث السوداني التليد في شمال السودان بإسم تشييد السدود. فضلا عن أنه لم يقل للسودانيين / ات في دارفور إن جدي الثاني عشر دارفوريا لكي يقول للطغاة لا لقتل و إغتصاب و سحل و تطهير الأبرياء في دارفور. فقد كان جادين متقدما للصفوف منذ اليوم الأول للأزمة لاعتزازه بسودانيته و لأنه يعلم علم اليقين بأن السودانيين كلهم أهله و أن منهم الصالح و الطالح و في جميع أنحاء السودان. فلم يكن من المنطق في شيء أن يكون سكان إقليم كامل في السودان من المجرمين أو من الملائكة. و هكذا عرف جادين القضية السودانية و نادى بملاحقة المجرمين السودانيين أينما قطنوا في السودان سواء كانوا دارفوريين و سكان وسط و سكان الشمالية ...إلخ. فما دام المجتمع الدولي وقف بجانب الضحايا في أي من أقاليم السودان فإن الواجب الأخلاقي يحتم على السودانيين الوقوف مع بعضهم البعض في السراء و الضراء دون ذكر الإنتساب لأي من القبائل السودانية التي تجاوزها التاريخ الإنساني المعاصر أو دون الإنتساب لأي من الأقاليم السودانية لعدم جدوى هذا التنظير المليان كلام فارغ إن أصبح ذلك التنظير برنامجا سياسيا للتغيير .

نعزي أنفسنا و نعزي الرفاق في حزب البعث السوداني الذي حمل رأيته المناضل الكبير المفكر العظيم محمد علي جادين.

و لله ما أعطى و لله ما أخذ ... و طوبى لجادين في ديار الخلد ... و إنا للسودانيين أناس مخلصون لقضاياهم الكبيرة. و كان جادين من المخلصين و من الحواريين الكبار لأمهات القضايا السودانية ... فارق لا تلم و نحن أمة مكتوب عليها أن تعيش الألم تلو الألم و الحزن تلو الحزن. فقد فقدنا الكثير من الكواكب التي ذهبت إلي الدار الآخرة كالنيازك و في النفس شيء من حتي. فقد رحل عنا معظم الذين ناضلوا من أجل غد جديد دون أن يروا بزوغ فجر ذلك اليوم. و إنه لأمر محزن أن الدوائر لم تدر على الباغي و لكنها دارت على جادين و على رفاقه الميامين. و إذا ما عرف سبب دوران الدوائر على جادين و صحبه بطل العجب.

الله غالب و لن ينصلح حالنا و نحن في هذه الحالة من التوهان ومن اللامواقف و اللامباديء إلا من رحم ربي.


برير إسماعيل يوسف

19 يونيو 2016 ميلادية

كاردف - المملكة المتحدة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2003

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1479080 [Mohammed elmekki]
0.00/5 (0 صوت)

06-22-2016 11:59 AM
I do agree and like your mention of Ustaz Mahmoud in the same breath with the dear departed thinker,Jadain.One defined Sudanese Islam and the other defined Sudanese Arabism in
satisfactory terms.

[Mohammed elmekki]

#1478080 [محمد احمد]
0.00/5 (0 صوت)

06-20-2016 05:01 AM
رحم الله محمد علي جادين وانا لله وانا اليه راجعون.. اما ان اراد الناعي البعد عن رموز الدين وعمد الي اقنباس غريب ينعي به محمد -لله ما أعطى و لله ما أخذ ... و طوبى لجادين في ديار الخلد!!- فـحري به البعد عن كل الاديان الا ان كانت بشارة عيسي ليست دينا عنده

[محمد احمد]

#1477991 [حمزة على]
0.00/5 (0 صوت)

06-19-2016 10:39 PM
صدمنا وفجعنا برحيل المناضل والمفكر الكبير محمد على جادين عرف الفقيد بعفة اللسان واليد وخرج من هذه الدنيا كما دخل فيها عفيف نظيف طاهر زاهد باسم الثغر وضاح المحيا ومايحزن ويمزق القلب ان الفقيد قد رحل من هذه الفانية وفى حلقة غصة من الظلم وفى نفسه الم مما ال له الحال فى وطنة الذى احبة ونذر له علمه وجهده وعمره رحم الله فقيد الوطن رحم الله المضال الصامت رافع راية الحق فى وجه الظالمين والتى ماسقطت حتى فاضت روحة الطاهرة النقية الى جنات الخلد محمد على وللوطن حسن العزاء...

[حمزة على]

برير إسماعيل يوسف
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة