المقالات
السياسة
الجامعة العربية: هل تكون "شاهد ملك" ؟ ..
الجامعة العربية: هل تكون "شاهد ملك" ؟ ..
06-23-2016 10:18 PM


(1)
أرجو أن لا تُرمى عليّ التهم بأني متحامل على الجامعة العربية، إن أوجزت وصفاً لها أنها محض "شاهد ملك" في محكمة التاريخ. و"شاهد ملك" هو مصطلح يستعمل للدلالة على الشخص الذي يعترف بمشاركته في فعل إجرامي ويشهد على الجناة الحقيقيين، فيثاب على اعترافاته بأن يعفى من العقاب. والجامعة العربية التي تجاوز عمرها السبعين عاما، قد شهدت وقائع ما دار في منطقة الشرق الأوسط، على مدى حقبتين تاريخيتين عاشهما العالم، فهل هي "شاهد ملك" يا ترى..؟
(2)
الحقبة الأولى التي عاشتها الجامعة العربية، هي حقبة "الحرب الباردة" التي تميّزت بالتوازن بين قطبين قويين، فيما بقية أطراف المجتمع الدولي بقيت على حياد خجول بينهما، وحملت توصيفات سياسية واقتصادية، شاعت في تلك السنوات، مثل تعبيرات "العالم الثالث" و مجموعة "دول عدم الانحياز" ومجموعة "الدول الأفريقية والكاريبية والباسيفيكية "(ACP) ومجموعة "دول الـ77"، ومثيلاتها من التعبيرات، التي عكست الجنوح لإنشاء تكتلات تستطيع أن تثبت وجوداً فاعلا ومستقلاً بين القطبين القويين. تلك من أدبيات حقبة "الحرب الباردة" التي انطوت صفحاتها منذ عقدين..
أما الحقبة الثانية فهي حقبة التعددية القطبية، والتي أعقبت انطواء سنوات "الحرب الباردة". إن أكبر حدثين في العقد الأخير من القرن الأفريقي، هما اختفاء "الاتحاد السوفيتي"، القطب الثاني في التوازن الدولي، ثم اتساع ثورة الاتصالات الرقمية والانترنت، وظاهرة ما يمكن تسميته بـ"موت المسافات"، بعد أن حقق التواصل المتسارع بين المجتمعات، إلى جعل العالم قرية متناهية الصغر. .
(3)
في نظرةٍ أولى، سنجد أن الجامعة العربية بمختلف كياناتها، قد حققت قدراً من الوجود الفاعل خلال سنوات الحرب الباردة في الحقبة الأولى. أما في حقبة التعددية القطبية، والتي نعيش تعقيداتها الآن، فقد كان للجامعة وجوداً شكلياً باعد بينها وأهدافها التي حملها ميثاقها، ذلك الذي صيغ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولم يلحق به أيّ تعديل يذكر طيلة العقود السبعة، لمواكبة التحديات السياسية والاقتصادية التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط تحديداً. لا نحتاج لأكثر من استعادة وقائع حربي الخليج، وما حاق بالعراق من تآكل، وما شهدت منطقة الشرق الأوسط من مشرقها إلى مغربها من ظاهرة "الربيع العربي" وتبعاته، لنرى أن الجامعة العربية لم تكن أكثر من "شاهد ملك" على أحسن تقدير، إن لم تكن شاهداً غائباً تماماً.
(4)
لقد ولدتْ الجامعة العربية، بميثاقها وهياكلها وكامل عضويتها، في أجواء حقبة "الحرب الباردة"، وهي الحقبة التي بدأت تتبلور خلالها، ما يمكن وصفه بـ"قيم المجتمع الدولي"، كمصفوفة بدأت بميثاق الأمم المتحدة، وبـ "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، ثم شملت الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في مجالات السياسة والاقتصاد والتجارة والثقافة .
كان عسيراً على منظمة عربية، صاغت ميثاقها قبل سبعين عاماً، نخب عربية بعيدة عن شعوبها، أن تكيّف أوضاعها وميثاقها وهياكلها، لتماشي التحوّلات الواقعة في الساحة الدولية، في مطالع الألفية الثالثة. ذلك خلل بنيوي، عوض أن تتجه الجامعة لإصلاحه، عمدت إلى الانشغال بالإجرائيات المتصلة بالتنسيق عبر الاجتماعات الوزارية الراتبة، وجلسات اللجان المتخصصة الدورية، ومعالجة الملفات التي تطرأ وفق الترتيبات المراسمية الشكلية، ثمّ ينفض السامر ولا ينتهي إلى شيء ملموس.
(5)
إن الدبلوماسية العربية التي نشأتْ وترعرعتْ في كنف حقبة "الحرب الباردة"، عجزت في تقديري، عن قراءة الواقع العالميّ المتغيّر، وعن إدراك ضرورات إصلاح الحال، ليستصحب تعديلا في المواثيق وفي الأهداف، يلبّي حاجيات الشعوب، لا حاجيات النخب الحاكمة. لعلّ أبلغ دليلٍ على ما نقول، هو تآكل مبدأ رئيسٍ في العلاقات الدولية، هو "مبدأ عدم التدخل في شئون الدول الأخرى"، وقد أوجد ميثاق الأمم المتحدة في مواده ما يفتح الباب لتبرير تجاهله، عبر "التدخل الإنساني" المشروع.. منظمات وهيئات دولية عديدة نجحت في إصلاح مواثيقها وأهدافها ونشاطاتها. ميثاق الجامعة العربية واقفٌ عند محطة ميثاقها الذي اعتمدوه في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
(6)
القول إن الجامعة العربية صارت "شاهد ملك"، يكاد أن يخرج بريئاً من المساءلة، يؤكده ما نرى حولنا من عجز وعدم فاعلية الجامعة إزاء الأزمات التي اكتسحت دول منطقة الشرق الأوسط ، بما في ذلك البلدان العربية الواقعة في القارة الأفريقية.
من بين أكثر البلدان فشلاً في العالم، حسب الراصد الدولية، دولتان عربيتان هما الصومال والسودان، وستلحق بهما أو لحقت بالفعل، كلّ من ليبيا وسوريا. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى دول كثيرة أخرى في الشرق الأوسط وبينها، دول أعضاء في الجامعة العربية، لا تعير مبادئ الحكم الرشيد، واحترام حرية الرأي، واعتماد معايير الديمقراطية، اهتماماً يذكر. أنظر حولك لترى دولة مثل سوريا تتحطم إرباً، ودولة مثل العراق تكاد تحاصرها الفوضى، ودولة مثل ليبيا على رصيف الانقسام، ودولة مثل اليمن تتناهش أطرافها ذئاب محلية وأجنبية، ودولة مثل لبنان تدور على أزماتها بلا رئيس جمهورية، فهل ترى للجامعة العربية من دور فاعل ومن تأثير على مصائر تلك البلدان..؟ ثم ها نحن في غمار حرب مُستعرة ضدّ الإرهاب الدولي، فلا نرى فعلاً عربيا جاداً . .
(7)
دون أن نجنح لبكاء على أطلالٍ وخرائب، على الجامعة العربية أن تقرّ بتراجع دورها في الحقبة الماثلة، ذلك أنها وليدة حقبة انطوتْ صفحاتها، وربيبة دبلوماسية تيتمتْ بعد انهيار التوازن الدولي السابق، بين قطبين قويين. بعد التشخيص، ينبغي البحث عن الإصلاح. إن البلدان العربية في حاجة لدبلوماسية جماعية، تخرج من مظلة الجامعة العربية، وتجمع أطرافها على نسق مجلس التعاون الخليجيّ، أو مجموعة التعاون المغاربيّ (وإن كانت متعثرة لأسباب طارئة)، أو مجموعة المنظمة الحكومية للتنمية (الايقاد) التي تضم دولا في المنطقة بينها ثلاثة بلدان أفريقية عربية، هي السودان والصومال وجيبوتي.
لا أضيف لهذه القائمة هنا،: "الاتحاد الأفريقي"، منظمة القارة الأفريقية، فهي قد أصلحت حالها منذ سنوات، وحققت لنفسها - بحكمة قياداتها- مصداقية في القارة الأفريقية، وحققت وجوداً وفعالية، تضاهي ما نراه في "الأمم المتحدة"، وليس من الإنصاف مقارنتها بالجامعة العربية.
حين يتولى أمانة الجامعة العربية في يونيو القادم، دبلوماسيّ عتيق، أبعدته هَبّة من هبّات "الربيع العربي" من كرسي وزارة الخارجية في بلاده، ليعود من جديد يدير دفّة الجامعة، ترى إلى أيّ اتجاه ستمضي سفينة تلك المنظمة.. أم هي إلى غرقٍ محدق.. ؟
+++++
الخرطوم - مايو 2016
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2085

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1480054 [مدحت عروة]
0.00/5 (0 صوت)

06-25-2016 01:44 AM
والجامعة العربية دى هل فيها كلية موسيقى ومسرح ورقص فقط ولا كليات ادبية وتطبيقية فقط عشان عندى ولدى امتحن الشهادة الثانوية يمكن نقدم ليه فيها؟؟؟!!!

[مدحت عروة]

#1479946 [على]
0.00/5 (0 صوت)

06-24-2016 06:59 PM
امين عام جديد وعلاقته الاسرائيلية متطورة جدا وعلاقته مع السيد ليفنى قوية وهى عند لقائها به عندما كانوزيرا للخارجية والصورة المشهورة واعلانها الحرب على اطفال غزة فى ذلك اللقاء وقولتها الشهير انف اذ انف فكيف هذا سيدافع عن القضية الفلسطينية وحلايب سودانية

[على]

#1479942 [على]
0.00/5 (0 صوت)

06-24-2016 06:56 PM
ياسعادة السفير دى خيال ماتا وشاهد ماشافش حاجة لان النظام العربى منهار فكيف تريد اصلاح مؤسسته ثم لم نسمع فى تاريخ المنظمات ان تحتكر دولة منصب الامين العام والمقر وجيش جرار من مواطنيها يسيطروا على الادارات وحتى والوظائف الصغيرة ثم تاتى بامين عام تجاوز سنهال75 عاما وياتى باربع من وزارة خاجيته ليسيطروا على العمل هذا لا يحدث فى الاتحاد الافريقى او اى منظمة انظر لعمر نائب الامين العام والامناء العامين المساعدين فوق السبعين وغيره كثيرا فكيف تريد من منظمة لاتتداول منصب امينها العام وهى تكية لمواطنى دولة المقر ان تتطور وتكون فاعلة وحلايب سودانية

[على]

#1479793 [هبة النور]
0.00/5 (0 صوت)

06-24-2016 05:59 AM
أي كلام عن الجسم الهلامي اللزج المسمى بالجامعة العربية يعتبر ضربا من ضروب الضرب في الميت و لكنه عكس المثل ضرب حلال حتى يفيق الأحياء الذين ما زالوا يتهمون في الجثة المتحللة أمامهم

[هبة النور]

جمَال مُحمّد إبراهيْم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة