المقالات
السياسة
الذئب الفارد: أمريكا وإرهابها الداخلي
الذئب الفارد: أمريكا وإرهابها الداخلي
06-26-2016 10:59 PM



جاءت حادثة أورلاندو المأساوية التي قتل فيها عمر متين، الأمريكي من أصول أفغانية، تسعة وأربعين مرتاداً لنادي للمثليين بالمدينة، بمفهوم "الإرهاب الداخلي" للخطاب السياسي الأمريكي كما لم تفعل حادثات سبقتها. فقد وصف الرئيس أوباما الحادثة بأنها إرهاب داخلي الذي تغاضت أمريكا طويلاً عن الاعتراف به كحقيقة من حقائقها السياسية والجنائية. فما لقيته وجهاً لوجه حتى انصرفت عنه للحديث عن الإرهاب الإسلامي. فتحرت بصمة هذا الإرهاب لما فجّر تيموثي ماكفيه المبني الفدرالي في أوكلاهوما (1994). ثم خاب التحري. فظهر أن الإرهابي أمريكي ومسيحي أبيض استفزه ما عدّه عدواناً حكومياً غير مبرر على جماعة دينية انتظرت نهاية العالم في حِماها في ولاية تكساس.
وكانت أمريكا على موعد لأخذ إرهابها الداخلي بقوة لو اعتبرت بكلمة قائد شرطة ولاية كاليفورنيا جارود بورجوان التي رجح فيها أن يكون حادث سان برناردينو، الذي قتل فيه رضوان فاروق جماعة من زملائه بالعمل في ديسمبر 2015، قد تضمنت " نوعا ما من الإرهاب المحلي". ولكن سرعان ما حادت السلطات الأمريكية عن هذه السكة لتروج للوسوسة الداعشية من وراء المجزرة. ثم راجع مكتب التحقيقات الفدرالي نفسه أخيراً ونفى وقوع تلك الوسوسة. ولكن بعد فوات الأوان. فقد توطن الرأي العام مرة أخرى على أن للإرهاب مصدراً واحداً هو الجهادية الإسلامية العالمية.
جاء حادث أورلاندو بالموقف الأخلاقي والديني من المثلية كشاغل وطني أمريكي قبل أن يكون عقيدة شرعية إسلامية تُلقي بالمثلي من فوق سقوف الدور أين ثقفته، وهي العبارة التي لاكتها الألسن الإعلامية. فقد قبلت دوائر الإعلام الآن النظر إلى الحادثة كفوبيا لمثلي، كما وضح من سيرة عمر متين، من ممارسة مثلية هو طرف فيها. ولو لم يزحم خبراء الإرهاب وسائط الإعلام على حساب خبراء علم الاجتماع لربط الرأي العام بين حادثة متين وحادثات أخرى في كراهة المثلية جرت لساعات قبل واقعته أو بعدها. ففي يوم الأحد نفسه (12 مايو) الذي قتل فيه متين مثليّ فلوريدا فجراً ألقت سلطات كاليفورنيا القبض صباحاً في سان مونيكا على جيمس هول (20 عاماً) الذي كان في طريقه إلى لوس أنجلس لحضور مهرجان عزة بالهوية للمثليين. وواضح أنه تأبط شراً لهذه المناسبة. فقد وجدوه مدججاً بأسلحة هجومية حملها ألوف الأميال من بلدته في ولاية إنديانا بالغرب الوسطي الأمريكي. ووصف الدكتور جوان كول، المختص في تاريخ الشرق الوسط بجامعة متشجن، الواقعتين في أورلاندو وكاليفورنيا بأنهما من الشبه بمكان حتى لكأنهما الشيء وانعكاسه في المرآة. وقال كاتب متهكم أن المسلم الكاره للمثليين قد سبق طريدته بينما فشل الكاره المسيحي.
وليس صدفة، من الجانب الآخر، أن تنعقد بمانهاتن بنيويورك محاكمة لكاره للمثليين، وقاتل لواحد منهم، في 14 يونيو بعد يومين فقط من حادثة عمر متين. فحكمت المحكمة بأربعين عاماً سجناً على إليوت موراليز لقتله مارك كارسون الأمريكي الأفريقي في 2013 بعد أن أمطره سباباً وصديقه الذي كان معه على مثليتهما. ونقول بأن الأمر ليس صدفة لأن 18 فاصل 6 من جرائم الكراهية (5462 في عام 2015) أصلها في كراهة الميل الجنسي للضحية. وشابهت هذه المحكمة حادث عمر متين في جانبين. فالقاضي نفسه قال إنه لا يملك إلا أن يعقد المقارنة بينهما لأن قاسمهما المشترك هو ما انطويتا عليه من كراهية، وإزراء للمرء بنفسه، والخوف والموت". ومن جهة ثانية كان من ضمن دفاع موراليز عن براءته عن التعصب الجنسي قوله إنه هو نفسه يخالط المتحولات عن جنسهن والمتحولين سراً. وجاء في هذا الخصوص عن علماء نفس أن رؤيته لطاعمين (مصطلح سوداني ل gays) في العلن ربما حرك فيه كوامن شقائه بميوله الجنسية المخفية (نيويورك تايمز 15 يونيو 2016). وهذا نفسه ما قيل عن عمر متين. فوضوح الممارسة المثلية لجمهرة النادي الليلي وعزتهم بها لربما استفز ما انطوى عليه هو من مثلية أخفاها فحسد الآخرين على سفورهم.
متى تواضعت أمريكا على أن للإرهاب فيها جذراً في مجتمعها وحروبها الثقافية (المثليون، الإجهاض) صار لمسلميها، كمواطنين أمريكيين بالميلاد، حق أن يكونوا طرفاً أصيلاً في تلك الحروب. وعليه فهم شركاء مستحقين، متى أرادوا، في الإرهاب الذي تفرزه. فلا حاجة لإحالة إرهابهم، متى أَرهبوا، بالضرورة إلى الإسلام بالتجريد والعمومية واللؤم المشاهد.
لن تجد تعريفاً أمريكياً للإرهاب المحلي قبل 1994. فوصفته وكالة المخابرات الأمريكية في ذلك العام بأنه توظيف غير مأذون للعنف أو القوة ترتكبه جماعة، أو جماعات، أو شخصان أو أكثر، لتخويف الحكومة أو السكان المدنيين، أو أي جماعة أخرى، ولي أيديهم في سبيل تحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية. وواضح أن هذا التعريف لم يشمل من يقوم بعمل عدواني بمفرده ممن يطلق عليهم الذئب الفارد. وغريب في قول جيفري سايمون مؤلف كتاب "إرهاب الذئب الفارد" أن يتفق للوكالة هذا التعريف الناقص إبان فترة تواتر نشاط هؤلاء الذئاب الفاردة من مثل "اليوني بومبر"، تد كاسينسكس. فقد نشط الرجل بين 1975 و1994 يرسل الطرود الناسفة إلى صفوة رجال الأعمال والمال والعلم بمثابة احتجاج على قبح العالم التكنولوجي الصناعي الذي شيدوه. ولكن سرعان ما جاء تعريف وكالة الاستخبارات في 1995 ليشمل الأفراد أو الذئاب الفاردة. ويبدو أنهم عدّلوا التعريف لمواكبة واحدة من أفظع التفجيرات في امريكا سبقت الحادي عشر من سبتمبر 2001. وهي ما قام به تيموثي ماكفيه كما تقدم.
تقف خلف وجوب قيام فقه جنائي للإرهاب الداخلي المنظمات الناشطة في حقوق المرأة الجنسية والتناسلية. وكان حال دون استتباب هذا الفقه جنوح القانون الأمريكي للتركيز على الإرهاب الخارجي دون الداخلي. وحرك هذه المنظمات لتطالب بهذا الفقه تعدي مثل روبرت لويس دير في 27 نوفمبر 2015 على عيادات للإجهاض وطاقمها بولاية كولورادو. فطالبت هذه المنظمات بوصف حادثة كولورادو كما ينبغي لها كإرهاب خشية أن يأخذ حكم العادة جهات العدالة الجنائية التقليدية فتنسبها كأفعال عنف من باغضين وربما موسوسين. فالقانون الأمريكي خلو من مادة صريحة عن الإرهاب. فولاية كارولينا الجنوبية تحاكم الآن ديلان روف، الذي قتل متعبدين امريكيين سود في يونيو 2015، بتهمة القتل العمد لا الإرهاب. فليس من الفطانة في نظر الناشطين في مجال صحة المرأة بالطبع مقاضاة من قتل إحدى عشر شخصاً منهم (وأخفق في قتل ستة وعشرين منهم في مرات أخرى) وتفجير وإحراق 200 عيادة لخدمات النساء كمختلين نفسيين لا غير. ووجدوا سنداً في تعريف الإرهاب الأمريكي، الذي أشرنا إليه، والذي يقرن بين الإرهاب والسياسة بقوله إن الإرهابي يرغب في أن يفرض على الحكومة والنساء بالقوة سياسات معادية لمثل تلك الحقوق الجنسية والخدمية. فحتى الأمريكي المصري هشام هدايت، الذي دهم مكاتب طيران العال في لوس أنجلس في 2002 وقتل حارساً به، حوكم كملتاث طالما لم ترتبط جريمته بمركز خارجي. ولولا ضغوط من أهل القتيل، الذين طالبوا بان يحاكم كإرهابي، لجرت محاكمته كقاتل بالعمد في أفضل الأحوال. وشكا د. أبو صالحة على قناة الجزيرة قبل أيام من أن محاكمة قاتل بنتيه ونسيبه في كارولينا الشمالية في فبراير 2015 تجري على أنه ذو عاهة نفسية لا إرهابياً.
سيعتمد نجاح الحملة الناهضة لتعريف الإرهاب المحلي جنائياً على عوامل ثقافية ربما لم تنضج لوقتنا لتنزيل كل مطالبها. فبين هذا الحلف نفسه من يخشى على القسمة الدستورية بين الولايات والفدرالية. فمتى توسعنا في معنى الإرهاب المحلي ربما شمل جرائم محلية لها قوانين مستقرة أصلاً في الولايات. فمطلب أهل الحملة لمزيد من الحضور الفدرالي (مثل تدخل قوى الأمن الفدرالية في جرائم الإرهاب الداخلي) يقض مضاجع الداعين لعدم تطفل الفدرالية على الولايات كما يزعج طلاب العدل عموماً الذين يخشون سلطان الدولة، فدرالية وغير فدرالية، على مجريات العدالة.
وثمة صعوبات من جهة الثقافة. فقطاع كبير من الأمريكيين تعود على قبول العاهة النفسية سبباً لارتكاب جريمة قد نعدها إرهاباً محلياً. فثقافة عريضة طويلة ربت أجيالاً منهم أن المرض النفسي عاذر خاصة في سياق تواضع عام على أن الدولة لا تبذل ما وسعها لعلاج المرضى النفسيين تاركة الحبل على الغارب. وأخيرا، وليس آخرا، أن مادة الإرهاب المحلي موضوعات للحرب الثقافية (الإجهاض، حقوق الحيوان، المثليون) يخوضها غير الإرهابي بأشرس ربما من الإرهابي. ويحتل فيها الإرهابي خانة "اليميني المتطرف" لأن هناك من هو على عقيدته ولكن من على منابر السياسة. فإريك رودولف، الناشط ضد الإجهاض ومفجر القنبلة في خلال الألعاب الأولمبية أتلانتا (جورجيا) في 1996 إشهاراً لعقيدته ضد شرعية الإجهاض، اكتسب صورة البطل الشعبي، متخفياً عن حملة شعواء للقبض عليه ومواصلاً تفجيراته لعيادات خدمة النساء وأندية المثليين. ولم يقبض عليه إلا في 2003.
متى ما تصالحت أمريكا شريعة وقانوناً مع حقيقة أن للإرهاب، بذئابه الفاردة وغير الفاردة، منابت وطنية داخلية أعفونا معشر المسلمين من الحاجة الملحة إلى استنكار ما يقع منه من مسلمين أمريكيين بالميلاد، ونفي أن يكون عملهم أو فكرهم من الإسلام في شيء. فأكثر ما يقع من هؤلاء المسلمين الأمريكيين مما تُسْأل عنه أمريكا لا نحن ولا الإسلام. ولنا أسوة في والد القاضي مدثر البوشي. فقد نشط القاضي في العشرينات، وهو ما يزال طالباً بكلية غردون بالخرطوم، في السياسة الوطنية ضد الإنجليز. فاستدعى الإنجليز والده ليطلعوه على فعل ولده. فقال لهم: "جئتكم بولدي للكلية ولم أعرف عنه ما تتهمونه به الآن. ولو جئنا للحق كلموني ماذا فعلتم بابني حتى صار إلى ما صار إليه"

[email protected]
الجزيرة


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2186

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1481383 [سيف دين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2016 10:29 PM
ارجو منك يابروف ان تنورنا عن الشخص الذى وشى بالزعيم الراحل الشهيد عبد الخالق والشفيع والبقية هل صحيح مايقال بان الواشى هو غارى سليمان او خالد المبارك؟

[سيف دين خواجة]

#1481379 [حرامى النحاس تلب]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2016 10:25 PM
حكم حكم عينك فى الفيل وتطعن فى ضلو يا قنوط؟
الحاصل فى بلدك ده مابهمك ولاشنو يا coilles molles

[حرامى النحاس تلب]

#1481374 [امبكول نفر نفر]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2016 09:51 PM
وماذأ عن مثليتك انت ايام اتبرا لمن كنت بتردف امين حسن عمر على عجلتك الرالى ؟ ولا مثلية شيبون ؟ ياقنوط ياعاقر فكريا و coilles molles

[امبكول نفر نفر]

#1480996 [المتجهجه بسبب الانفصال]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2016 08:27 AM
أمريكا جميلة مافي شك ولكن سياستها الخارجية التي يسميها ساستها دون فرز(( المصالح القومية)) والاعيب السي آي ايه وخداع العالم باحداث جسام مثل كذبةاسلحة الدمار الشامل في العراق وتدمير بلد حضاري بكذبة بلغاء سيجيب خبر أمريكا بهزة داخلية سيندهش منها حتى المفتونين بها ،،، أمريكا تتحدث عن الارهاب الديني ولكنها تتناسى الارهاب السياسي والمخابراتي الذي دمرت به دول مثل العراق وافغانستان وقتل الملايين والان تتلاعب في سورية عصاية قائمة وعصاية قاعدة،، لا مشكلة لدى الساسة واللوبيهات المالية الامريكية لو اهرق دم شعوب دول العالم الثالث لتحقيق مصلحة أمريكية تخص الأمن القومي ،، العصر القادم هو عصر الافارقة لو اتحدوا وبقيادة السودان لو صحى السودانيون وأزالوا الانقاذ هذا ما تعتقده أمريكا واعتقده أنا ولله في خلقه شؤون ولعل الانقاذ آخر تجربة مرة في مجال التسافل الفكري والاقتصادي في السودان وبالطبع العهد الذي سيلي الانقاذ سيكون عهد استنارة لأن التجريب المر الطويل يدفع الى تفكير التضاد مقابل ما كان،،، لو كانت أمريكا تؤمن بمبدأ الديمقراطية والحرية والعدالة الانسانية للغير وتبشر بها وتقف معها وتدعمها في دول العالم الثالث سيطول عمرها كما طال عمر الحضارة اليونانية التي قدمت آنذاك خلاصة قيمية لكل البشر،، أمريكا لها باع في الرهاب الخارجي كبير،،،


شكرا يا دكتور هذا مقال مسبك وعلمي ومتعوب فيه ،،، أعجبني خاتمتك للمقال بحالة سودانية عبقرية لخصت بها المقال بسعة اطلاعك،،،

((ولنا أسوة في والد القاضي مدثر البوشي. فقد نشط القاضي في العشرينات، وهو ما يزال طالباً بكلية غردون بالخرطوم، في السياسة الوطنية ضد الإنجليز. فاستدعى الإنجليز والده ليطلعوه على فعل ولده. فقال لهم: "جئتكم بولدي للكلية ولم أعرف عنه ما تتهمونه به الآن. ولو جئنا للحق كلموني ماذا فعلتم بابني حتى صار إلى ما صار إليه"))

[المتجهجه بسبب الانفصال]

#1480891 [عصام الحاج]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2016 12:22 AM
دكتور عبد الله و لا تنس إرهاب داخلي من نوع آخر ألا وهو إثارة الكراهية ضد الآخر في المعتقد مثلما سرح بعض السودانيين المقيمين بأمريكا على عواهنهم يحرضون ضد السيدة مريم و التي حوكمت في السودان بتهمة الردة أخذت البراءة و لكن بعض الغافلين من السودانيين في أمريكا و بنشوة أن يناصروا محاكم تفتيش النظام السوداني قاموا بالكتابة عن مريم و نعتها بال"المرتدة" و هذا نداء آخر لهم حتى لا يقعوا في براثن و رادار وحدات مكافحة جرائم الكراهية في أمريكا. هل من متعظ؟

[عصام الحاج]

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة