المقالات
السياسة
جادين: (لماذا تركت الحصان وحيداً)
جادين: (لماذا تركت الحصان وحيداً)
06-29-2016 09:20 PM


رحل محمد على جادين في التاسع عشر من يونيو الجارى وترك روحه بيننا تقاتل من أجل الحرية التي تملأ روحه: حرية العقل وحرية الوطن والمواطن والحرية من الحاجة وقد ترجل وترك الحصان وحيدا. عرفت محمد علي جادين قائدا صلبا وصبورا، وسياسيا ثوريا نقيا وملتزما بقضية شعبه، ومثقفا مستنيرا منفتحا وموسوعيا في معارفه، وإنسانا متواضعا متجردا وزاهدا. كان جادين المثال في الإستقامة والنزاهة والثبات على المبدأ. كنت قريبا جدا من محمد علي جادين في العشرين سنة الأخيرة من حياته. وهي الفترة ذاتها التي قاد فيها مع آخرين عملية إصلاح وسودنة حزب البعث العربي الإشتراكي وإعادة تأسيسه تحت إسم حزب البعث السوداني. وقد عملت معه عضوا في قيادة الحزب (المكتب السياسي) منذ العام 2004م وحتى مغادرتي الحزب، وقبل ذلك عضوا في البعث السوداني منذ تأسيسه عام 1997م. وهي فترة تعلمت فيها الكثيرعن جادين ومنه. كان رجلا صديقا سهلا كالباب المشرع ومرحا، كلما اقتربت منه وعرفته كان ذلك دافعا لأن تقترب منه أكثر. لذلك كانت صداقات جادين ممتدة داخل وخارج السودان، وكان محبوبا لرفاقه وللكثيرين ممن عرفوه.
محمد علي بابكر جادين القدال كان ترتيبه الثاني بعد الأستاذ محمد بشير (عبدالعزيز الصاوي) في سجل المؤسسين الأوائل للتيار القومي في جامعة الخرطوم، والذي كان يعرف ب (الجبهة العربية الإشتراكية). هذا التنظيم الذي تأسس في مطلع الستينات من القرن الماضي، كان أحد جذورة الرئيسية يعود الى تنظيم كونته مجموعة من الطلبة في مدرسة وادي سيدنا الثانوية بإسم (القوميين العرب). وذلك بعد ان انشقت هذه المجموعة عن الجبهة الديمقراطية التابعة للحزب الشيوعي السوداني سنة 1958م. وكان من ابرز أعضاء هذه المجموعة: سيد أحمد الحردلو، اسحق شداد، تاج الدين ميرغني، عبدالله محمد عبد الرحمن والصادق الشامي. ساهم ابرز أعضاء هذه المجموعة وهم اسحق شداد و عبدالله محمد عبد الرحمن والصادق الشامي بعد دخولهم جامعة الخرطوم في تأسيس تنظيم (الجبهة العربية الإشتراكية) بالإشتراك مع محمد بشير أحمد (عبد العزيز الصاوي) ومحمد علي جادين ومحجوب الشيخ البشير وآخرين. (انظر محمد علي جادين، صفحات من تاريخ التيار القومي وحزب البعث في السودان، دار عزة 2011م، ص 12 -15). بسبب هذه الخلفية وأيضا بسبب النظام التعليمي في جامعة الخرطوم كان التيار القومي بجامعة الخرطوم، الذي كان جادين أحد ابرز مؤسسيه، ذي نزعة وطنية سودانية طاغية، تعطي أولوية للقضايا الوطنية السودانية على القضايا القومية العربية. هذه الخلفية التي ساهم جادين نفسه في تشكيل لحمتها وسداها اثرت بشكل حاسم في تكوينه الفكري وتوجهاته المستقبلية. بالمقارنة، في جامعة القاهرة فرع الخرطوم تكون تنظيم يقوده شوقي ملاسي وسعيد حمور و أبوبكر مزمل وعاطف محمود بإسم حزب البعث العربي الإشتراكي منذ عام 1957م. وهو التنظيم الذي تغير إسمه الى (الطليعة التقدمية العربية) عام 1960م والتحقت به فيما بعد مجموعة من طلبة مدرسة الخرطوم الثانوية التابعة للبعثة المصرية الذين دخلو الجامعة ابرزهم محمد سليمان الخليفة عبدالله التعايشي وبدر الدين مدثر والطاهر عوض الله ويوسف همت. وقد ساعد في تكوين وتبلور هذا التنظيم أساتذة عرب قوميون كانوا يدرسون بالجامعة مثل د. لبيب شقير و د. رفعت المحجوب و د. عبدالله عبد الدائم. بسبب هذ الخلفية وأيضا بسبب نوع النظام التعليمي المصري ودور الأساتذة العرب ذوي التوجه القومي في رعاية هذا التنظيم، كان تنظيم جامعة القاهرة ذو توجه عروبي طاغي يعطي أولوية للقضايا القومية على حساب القضايا الوطنية السودانية. وقد اشار الراحل جادين نفسه الى هذه الحقيقة: "هناك خلافات بارزة بين مجموعة جامعة القاهرة ومجموعة جامعة الخرطوم. فالأولى كانت تركز على البعد القومي والشعارات القومية العامة، بشكل رئيسي، وعلى القضايا الوطنية السودانية بدرجة أقل، أو ربما كخط تابع للخط القومي، والثانية كانت تركز على القضايا الوطنية بشكل أساسي، وعلى القضايا القومية بدرجة أقل" – (نفس المصدرص 23). وكنتاج لهذه الخلفية والتكوين الفكري كان هناك إعتراض من قبل بعض أعضاء مجموعة جامعة الخرطوم على فكرة الإرتباط بحزب البعث عندما تم طرحها. وكان على رأس المعترضين على الإرتباط بحزب البعث د. تاج الدين ميرغني المحاضر وقتها بكلية الزراعة جامعة الخرطوم واسحق شداد. وكانوا يفضلون الإستمرار في إطار قومي مرتبط بقضايا السودان (نفس المصدر ص 163). علاقة التعايش الصراعي بين تيارين: تيار ذو نزعة وطنية (سودانوية) واخر ذو نزعة قومية عربية طاغية ظلت حاضرة داخل حزب البعث منذ نشأته الأولي، وقد لعبت دورا كبيرا في إنقسام الحزب عام 1976م وصولا الى إنفصال التيار ذي النزعة الوطنية وتكوينه حزب البعث السوداني بقادة جادين. هذه الخلفية التاريخية التي تلقي الضوء على التركيبة الفكرية والسياسية للتيار السياسي الذي ساهم جادين في تكوينه في بداية الستينات، والتأثير والـتأثر المتبادل بين المؤسسة والمؤسس (المرحلة التكوينية لوعي جادين الطالب الشاب)، هذه الخلفية ضرورية لفهم توجهات جادين وإختياراته المستقبلية. كتقدير وإعتراف من رفاقة بهذا الدور القيادي التأسيسي الذي لعبه جادين، انتخبه مؤتمر الحزب في فبراير 1975م كأول أمين سر لحزب البعث العربي الإشتراكي في السودان.
كان جادين قد تخرج من كلية الأقتصاد جامعة الخرطوم في العام 1965م، والتحق بعد تخرجه بالعمل بوزارة المالية. استمر في العمل في وزارة المالية (تدرج حتى وظيفة وكيل ثاني الوزارة) حتى فصله نظام نميري من الخدمة عام 1981م (وهو داخل المعتقل) بسبب نشاطه السياسي المعارض. في يناير 1979م تم اعتقال محمد علي جادين من مكتبه في وزارة المالية وقد ادعت اجهزة أمن نظام نميري عثورها على قطعة سلاح مدفونة بمنزله عند قيامها بتفتيشه. وقد اخبر جادين كاتب هذه السطور انه لم تكن له علاقة البتة بالسلاح الذي تم ضبطه. وأن الأمر كان نتيجة لمخطط دبره شخص محدد "ع" – اتحفظ على ذكر الإسم – هدف – حسب جادين - لتوريطه وسجنه ليخلو له الجو، وهو ما حدث بالفعل. حيث ظل جادين معتقلا بسجن كوبر منذ العام 1979 م وحتى قيام جماهير الإنتفاضة الشعبية بتحطيم بوابة السجن وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسين في أبريل 1985م. في معتقله، لم يتوقف جادين عن الكتابة والتأليف (كتب الجزء الخاص به من كتاب الثورة المهدية مشروع رؤية جديدة والذي الفه بالإشتراك مع عبدالعزيز الصاوي)، وكذلك المساهمة في الندوات التي كان يقيمها المعتقلون داخل سجن كوبر، الذي كان يعج بالمعتقلين من كل الأحزاب في تلك الفترة. في الفترة ما بين 1983-1984 قاد جادين ايضا حوارا مع أطراف المعارضة داخل سجن كوبر بغرض توسيع صيغة تجمع الشعب السوداني وبناء تحالف أوسع يضم كل قوى المعارضة. وشمل ذلك الحوار مع السيد الصادق المهدي، والذي تم بمبادرة منه عن طريق إدريس البنا، و شارك فيه محمد عتيق المعتقل حينها. وكذلك الحوار مع الحزب الشيوعي (التجاني الطيب و يوسف حسين). وارسل جادين و عضو قيادة حزب البعث الآخر المعتقل معه في بالسجن، إسماعيل عبدالله مالك توصية مكتوبة الى بقية أعضاء القيادة بالمشاركة في الحوار الذي بدأه في السجن، لجهة بناء جبهة موسعة للمعارضة الا أنهم رفضوا التوصية (مصدر سابق ص 284).
الإنجاز الأهم في حياة محمد علي جادين، في تقديري المتواضع، انه قاد ، منذ العام 1996م، تيارا إصلاحيا تجديديا في حزب البعث. هدف هذا التيار الى سودنة حزب البعث العربي الإشتراكي- وقام بتغيير إسمه الى: (حزب البعث السوداني) - وقطع صلته بقيادة الحزب في العراق و الـتأكيد على استقلاليته وعدم إرتباطه بأي مركز خارجي في المستقبل. وقام هذا التيار بإطلاق عملية تجديد فكري وسياسي وتنظيمي جذرية وشاملة تحت شعار "التجديد من خلال الديمقراطية." وذلك من خلال نقد فكر البعث وتجاربه في الحكم وكذلك التحرر من القيود الأيديولوجية وبالتالي الإنفتاح على جميع التجارب الإنسانية والمدارس الفكرية. فيما يتعلق مثلا بموضوع الهوية الوطنية - المحوري لحزب يتبني أجندة قومية (فوق قطرية) – طور تيار التجديد والإصلاح الذي قاده جادين إجتهادات فكرية نقلت موقف حزبه من مربع عروبة السودان الى اطروحة الهوية المزدوجة التي هدفت الى استيعاب التنوع الإثني والثقافي والديني واللغوي. ومن مربع الخطاب البعثي التقليدي الذي كان يصنف الجنوبين مثلا كأقليات ضمن الكيان العربي الموحد - ويشمل ذلك أيضا البربر والأكراد – الى خطاب التعددية الثقافية والإثنية وعلاقة المواطنة المتساوية دون تمييز. تصدى تيار التجديد كذلك لنقد أزمة الديمقراطية في فكر البعث وفي تجارب حكم البعث الشمولية في سوريا والعراق. من خلال تلك المراجعات النقدية للتجربة، اكد تيار التجديد الذي قاده جادين في كل كتاباته على مركزية قضية الديمقراطية في برنامج الحزب وفي علاقاته التنظيمية الداخلية، وعلى رفض و إدانة الإنقلابات العسكرية كوسيلة للوصول الى الحكم. وبالرغم من أن جادين ينتمي الى جيل المؤسسين الأوائل للبعث السوداني، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكون أول من تصدوا لمهام التجديد والإنفتاح. و ذلك في الوقت الذي وقف فيه (شباب) يصغرونه بعقود مع تيار المحافظة والتقليد الرافض للتجديد والإصلاح والإنفتاح الديمقراطي.
جادين هو أحد رموز الإستنارة والتحديث الفكري والمجتمعي في بلادنا. كان مهموما بقضايا تفكيل الشمولية وتحقيق التحول الديمقراطي وكفالة حقوق الإنسان وحكم القانون؛ وقضايا تحقيق الوحدة الوطنية على أسس جديدة من خلال الإعتراف بالتنوع الثقافي والإثني والديني وبناء دولة المواطنة العلمانية الموحدة؛ وقضايا التنمية الإقتصادية والإجتماعية وبناء مجتمع إشتراكي تسوده العدالة الإجتماعية؛ وقضايا تحديث المجتمع والثقافة وإصلاح التعليم وغيرها من القضايا التي تتمحور حول أهداف التغيير السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي. وفيما يتعلق بشكل خاص بقضية العلمانية، كان جادين علمانيا صلبا لا يقف بين بين فيما يتعلق بعلمانية الدولة وكامل الفضاء العام. جادين كان أيضا خبيرا إقتصاديا مرموقا بحكم تخصصه الأكاديمي وخبرته العملية والدراسات الإقتصادية العديدة التي كتبها. كان جادين باحثا نشطا وكاتبا غزير الإنتاج ومفكرا طرح مقاربات غير تقليدية لهذه القضايا في مؤلفاته وكتاباته. صدرت له العديد من المؤلفات اذكر منها: الثورة المهدية مشروع رؤية جديدة 1987م، بالإشتراك مع عبدالعزيز الصاوي؛ تقيم التجربة الديمقراطية الثالثة 1997م؛ مناقشات حول الديمقراطية والوحدة الوطنية في السودان 2003م؛ مراجعات نقدية لتجربة حزب البعث في السودان 2008م؛ و صفحات من تاريخ التيار القومي وحزب البعث في السودان 2011م؛ كان كذلك من المشرفين على التقرير الإستراتيجي السنوي الذي كان يصدره مركز الدراسات السودانية. كذلك نجد أن جادين قد ترجم العديد من الكتب من الإنجليزية الى العربية والتي تناولت ذات القضايا السودانية المشار اليها، والتي تشكل محور إهتماماته الفكرية. ويعتبر جادين من المترجمين الأكثر إنتاجا في الترجمة في السودان. من ابرز ترجماته: تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان (بالإشتراك مع الفاتح التجاني)؛ بتر ودوورد، السودان الدولة المضطربة. ولأن جادين عاش مؤمنا بوحدة السودان القائمة على أسس طوعية جديدة، وبأهمية الحوارالثقافي الذي يعزز هذه الوحدة، ربما كان أكثر مثقف شمالي ترجم للكتاب الجنوبين. شمل ذلك بعض كتابات فرانسيس دينق ومذكرات الفريق جوزيف لاقو و روفائيل كوبا بادال "فردوس الإمبريالية" وغيرها. وبالإضافة لكتبه وترجماته ونشاطه الفكري والإكاديمي في مركز د. محمد عمر بشير بالجامعة الأهلية ومركز الدراسات السودانية، كان جادين يكتب أيضا بإنتظام في الصحف السودانية. وفي هذا الخصوص، كان جادين يتميز بمعارفه الموسوعية و سعة إطلاعه. كنت اذا دخلت على جادين في اي وقت أثناء اليوم، فان الإحتمال الأعظم انك ستجده اما يقرأ او يكتب. الداخل لدار جادين كان ينتابه الأحساس بأنه في دار للنشر وليس منزل للسكنى. اينما تلفت يجد الكتب في كل مكان وقد فاضت عنها الأرفف والدواليب. تكوين جادين الفكري وإنفتاحه العقلي وهمته العالية هي مدخلات إنتاجه الفكري والثقافي المتنوع الذي أهله لأن يكون رمزا من رموز الفكر السوداني. كذلك نجد وبحكم هذا التكوين وقناعتة المتولدة عنه بوحدة السودان القائمة على أسس جديدة وطوعية هي التي اهلت جادين لأن يقود تيار إصلاح حزب البعث السوداني، ومراجعة مواقفه الفكرية التقليدية حول قضايا الهوية والديمقراطية.
كان جادين يتخلق بأخلاق الفارس الذي "لا يصيد الظبي قرب النبع." وأخلاقية جادين العالية تجبرك على أن تحترمه وان تكافح لان تقترب ولو قليلا من معاييره. وذلك لأنه كان دائما يصعب الصعب ويرفع السقف عاليا عندما يتعلق الأمر بإلتزام السلوك القويم. لم يكن جادين ينظر عن ويحاضر من يقودهم في الأخلاق، وإنما كان يقود من خلال طرح النموذج العملي والدروس الحية للإلتزام الصارم بالسلوك المنضبط بمكارم الأخلاق وقواعد اللعب النظيف. كنت أحيانا ارى في سلوكه وبعض مواقفه مثالية زائدة فيها لزوم ما لا يلزم كشعر المعري. مثلا، عندما شرع جادين في مهمة المراجعات الفكرية المطلوبة لإصلاح حزب البعث وفك إرتباطه بالقيادة القومية في بغداد، لم يترك مريدو صدام حسين وحواريوه مفردة في معاجم البذاءة السياسية والتخوين لم يستخدموها ضد جادين. تبارى أزلام السلطة العراقية الوالغون في نعمها في وصفه بنعوت - تجاوزت العام الي التجريح الشخصي. اتهموه بالخيانة والردة والعمالة للإمبريالية وغيرها من اللوازم المكررة في قاموس اللغة القروسطية المتخشبة لهذا النوع من الأحزاب، التي تدعي بطبيعتها إمتلاك الحقيقة الثورية المطلقة. كل ذلك لأنه صدح بالحقائق الأولية الملموسة. مثل ان السودان ليس بلدا عربيا بالكامل، وأن مكونه ذو الإصول العربية له خصوصية تميزه عن بقية الأقطار العربية، وأنه لا يمكن لحزب يحترم نفسه وجماهيره أن يستمر يدعو للديمقراطية وحكم القانون في السودان في الوقت الذي يدافع فيه عن الدكتاتورية في العراق. كنا شبابا مندفعين بالحماس على أعتاب الثلاثين حينها، لذلك كنا نرى ضرورة التصدي والرد والمواجهة. لم يكن جادين يزيدنا على القول بانه لا يرى ما يستحق الرد عليه. ادركنا بعدها أن جادين كان يعلمنا درسا: لا تضيع الوقت في الرد على ما لا يستحق الرد عليه. وكان لسان حاله يقول: ليس هناك فائدة ترجى من الرد "علي أي ديك يصيح على مزبلة." والحقيقة انني كلما اعدت النظر لاحقا في تلك الخطابات الصادرة من بعض "مغتربي" بغداد في حينها لا اجدها تحوى شيئا سوى نعوت التخوين والبذاءة السياسية. لم يرد جادين على حملتهم بحرف فكان ذلك ابلغ رد. استمر جادين في مشروعه يكتب تاريخا جديدا في تحرير العقل السياسي من سجن الآيديولوجيا المعطوبة. واستمر كل يوم يفتح مسارات جديدة حتى صعد الى برزخ الخالدين. وبقوا هم على دين عبادة الدكتاتورية وأصنامها الصغيرة، مترددين وخائفين يختبئون خلف عويلهم وبذاءاتهم التي ما انفكوا يوزعونها على الناس. والتي كلما سقطت احداها فانكشفت عورتهم السياسية اردفوها بثانية، وقد نصبوا من أنفسهم حكما تاريخيا يوزع شهادات الوطنية و اللاوطنية على الأخرين. كان جادين من الذين يعملون من أجل تأسيس سياسة نظيفة وأخلاقية رغم إدراكه ان محاولاته كانت تتم في سياق متسخ بسبب فساد الإسلامويين وإفسادهم. سأشير أيضا في هذا الصدد، لأحد المواقف التي لا تصدر الا عن شخص من طينة جادين، وهي إعتذاره للشعب العراقي. بالرغم من ان جادين كان قد قطع علاقته بقيادة حزب البعث في العراق منذ العام 1997م، إلا انه كان يرى أن كل البعثيين السودانين وعلى رأسهم هو نفسه يتحملون قدرا من المسؤلية الأخلاقية عن معاناة الشعب العراقي. وفي نقاشاتنا الداخلية كان يشدد على اننا، وبحكم علاقتنا السابقة بقيادة الحزب في العراق، نتحمل قدرا من المسؤلية الأخلاقية عن المآلات الكارثية التي اوصلت لها قيادة الراحل صدام حسين العراقيين. واذكر في هذا السياق انه اقترح – إنطلاقا من هذا الفهم - كتابة خطاب إعتذار رسمي للشعب العراقي ينشر في الصحف، وهو ما تم تبنيه وتنفيذه في سابقة نادرة.
من موقعه كقائد، عمل جادين بجد على توطين الديمقراطية داخل تنظيم حزب البعث السوداني، منطلقا من وعيه واعترافه الذي لا مداورة فيه بأن البعث بصيغته العراقية التقليدية كان يعاني من فقر وانيما ديمقراطية داخلية مستوطنة ومزمنة. وأن فاقد الشي لايعطيه: الحزب الذي تغيب الممارسة الديمقراطية داخل مؤسساته لايمكن أن يساهم إيجابيا في تحقيق التحول الديمقراطي الحقيقي لشعبه. اطلق جادين على تجربة الإصلاح التي كان هو أول من فتح دروبها المنسدة ووقف على اراضيها غير المطروقة بعثيا: عملية التجديد من خلال الديمقراطية. قضية الديمقراطية من القضايا الرئيسية التي كتب عنها جادين. ولأن جادين من الذين يقرنون التنظير بالعمل، ولم يكن يعاني من مرض إنفصام الشخصية المستشري وسط مثقفينا، فإنه لم يكن مجرد أحد السياسين اليسارين الذين بدأوا يكتبون عن الديمقراطية بعد نهاية حقبة الحرب الباردة. وانما كان يمارس الديمقراطية بحق كمنهج للقيادة وكقانون لإدارة التنظيم الحزبي. في اغلب إجتماعات القيادة كان جادين دائما اخر من يتحدث. كان يجيد الإستماع في هدوء وهو المتحدث الذكي والمتمكن من موضوعه. كان يخضع اي كبيرة وصغيرة للنقاش ويحرص على سماع وجهات النظر المختلفة. لم اره ولا مرة واحدة يصدر قرارا منفردا في اي شأن مطروح في إجتماعات القيادة في صيغة أمر. كان حزب البعث السوداني تحت قيادته حزبا يمارس الديمقراطية الداخلية في ابهى صورها. كان لايرى اي حرج ولا يتردد لحظة في تبنى الرأي الديمقراطي متى ما كان مخالفا لرأيه. وهو الذي يكبر كل أعضاء قيادة البعث السوداني (بإستثناء الأستاذ محمد بشير (الصاوي)) سنا وعلما وتجربة.
جادين كان فيه كثير من تمرد - تأثرنا به - وكثير من إباء رغم تواضعه الجم وتهذيبه الزائد. سأشير في هذا الخصوص الى أحد مواقفه ثقيلة الوزن والدلالة. جادين كان من القلائل الذين لا يترددون في رفض طلبات صدام حسين متى ما تعارضت مع قناعاتهم. اعتذر جادين عن قبول طلب الراحل صدام حسين منه الترشح والإنضمام للقيادة القومية لحزب البعث العربي الإشتراكي في المؤتمر القومي للحزب في العام 1992م. وهو المؤتمر الذي انتخب فيه صدام حسين أمينا عاما لحزب البعث بعد رحيل مشيل عفلق. كان الراحل صدام حسين يتوقع ليس فقط مسارعة جادين بقبول الطلب، وإنما أيضا أن يعتبره جادين مكرمة منه وبالتالي يشكره على الثقة التي اولاه اياه باختياره لهذا المنصب الرفيع - الأعلى في هرم التنظيم البعثي. ولم يكتف جادين برفض طلب صدام حسين، وإنما زاد عليه بيان أسبابه ومبرراته، معلنا أنه مهتم أكثر بالقضايا الوطنية السودانية. بما يعني انه يعطي إهتماما أقل بالمقارنة للقضايا القومية العربية، وهو ما لايتناسب مع مهام المنصب التي تتطلب العكس تماما. كان رفض جادين لطلب صدام حسين حضوريا في إجتماع في داخل حصنه في بغداد. بعد ذلك اللقاء (الأخير) بحوالي أربعة سنوات، سيقوم جادين بقطع علاقته التنظيمية بقيادة حزب البعث القومية في بغداد، في إطار مرحلة تجديد وسودنة حزب البعث "السوداني" التي دشنها مع اخريين. ولم يصدق أحد "مريدي" صدام حسين من السودانين ان يركل جادين ارفع موقع حزبي في قمة هرم قيادة حزب البعث القومية. وهو موقع يضعة تنظيميا فوق أعضاء قيادة قطر العراق الحاكمين. وهو موقع كان يسيل له لعاب ذلك "المريد" بكل ما يتضمنه من مزايا ومخصصات و مظاهر السلطة وهيلمانها. و طفق ذلك "المريد" يتسول كل المحيطين به من ذوي النفوذ حتى نجح في الجلوس على ذات الكرسي الذي ركله جادين بكل إباء وشمم. ولا اظن أن ذلك "المريد" قد ادرك، مغزي الدرس والرسالة التي ارسلها جادين من خلال ذلك الموقف. ان أمثال جادين، وهم جد قلة قليلة من الذين يهمهم شرف المبدأ والموقف، يعملون من أجل المجد وليس من أجل الوصول الى مناصب سلطة دكتاتورية او حفنة "دولارات" من أموال شعب العراق، توضع خلسة في حسابات بنوك سويسرا. وهذا تاريخ في الزهد في كراسي سلطة كانت تسيل من تحتها أنهار البترول كتبه جادين دون غيره ممن عرضت عليهم مناصب صدام حسين وجاءتهم "وهي تجر اذيالها."
جادين كأن إشتراكيا حقيقيا يقرن القول بالعمل. جادين المزارع القادم من قرية ألتي بالجزيرة، اعطى كل حياته للدفاع عن قضايا الكادحين وعاش حياته ككادح من جملتهم. لم يكن من ذلك النوع من اليسارين الذين يكثرون الحديث عن الإشتراكية والعدالة الإجتماعية في خطبهم و كتاباتهم بينما يعيشون في فللهم الفخيمة مثلهم مثل سائر الإقطاعيين، في مجتمع يسحق الفقر الغالبية الساحقة من سكانه. كان جادين كشجرة السنط التي وصفها الراحل الطيب صالح بأنها لا تسرف في الحياة لذلك لا تخشى الموت. الفرق انه، اختار بمحض حريته أن يعيش حياة البسطاء زاهدا ومكرسا كل وقته لقضيته التي آمن بها، وكان يملك ان يعيش حياة الرفاهية وترف العيش. جادين خريج كلية الإقتصاد - جامعة الخرطوم عام 1965م في وقت كان خريج تلك الجامعة يساوي وزنه ذهبا، ووكيل ثاني وزارة المالية الأسبق لم يشغل نفسه بجمع المال. ولم يهاجر مثل العديدين من أبناء جيله لأمريكا او أوروباء او الخليج وهو الذي فصله جعفر نميري من الخدمة لأسباب سياسية منذ 1981م. وقد خرج من الدنيا وهو يسكن في بيت ايجار (قبل أن ينتقل في أيامه الأخيرة لمنزل شقيقه د. الطيب جادين) وهو لا يملك حتى قطعة أرض. خرج جادين من الدنيا كما دخلها ولم يسترد حتى رحيله ممتلكاته الشخصية التي صادرتها الإنقاذ منذ مجيئها. بعد إتفاق القاهرة 2005م بقليل، حاول الإسلامويون ان يشتروه في جملة مشترواتهم من الرقيق السياسي. حسب تكوين وعقلية الأسلامويين، فإن كل السياسين قابلين للبيع والشراء فقط تتفاوت الأسعار. ارسل الأمن مرة أحد افرادة ومعه (شنطة) مليئة بالدولارات لأحد أعضاء قيادة حزب البعث السوداني. وكرروا ذات المحاولة مع عضوء ثاني من أعضاء القيادة. وعندما نوقش الموضوع – في المرتين - في إجتماع القيادة، كانت رسالة جادين بسيطة وحاسمة: " بلغوهم هذه الرسالة اذا عادوا وكرروا المحاولة مرة اخرى. نحن لسنا معروضين للبيع والشراء. هذا مال الشعب السوداني وانتم لاتملكونه ونحن لا نستحقه. نحن لم ولن نمد يدنا يوما لمال الشعب. فقط ارجعوا لنا ممتلكاتنا التي صادرتموها."
جادين كان رجلا مؤسسة. كان شعلة من النشاط والحيوية رغم تقدمه في السن. كان "كالجرف الصبور" يعمل بلا كلل في أكثر من جبهة. في العمل التنظيمي للبعث السوداني، لم يكن جادين يكتفي فقط بحضور إجتماعات القيادة وإنما كان أيضا يرأس المكتب التنظيمي للحزب ويشرف بشكل راتب على نشاطه. كان أحيانا يتابع إجتماعات المكاتب الفرعية كالطلاب والعاصمة ويشارك أحيانا في النشاط الثقافي الداخلى في الورش والندوات التثقيفية. بالإضافة لعمله التنظيمي، كان يشارك في اجتماعات قادة تحالف المعارضة، وفي كثير من اللقاءات السياسية. ينضاف لذلك عمله كمتعاون بمركز محمد عمر بشير بجامعة أمدرمان الأهلية ومركز الدراسات السودانية. هذا بالإضافة الى عمله اليومي في كتابة مؤلفاته وترجماته التي انجزها ومقالاته الراتبة بالصحف اليومية. لم يكن جادين يستخدم الكمبيوتر وكانت يكتب كل مسودات كتبه وترجماته ومقالاته بخط اليد وكذلك عمل الترجمة. وللغالبية التي تستخدم الكمبيوتر، ان تتصور مقدار الوقت والجهد الذي يحتاجه ذلك. ومع ذلك كان جادين يجد وقتا لإجتماعيات السودانين التي لا تحصى. فجادين هو صديق المحامين والصحافين والطلاب والمزارعين ...الخ الصداقات المتعددة والتي تغطى طيفا واسعا من المهن والأعمار والخلفيات المختلفة. ربما تقدم لنا قائمة الإنشغالات العامة هذه سبب عدم زواج محمد جادين الذي وهب كل حياته للنضال من أجل حلم بناء سودان حديث علماني ديمقراطي إشتراكي موحد يتسع لجميع أبناءه دون تمييز.
إن الوفاء الحقيقي لجادين هو في الوفاء للقيم الإنسانية التي يمثلها و تطويرها: قيم الحرية والمساواة والعدالة والتضحية والتجرد والزهد والإنفتاح وقبول الآخر ومكارم الأخلاق. وعلى رأس ذلك أيضا قضية التنوير العقلي وتحديث الثقافة والمجتمع. وقضية إصلاح وتجديد الخطابات والمؤسسات الحزبية بما يؤهلها لإحداث التغيير السياسي بكل أبعاده الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. وفي هذه القضية بالذات يكمن وفاء رفاقه الحقيقي له: مواصلة السير في طريق إكمال مهام التجديد والإصلاح التي فتح جادين افاقها ودروبها المسدودة. ومواصلة النضال من أجل قضيته التي افنى فيها حياته: تفكيك النظام الشمولي وتحقيق التحول الديمقراطي. وبناء دولة المواطنة المدنية الموحدة وسيادة حكم القانون وكفالة حقوق الإنسان السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية. وتحقيق التنمية الإقتصادية والعدل الإجتماعي. من خلال ذلك وحده يمكننا أن نودع روح جادين لترقد بسلام في علياءها ونحن نغنيه مع حميد: "صحي الموت سلام ما يغشاك شر."


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1304

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ناصف بشير الأمين
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة