المقالات
السياسة
أساس الفوضى 17
أساس الفوضى 17
06-30-2016 11:28 AM


بسم الله الرحمن الرحيم

تحدّثنا عن علم الألويّات فماذا نعنى به؟
علم الألويّات هو الوعي بالأهمّ ثمّ المهم. وفي الحديث الشريف: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، شُعْبَةً، أَعْلاهَا شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ". والحديث يُوضّح لنا أولويّاتنا في الحياة وما تفسد الحياة بغيره وتنفع الحياة به.

وفي ذلك يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه في إحياء علوم الدّين: "وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور".

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رضي الله عنه: "بأنّ الإنسان ليس من العقل أن يعلم الخير من الشر فقط، بل يجب أن يعلم خير الخيرين، وشرَّ الشرَّين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات".
فهذا مفهوم علميٌّ رصين يقسّم التعامل مع أمور الحياة إلى أربعة أقسام:
• القسم الأوّل تقليل المفسدة أو تقليل الخطر.
• والقسم الثاني تعطيل المفسدة أو تعطيل الضرر.
• والقسم الثالث تحصيل المصلحة أو تحصيل الشفاء وهو الالتئام الموضعي.
• والقسم الرابع تكميل المصلحة أو تكميل العافية وهو النَّماء الشامل.
وإذا طبّقنا ذلك على مراحل العلاج لأي مشكلة صحيّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة فسنجد نفس هذه المراحل وبنفس هذا الترتيب ولذلك فالقاعدة الفقهيّة: "درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة"، قد قامت على أساس الفطرة السليمة للإنسان.

فهو، كما قلنا من قبل، إذا جاء للمستشفى وهو ينزف دماً فأوّل ما يقوم به الطبيب هو تقليل المفسدة، أي تقليل الخطر على حياته بإيقاف نزيف الدّم، ثمَّ تعطيل المفسدة؛ أي يُعطّل الضّرر اللاحق، مثل هبوط ضغط الدم أو هبوط القلب، نتيجة فقدان الدّم بإعطاء المريض دماً قبل أن يُدخله لغرفة العمليّة لإجراء العمليّة الجراحيّة لرتق الجرح، ومن بعدها تبدأ مرحلة تحصيل المصلحة وهي تُساوى مرحلة الشفاء من الجرح بعد تعقيمه وتضميده، بتغذية المريض وإعطائه الأدوية المساعدة على الشفاء، وأخيراً يصل المريض للمرحلة الأخيرة وهي تكميل المصلحة وهي مرحلة بلوغ العافية.

وفي حال الوطن الكسيح مثلاً نجد أنّ الأولويّات ومراحل العلاج مختلطة. فمثلاً الحرب تُمثّل النزيف المستمر للوطن الجريح بينما ينشغل المتحاربون بما يسمّونه مُستحقّات الحوار وترسيخ الديموقراطيّة وما شابه، أي ينشغلون بمرحلتيّ الشفاء والعافية ولا يُعطون مرحلتيّ تقليل الخطر أو تعطيل الضّرر بالاً بينما الوطن يموت بين أيديهم وحين يفرغون من سجالهم لن يبق وطن يحكمونه حكومة أو مُعارضة.

ونجد الحكومة تضع أولويّة منع اللبس العاري قبل أولويّة انهيار الاقتصاد، أو أولويّة إقامة الحدود قبل أولويّة كفاية المواطن وهكذا دواليك.

وللرئيس الأمريكي السابق آيزنهاور تقسيم شهير لأولويّاته يقوم على أربعة محاور في كلّ محور عاملين:
• الأوّل: أمرٌ مهم وعاجل، وهذا يشمل الأعمال التي تطرأ على الإنسان أو تلك التي يتركها حتى آخر لحظة. هذه الأعمال يجب أن تأخذ الأولويّة القصوى لأنّ في تأخيرها ضرر بالغ أي يجب أن تُوضع في المدى القريب أو المباشر وهي تمثّل تقليل الخطر أو تعطيل الضرر.
• والثاني: أمرٌ مهم وغير عاجل، وهذا يشمل الأعمال التي تساعد الإنسان لتحقيق أهدافه متوسّطة وبعيدة المدى والتي إهمالها قد يُؤدّي إلى انعدام الكفاءة وانعدام الرؤية والتخطيط السليم ومن ثمَّ إلى الفوضى. وهي مرحلة التّخطيط وتحضير آليّات الشفاء للأمراض الاجتماعيّة والسياسيّة وبدون ذلك يكون الوطن في حالة خطر دائم لا يُمكّن القائمين بأمره من تجاوز مرحلتي تقليل الخطر وتعطيل الضرر أي أنّهم ما إن يطفئون حريقاً حتى يشبّ حريقٌ آخر.
• والثالث: أمرٌ غير مُهم وعاجل، وهو يشمل الأعمال التي يطلبها منك النّاس ولكنّها ليست مهمّة لديك، أو أنّ أهمّيتها تأتي من اهتمامك بترضيتهم وهذه في الحالات الاجتماعيّة والسياسيّة. مثل هذه الأعمال يمكن تكليف الغير بعملها.

• والرابع: أمرٌ غير مهم وغير عاجل، وهي الأشياء التي يريدك الغير أن تقوم بها ولكنّها ليست بعاجلة أو مُهمّة بالنسبة لك عاجلاً أو آجلاً فيجب عليك إسقاطها وأن ترفض أداءها بلطف.
وإذا تأمّلنا في حال وطننا السودان نجد أنّ جُلَّ الوقت يُبعثر فيما لا أهمّية له ولا عجلة لأدائه، فالنّاس في حالة حركة دائبة بين المجاملات الاجتماعيّة وعلى رأسها أداء واجب العزاء، ثمَّ عيادة المريض، ثمَّ الزواج إلى أن نصل إلى حفلات أعياد الميلاد.

كلُّ هذا النشاط المحموم يقع تحت دائرة الأمور غير المُهمّة وغير المستعجلة، وقد وضعها شرع المسلمين كفرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، جعلت منها شعوب السودان فرض عين.
ونحن نعلم أنَّ الغرض من تشييع الميّت ثلاثة: أوّلها غسله وستره، وثانيها الصلاة عليه والدّعاء له، وثالثها تفقّد أحوال أهله، وهو كما نري لا يحتاج إلى أرتال النّاس المتدافعة لتشييعه، ولا التعطّل عن العمل والإنتاج وترك الأهمّ من الأعمال، فالميّت ليس بعائد، والدّعاء له يلحقه أين كان من أيِّ مكان، وأهله باقون للزيارة والعزاء.

أمّا الأمور المهمّة والعاجلة مثل التخطيط لحلِّ مشاكل الوطن، وتدريس النّشأ، أو علاج المرضي، أو البحوث العلميّة فلا وقت لها وقلّما تجد من يقوم بها بهمّة وإخلاصٍ مثلما يقوم بأداء واجب العزاء في راحل أو راحلة، بل يُصيب من يقدّر الأوليّات ويقوم بالعمل الأهم وابلٌ من "العيب والتشنيع الاجتماعي".

ولأنّ لطبائع النّفس حاجات مختلفة، حتى بالنسبة لطبع واحد، وقد تحدث في أوقات مختلفة أو قد تتنافس في نفس الوقت، على الإنسان تقرير أيهم الأهمّ وأيّهم العاجل.

فمثلاً، لتقريب المعني للشباب المهتم بالفنون، إذا عرض عليّ إخوان أن أذاكر معهم للامتحان وعرض عليّ آخرون أن أذهب معهم للمسرح، وأنا أحتاج للمذاكرة وأحب المسرح، فعليّ أن أقرر هل أُذاكر أم أذهب للمسرح أو أن أفعل شيئاً مختلفاً تماماً كالنوم مثلاً أو الذهاب لمطعم أو للمكتبة؟
أمّا الشباب المهتمّ بالدروس الدّينيّة فقد يكون العرض بين المذاكرة ومحاضرة لشيخ محبوب تتمنّي رؤيته وتّتخذه مثالاً وتودُّ أن تصير مثله داعية في سبيل الله.

هذه الأشياء تحتاج إلى قدر من التفكير الراشد قبل عمل القرار لأنّ له مآلات خطيرة على المستقبل، ولذلك فمعرفة علم الأولويّات هو الذي يحدّد أيُّ العروض أجدر بالاختيار.

قل إنّك شخص "راشد" وقلت لنفسك أنّك تحتاج للمذاكرة لأنّ الامتحان بعد يومين وأنت لم تُحضِّر له جيداً، وهذه آخر فرصة لك لإحراز نتيجة تدفعك للأمام، وأنَّ والدك سيحرمك من المصاريف إذا فشلت في هذه المرّة، ولكنّك مع ذلك تحبُّ المسرح أو الشيخ حُبّاً شديداً، والمسرحية المعروضة قرأتها وتمنّيت أن تراها أو تمثّل فيها وقد تبقّى لها يوم ولن تستطع أن تراها إذا انتهى العرض، وأنّك ترغب في العمل في المسرح عندما تتخرّج من الجامعة، أو أنَّ الشيخ سيرجع إلى بلاده مباشرة بعد المحاضرة وأنت رأيت محاضراته على الشبكة العنكبوتيّة وتمنّيت لقاءه.

هذا النزاع هو ما نسمّيه بالنزاع الداخلي شبه المُتكافئ والذي لا يمكن أن تُحقّق فيه الأمرين في نفس الوقت، فهما مُهمَّين وعاجلين، ولذلك تتذبذب من طرف لآخر كبندول السّاعة. تخيّل أنّك قلت لأصدقائك أنّك لن تتمكّن من الذهاب للمسرح أو للمحاضرة لأنَّ الامتحان أهمَّ في تلك اللحظة، ولكنّهم قالوا لك إنّ "فلانة"، التي تحبّها حبّاً جمّاً وسعيت لرؤيتها في الماضي ولم يمكنك ذلك، ستكون ضمن المجموعة وقد سألت عنك أو الشيخ سأل عنك لأنّك كاتبته ويرغب في رؤيتك.

وإذا رغّبوك أكثر فقالوا إنّك تستطيع أن تُحضر كتابك معك وتذاكر في فترة الاستراحة وأنّك شخص ذكيٌّ لا تحتاج لمذاكرة كثيرة فهذه المعلومة الجديدة قد تقلب الأمور وتُعيد القرار إلى طاولة المفاوضات الدّاخليّة بين الغرائز الـمُتنازعة.

ومهما تتّخذ من قرار فإنّك لن تستطع أن تُسكت صوت الحاجة الأخرى؛ فإذا قرّرت المذاكرة مع أصدقائك الممتحنين سوف يسرح خيالك للمسرح وللفتاة التي تُحبّها أو لمحاضرة الشيخ وتظلّ في حالة نزاع والعكس هو الصحيح. أي أنّ الطمأنينة هدف بعيد المنال في الحالتين إلا إذا كنت مُدركاً لأولويّاتك وتفرّق بين الأهمِّ والمُهم.

هذا ينطبق أيضاً على كلّ القرارات التي تتّخذها في حياتك مثل الزواج، والدراسة، وحتى الإيمان بالله والملائكة والرسل والكتب السماويّة واليوم الآخر والجنّة والنّار، فما من أحد منّا رأى الله جهرةً، ولا رأى الملائكة من البشر غير المُختارين من الرسل، ولا أحد رأى ملكاً يتلو آيات الله على رسوله، ولا رأينا أحداً مات ورجع ليخبرنا بوجود عالمٍ آخر، ولكن توفّر لنا عملٌ وعلمٌ قارنّاهما بما نملك من علم وخبرة وما هو معروض من أفكار أخرى، ثمّ اخترنا منها "الظنّ الراجح" على أساس أنّه سينفعنا ويعيننا في الحياتين.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي
+++
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1288

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د عبدالمنعم عبدالباقي علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة