المقالات
منوعات
إيفيتا : السيرة الحقيقية (1) *
إيفيتا : السيرة الحقيقية (1) *
06-30-2016 03:42 PM

image

الفصل الأول
بيت دونا خوانا

هكذا بدأ المشهد في قرية (لوس تولدوس) : كانت الشوارع غير ممهدة حتى في وسط القرية ، ترابية في فصل الجفاف ، يتعذر إجتيازها خلال أمطار الشتاء ، أما الساحة فلم تكن سوى فسحة واسعة ، حلّ فيها الطوب المسحوق ، تحيط بها مضاهات غير متقنة لحوريات ، أبطال في الحروب ، السيدة العذراء والشعار الوطني . على أحد الأطراف كانت الكنيسة تقف ماثلة ، فيما على الطرف الأخر محلان تجاريان . أما البيوت ذات الطابق الواحد والمبنية من الطوب فقد كانت تتشابه من حيث البناء والتنسيق ، بعضها مطلي بالأبيض والأخر باللون البني الفاتح ، غير أنها كانت جميعا تفتقر إلى الواقيات التي تدرء غبار الشوارع . أما الأشجار ومع إنتظام المسافات التي بينها فقد كانت قصيرة على مستوى البيوت . حيثما إنتهت القرية كانت هناك ثلاثة أو أربعة صفوف من البيوت ، تبعد عن الساحة في كل إتجاه ، فيما الأرض تمضي مستقيمة نحو الأفق حيث الفضاء الواسع والسماء الأوسع . على المدى البعيد كانت قطعان الماشية تقف وحيدة أو في مجموعات ، بينما زرعت الأشجار لتكون بمثابة مصدات رياح للمزارع المنعزلة . كان يطلق على السهل الواقع غرب (بيونيس ايرس) إسم (بامبا) وهو واحد من أغنى الأراضي الزراعية في العالم . لقد كانت (لوس تولدوس) التي تبعد عن العاصمة (بوينس ايرس) مئه وخمسون ميلا ، مختلفة قليلا عن باقي المستوطنات المنعزلة في سهل (بامبا) .

كان الهنود هم سكان السهل ، غير أن الكثير منهم قتل في حروب الحدود في ثمانينات القرن التاسع عشر . كانت (لوس تولدوس) واحدة من معسكراتهم كما يشير ذلك إسمها (الخيام) . اليوم يعيش القليل من الهنود في أكواخ خارج القرية غير أنهم يظهرون في أيام الأعياد وهم يرتدون القبعات البيضاء والعباءات ويمتطون ظهور الخيل حاملين الرماح . لقد قدم سكان القرية إليها خلال الحرب وبعدها ، يوم كانت تلك الأرض الخالية والمكشوفة مستعمرة . لقد أنشيء أول سياج من السلك في القرية عام 1844 ، فيما حط أول إسكتلنديون من مدينة أبردين فيها عام 1876 ووصلت أول سفينة مبردة من إنكلترا عام 1877 . بحلول تسعينات القرن التاسع عشر أنشأ المال والتكنولوجيا الإنكليزية شبكة من السكك الحديدية عبر السهل من العاصمة (بوينس ايرس) ونمت القرى الواقعة على خطوط السكة حديد ، حيث كانت تتوقف لتحميل قطعان الماشية . كان القرويون القادمون للأرجنتين من إسبانيا أو إيطاليا يعملون كعمال أو باعة للحاجيات لمزارعي المنطقة . لم يكونوا جوعى أبدا ، بل كان لديهم اليسير غير الطعام . لم يستطيعوا أن يمتلكوا الأرض لأنها قسّمت إلى ممتلكات الضخمة وأعطيت للأرجنتيين المحليين بعد الحروب الهندية . مع أن أجورهم كانت منخفضة ، إلا أنهم لم يحسبوا أنفسهم كفقراء . كانوا قليلا ما يسافرون وحينما يفعلون ذلك يجدون قرى مثل قراهم . لقد كان لديهم القليل من معايير المقارنة .

في السابع من مايو عام 1919 وعند الساعة الخامسة من ذلك اليوم توجهت إمرأة هندية إلى بيت يقع غرب القرية لتضع مولودا . كان بيتا بسيطا بني في فناء تحيط به الأشجار . كان أب المولود (خوان دوارتي) شخصية مهمة في الجوار ، يبلغ من العمر ثلاثة وأربعين عاما وهو القادم من بلدة (شيفليكوي) التي تبعد عن القرية عشرين ميلا . في شيفليكوي كان قد تزوج (إستيلا قريسوليا) التي أنجبت له ثلاثة بنات ، لكنه قبل ثمانية عشر عاما غادر شيفليكوي تاركا وراءه زوجته وبناته ، متجها إلى لوس تولدوس ليعمل كمدير عقارات نيابة عن عائلة (مالكوم) التي تمتلك الأرض . كان يتلقى حصة من الأرباح نظير عمله في الأرض ومنحه ملاكها قسما منها . إن أمرا كهذا في المجتمع القروي كان كافيا لمنحه لقب (مربي ماشية) . كان للمزرعة حاصدتان تجرهما الخيول وكانت ناجحة وأمتلك دوارتي سيارة . في عام 1908 أصبح دوارتي قاضيا للمنازعات ، إعترافا بتأثيره المحلي الذي إكتسبه في القرية . لقد كان يحب أن يجتمع الناس في بيته وكانوا هم يحبون ذلك لأنه حسن المعشر .

أما أم المولود (خوانا إيبارقورين) فقد كانت خليلة خوان دوارتي في لوس تولدوس ويقال أن جدتها من ناحية أمها جاءت إلى القرية مع الجنود خلال الحملة الهندية ، أما أمها (بيترونيا نونيز) فقد عاشت لفترة مع سائق عربة نقل باسكي يدعى (إيبارقورين) وهو الإسم الذي حملته البنت . في الخامسة عشر أو السادسة عشر من عمرها قابلت خوانا (خوان دوارتي) وكان ثمرة إرتباطها معه الأطفال : بلانكا ، إليسا ، خوان ، إيرميندا وإيفا ماريا الذين عاشوا مع أمهم في بيت يقع على الشارع الرئيسي للقرية ومع أن كل القرية كانت تعرف الوضع الحقيقي للأسرة ، إلا انه جرى المحافظة على اللياقة الظاهرية . في المقابل فإن (خوانا إيبارقورين) لم تكن تتصرف كخليلة لدوارتي فقد تبنت إسمه . كانت ذات ملامح قوية ، لها عينان سوداوان ، حسنة الملبس ، تتعطر وهو أمر غير مألوف في ذلك الوقت ويقال أنها ورثت صرامتها وتكبرها من والدها الباسكي .

في المقابل لم يعثر على شهادات ميلاد أو سجلات تعميد للمولودة الصغيرة . بالنسبة للذين زعموا أنهم رأوا تلك المستندات قبل تدميرها ، زعموا أنها عمّدت مع (إيرميندا) وأخوها (خوان) في 21 نوفمبر 1919 . كانت الأسماء التي منحت لها (إيفا ماريا) أما لقبها فهو (إيبارقورين) . إن إسم والدها لم يدخل في أيّ من المستندات وحيث أن فترة الستة أشهر الفاصلة بين الميلاد والتعميد كانت أطول مما هو معتاد ، فقد سرت إشاعة في القرية بأنه جرى جدل ما بين الأب والأم حول أسماء الأطفال . إن زواج (دوارتي) الثاني لم يكن شيئا غريبا فظروف الحرب وما أقتضته حروب الحدود والغياب الكامل للسجلات ، يعني أن المستوطنين القرويين في القرن التاسع عشر كانوا يرتبطون بالنساء الهنديات ويتركونهم وأطفالهم بينما يتحركون إلى الأمام ، من مستوطنة إلى مستوطنة ومن إقليم إلى إقليم . يرى الكاتب (إيزاكويل مارتينيز إسترادا) أن هؤلاء الأطفال ربما تبنوا تقاليد أبائهم لكنهم في دواخلهم لم يكونوا راضين عنهم . يبدو أن دوارتي كان عطوفا على خليلته وأطفاله حينما كان بلوس تولدوس فقد كان لهم بيت في القرية وخادمة وأكثر من مظهر للحياة العائلية ، لكن مسألة تسمية أطفاله وسلوكه اللاحق تجاههم يشير إلى إن إحساسه بالأبوة كان قد بلغ نهايته .

في الشهور الأولى من عام 1920 ولم تكن إبنته الصغرى قد بلغت العام ، غادر (دوارتي) مزرعته ودونا خوانا وعاد إلى أسرته الأولى في (شيفيلكوي) . ربما عاد لأن المزرعة لم تعد تدر ما يكفي من المال أو ربما قرر الرجوع إلى زوجته . إنه لم يوضح أسبابه وليس هناك أحد في القرية يشعر بأنه ملزم بذلك . لقد أخلف رحيله الفقر لدونا خوانا . لذا إضطرت أن تغادر بيتها الذي يقع على الطريق الرئيسي إلى كالي فرانشيا 1021 وهو بيت مؤلف من غرفتين يقع بجانب السكة حديد ، مع مظلة في الخلف للطبخ وفناء . لقد كان كوخا قرويا آيلا للسقوط ، مزدحما بالأطفال ويشتم منه رائحة الطبيخ البائت . حتى لا تتعرض الأسرة للجوع عملت (دونا) على خياطة الملابس لأهل القرية . مع أنها إستمرت في إعتبارها إمرأة محافظة ، إلا إن سمعتها لازمتها حيثما كانت وربما سبب لها ألما أكثر من الفقر الذي حلّ عليها ، فمثلا سرى الهمس على أن لها علاقة حميمة مع (كارلوس روسيت) وأنه ليس حاميها الوحيد . يقول رجل كان في المدرسة مع بناتها الكبار (كانت الشائعات في القرية تتحدث عن إليسكو كالفينو الذي كان يمد العائلة بالدجاج والياس توماسي الذي يزودها باللحم وميغويل ليزازو وخوان جيلابيرت وأخرون كثيرون ......) . إنه يذكر أن الأمور التي كانت تقال خلف ظهر دوانا ، كانت تقال بشكل صريح لبناتها ، غير أن أبنها خوان حينما كبر أصبح حامي العائلة ، مهددا اؤلئك الذين يسيئون إلى عائلته . يقول نفس الرجل (إنه يمكنك أن تقول كل شيء توده لاؤلئك البنات ، غير أنهن لم يكن لاذعات أبدا ، مع أن كل القرية تعتقد أنهن كذلك) .

في 8 يناير 1926 سمعت دونا خوانا وأسرتها أن خوان دوارتي قد قضى نحبه في حادث سيارة بالقرب من (شيفيلكوي) . عندها قررت دونا أن تحضر الجنازة مع أنها قانونيا وعائلتها لم يرتبطوا بعائلة الرجل الميت ووفقا لتقاليد ذلك الزمان فإن حضورها يمكن أن يفسر كإهانة . بناء عليه ألبست أبناءها زي الحداد . كان عمر بلانكا يومها ثمانية عشر عاما ، إليسا في السادسة عشر ، خوان في الثاني عشر ، إيرميندا في العاشرة وإيفا ماريا في السادسة فقط من عمرها . عندما وصلوا شيفيلكوي وعرّفوا أنفسهم لدى الباب ، رفضت الزوجة الشرعية (إستيلا قريسوليا) دخولهم ودار جدل حاد عن سبب مجيئهم . كان على دونا خوانا أن تلتمس الدخول من شقيق (إستيلا) وهو عمدة شيفيلكوي وبعد التحدث إلى إخته سمح للأطفال بالدخول . كان هناك طعام وكثير من الشراب على الطاولات ، فيما كان الجسد المسجى الموضوع في نعش مفتوح تحيط به الزهور قد ألبس أفضل الملابس . جرى إقتياد الأطفال بواسطة الأخ فألقوا نظرة قصيرة على الرجل الذي شكّل جزء من حياتهم ، ثم صلوا وخرجوا . كان اليوم في الخارج يوما صيفيا ساخنا ومغبرا وأنتظروا ريثما أخرج النعش ووضع في عربة مزينة بالمخمل الأسود والفضي تجرها الخيول . سمح لدونا وأطفالها بالسير خلف العربة لكن ليس خلفها مباشرة أي كانوا خلف جمهرة المشيعين . كانت المدفنة بعيدة نوعا من القرية فيما غبّر الغبار المثار ثياب الحداد التي كان يرتديها المشيعون . عند المدفنة كانت الأم وأطفالها يراقبون القس وهو يؤدي المراسم بنضح الماء ثم إهالة التراب على القبر . بعدها عادت العائلة قافلة إلى لوس تولدوس .

لم يحدث أن واجهت إيفيتا أو أخواتها مسألة اللاشرعية ، غير أنه في أواخر عام 1972 كتبت (إيرميندا) الفتاة الصغيرة الثانية أن أمها وأباها قد تزوجا بسرور وأنه قبّلها وقبّل أختها الصغيرة إيفا ماريا مودعا بـ (مساء الخير) في الليلة التي سبقت مغادرته القرية في رحلة عمل حيث مات بعدها . في كتابها (غاية حياتي) قدمت إيفيتا بعض من حكايات حياتها بدون تاريخ أو ذكرا لأحداث طفولتها . لقد صنّف الماضي تحت الصورة التي أصبحت عليها وعن مشاعرها تحدثت إيفيتا عن إحساسها بالغضب ضد الظلم : ( بقدر ما أتذكر فإن وجود الظلم كان يؤلم روحي كما لو أن مسمارا أعمل فيها . من كل فترة في حياتي كنت أحتفظ ببعض ذكرى الظلم الذي كان يعذبني ويمزقني) . إن إيفيتا كانت صغيرة جدا لتحمل أي ذكرى عن رحيل أبيها ، غير أنها لم تنسى أبدا الجنازة فهي لم تغادر القرية من قبل أبدا ولم ترى عائلتها من خلال أعين الأخرين . بينما لم تفهم الضجة والإنفعال الذي نجم عن رغبة أمها في رؤية الجثمان ، لم تفهم كذلك سبب كراهية الناس لأمها ولها وربما غضبت من أمها لتعريضها لهذا الكره . كانت إيفيتا صغيرة ونحيفة وهادئة ، لها شعر أسود وعينان محدقتان ذات لون بني ، غير أنه كانت تتنابها نوبات من الغضب تبدو غريبة على العائلة . حينما توفيت جدتها لأمها بعد عام من وفاة والدها ، ألقت بنفسها في الأرض وأنخرطت في بكاء لا عزاء له . لقد كانت عائلتها تسميها النحيفة وكانت الأقرب إلى أختها (إيرميندا) التي كانوا ينادونها بـ (شيكا) وإلى كلب يدعى (ليون). كانت تلعب مع شيكا وليون على أرض بها شجر الصفصفاف والتوت بالقرب من السكة حديد . من البيت كان يصدر صوت ماكينة الخياطة حيث كانت تعمل أمها طول اليوم وأحيانا في الأمسيات . كان للأطفال قليل من اللعب والدمى المستعملة أو التالفة فقد كانوا في هذا الجانب فقراء .

لكن في المقابل كان للعائلة دائما ما يكفي من الأكل من لحم البقر والطعام المطهي الذي تتناوله الطبقة العاملة الأرجنتينية ولأن دونا خوانا كانت تكسب من عملها في خياطة الملابس فإن أطفالها كانوا يرتدون أفضل الملابس ، ربما بشكل أفضل من معظم أطفال القرية . لقد كانت دونا خوانا فخورة بهم ولها معاييرها العالية في ذلك فقد كانت لا تسمح لهم بأقل درجة من الإتساخ في أي مناسبة وكانت تحثهم على أخذ العناية بأنفسهم . لقد كانت تمنحهم الإحساس بأنهم فقراء لأن ذلك حدث بشكل غير عادل وأنهم يجب أن لا يكونوا كذلك . تكتب إيرميندا (كان أكثر ما يؤلمنا أن نرى التقرحات على رجلي أمنا من توسعات أوردتها ، غير أنها كانت ترفض أن تستسلم للألم وكانت تمضي في العمل . كان علينا في كل صباح أن نساعدها على النهوض من السرير . حينما أخبرها الطبيب بأن عليها أن ترتاح ردت عليه بحده : ليس لدي وقت . إذا إرتحت فكيف ليّ أن أعمل وكيف لهم أن يعيشوا ؟) . حينما بلغت إيفا ماريا الثامنة من عمرها كانت تسير مع أختها إيرميندا وهي ترتدي مئزرا للأطفال على إمتداد الشارع الرئيسي ، متجاوزين الساحة والمحلات ، في طريقهم إلى المدرسة الإبتدائية الصغيرة في الطرف الأخر من القرية . كان هناك مدرسة واحدة ، غير أن الأطفال تعلموا مجموعة من المواد مثل الكيمياء ، علم الحيوان ، علم المعادن . كانت إيفا ماريا هادئة وجيدة وبحسب علاماتها فقد كانت طالبة متوسطة المستوى . إن مدرّستها لا تذكر الكثير عنها سوى عينيها الكبيرتين .

في العام التالي من المدرسة أخذ كل الأطفال دورا في إحتفال حضره حاكم (بيونس إيرس). كانت زيارة سياسي هام أمر نادر ، مما جعل العمدة يستغل فرصة المناسبة ليقدم مهرجانا يصور فيه منشأ وتطور القرية . كان الهنود الذين آثروا البقاء في لوس تولدوس هم أول من دخلوا الساحة ، أعقبهم طلبة المدارس . ألقى العمدة حديثا مطولا عن التقدم والديمقراطية ، ثم أعقبته فتاة صغيرة تدعى (ميسيلا) تحدثت عن الإحساس القوي بالأرجنتينية وأن تدوم روح التوحد في هذا اليوم إلى الأبد .بعد ذلك غنى الأطفال النشيد الوطني . تلى ذلك أحاديث كثيرة ، إقامة ولائم ، مباراة في كرة القدم ، ثم غادر السياسي عائدا بالقطار وأصطف الجمع يحييه على الرصيف ، بينما علت طائرتان تتبعانه من الخلف . كان العمدة الذي نظم الإحتفال عضوا في الحزب الراديكالي وقد أنتخب حديثا . بالنسبة لدوارتي الأب فقد كان محافظا ومن خلال أصدقائه وكذلك المحافظين إستطاع أن يعثر على وظيفة لإبنته الكبرى (إليسا) في مكتب البريد . لقد طلبت دونا خوانا من العمدة أن يبقي إبنتها في وظيفتها ، غير أن العمدة رد عليها بأن ذلك غير ممكن فطلبت أن يجد لها وظيفة في مكان أخر فكان أن عثر لها على وظيفة في (خونين) وهي تبعد عشرين ميلا من لوس تولدوس . عندها وفي الشهور الأولى من عام 1930 م حزمت العائلة أمرها وأستأجرت شاحنة وحزمت أمتعتها وغادرت (لوس تولدوس) وقيل حينها بأنهم غادروا القرية ليلا لأنهم كانوا مدينين بالمال لأناس في القرية .

لقد تحرك الناس بأعداد كبيرة في القرن التاسع عشر في الأرجنتين ، لكن بعيدا عن الساحل بحثا عن الأرض . في ثلاثينات القرن العشرين إنخفضت أسعار الطعام مما إضطر البعض منهم للعودة مرة أخرى . كانت (خونين) التي إستقرت بها عائلة دوارتي بالأساس قلعة ثم مركزا للسكة حديد وأصبحت الآن محطة على الطريق بين اليابسة وبيوينس إيرس . في محيط خونين في القرن التاسع عشر كان الجوار غير آمن وعدائي مع أسماء مثل (تيرا ديل فيغو) و (فيلا إيتاليا) . لهذه الأحياء الفقيرة جاء المهاجرون فالمحظوظون هم الذين عثروا على العمل في ورش السكة حديد في الصهر أو التنجيد ، غير أن معظمهم لم يجد شيئا فأستقل القطار إلى بيونس إيرس . كانت عائلة دوارتي جزء من هذه الحركة المهاجرة بحثا عن العمل ، لكن وبسبب وظيفة (إليسا) في مكتب البريد فقد كانوا أكثر حظا من الكثيرين . لقد كانت (خونين) ذات الكاتدرائية المطلية بلون الفستق ، مليئة بالفلل الصغيرة ذات الزجاج الملون والأرضية ذات البلاط الأحمر وكانت إحدى هذه المنازل من نصيب عائلة دوارتي بعد إنتقالها إلي هذه البلدة .

بعد أن تأهلت بلانكا كمدرسه وأصبح خوان يعمل بالتنقل حول المنطقة لبيع المنتجات المنزلية ، تخلت دونا خوانا عن خياطة الملابس لأشياء أفضل . لم تكن في هذه البلدة البورجوازية الصغيرة مطاعم فإهتدت دونا خوانا إلى ذلك وأخذت تستقبل الزبائن في منزلها . لقد قيل لاحقا وبعد أن إشتهرت (إيفيتا) أن مقر دونا خوانا كان به قدر كبير من الصخب والضحك وبعض المشاهد الجميلة الآسرة للعاطفة ، هيأتها الأم وبناتها لأجل الزبائن . لكن يبدو ذلك مستبعدا فدونا خوان تقدم نفسها الآن كأرملة لدوارتي ومطعمها يرتاده زبائن من وجهاء البلدة الذين هم فوق الشبهات أمثال خوزيه الفاريس رودريغويز (دون بيبي) مدير الكلية الوطنية والمساهم في اعمدة تحرير الصحف المحلية ، شقيقه الاصغر المحامي / خوستو ، ماجور أريتا وهو شاب صغير كان مسئولا عن الفرقة العسكرية التي تمركزت في البلدة . كانت العائلة تعمل معا ، الأم دونا تطبخ في المطبخ ثم يجيء دور البنات في غسل الأطباق وكانوا أحيانا يجلسون مع الزبائن بشكل رقيق ودمث . كانت إيفا ماريا تذهب إلى المدرسة التي تقع بعيدا عن الساحة الرئيسية للبلدة . تظهر الصورة المدرسية لإيفا وجها لفتـــاة منطوية على نفســها لكنها ذات ملامح قويــة ، حزينة ، ذات أعين محدقة وشفاه مطبقة . كانت فتاة صغيرة جميلة ذات شعر داكن وبشره أشبه بالبروسلين . يقول أحد الأساتذة أنها كانت (منطوية على نفسها بحياة داخلية مجهدة ، ذات حساسية كبيرة وقابلية للجرح) .

كانت (إيفا) فتاة لطيفة وودودة جدا حينما تكون مع أفضل صديقاتها (إليسا) ووقتها كانت في الثانية والعشرة من عمرها ، إلا أن هناك الكثير من الفتيات كان لا يتحدثهن إليها لأن أمهاتهن طلبنّ منهنّ ذلك ، بسبب ما كان يقال عن أمها وهو أمر قد أحست به (إيفا) بمرارة غير أنها لم تتحدث عنه أبدا . بالنسبة لـ (إليسا) فقد كانت فتاة يتيمة ربتها عمتاها اللتين أحبتا (إيفا) . بينما كانت أيام الأسبوع تمضي إما عمل أو دراسة كانت أيام الأحد هي أيام الإنصراف ، حيث يرغب سكان (خونين) في السير في الشوارع الخالية قاصدين وسط البلد ليتوقفوا لمشاهدة مارأوه كثيرا من قبل عبر النوافذ . فقط مرة واحدة يتغير فيها هذا الروتين في البلدة حينما يجيء وقت الكرنفال حيث تعزف الموسيقى ويؤدى الرقص في الشوارع . كانت الفتيات يرتدين الأقنعة التي تزين بالزهور التي يقدمها لهن الفتيان وفي أيام الثلاثاء وحينما كان الدخول لمشاهدة الأفلام يكلف ثلاثون سنتافو للمقعد ، كانت الفتيات الصغيرات يشترين حلوياتهن ويقفن في صف عند (روكسي) أو (كريستال بلاس) وينتظرن في مقاعدهن الخشبية حتى تخفت الأضواء وعلى الشاشة وبدلا من الضجر الذي يكتنف أيام الأسبوع وأيام الأحاد ، تظهر صور الحياة الأوربية وأمريكا الشمالية وصور الثراء والسلطة ، مشاهد المدن العظيمة والمتألقة وفوق كل ذلك الحب : الحب الذي يتجاوز حواجز الطبقات ، الحب والمال ، الحب ومعاطف الفراء ، الحب والقدر ، الحب في غرف التصوير الفسيحة ذات السلالم الرخامية السوداء ، كراسي الساتان البيضاء ، السجاجيد ذات الصوف الأبيض ، الطاولات والكراسي ذات الأرجل المصنوعة من الكروم ، حيث شقراء نيويورك الجميلة طابعة الآلة الكاتبة تغري رئيسها الوسيم وبالحيل تجبره على أن يطلق زوجته الأنيقة .

كانت الفتيات يشترين الـ (سينتونيا) وهي مجلة السينما الأرجنتينية الشعبية ويقطعهنّ إلى أجزاء حيث يجري تبادل الصور وكذا الأحلام عن هوليوود وباريس . كانت (نورما شيرر) هي نجمة إيفا ماريا المفضلة والتي ولدت فقيرة في (مونتريال) لكنها جاءت إلى هوليوود وقابلت (إيرفنج ثالبيرج) وتولت أدوار البطولة في عشرات أفلام الـ (إ م جي إم) من بينها فيلم (ماري أنطوانيت) . كان يقترح على إيفا دائما أن تصنع أطباق الطعام لإختها إيرميندا مقابل الصور الفوتوغرافية للأفلام . تقول (إيفيتا) في مكان ما لم تسميه حيث قضت طفولتها : (( هناك فقراء أكثر من الأغنياء لكني جعلت نفسي تؤمن بأن هناك أماكن أخرى في بلدي وفي العالم حيث الأشياء يمكن أن تحدث بشكل أخر ما .. أتصور مثلا أن المدن الكبيرة أماكن مدهشة حيث توجد الثروة فقط وكل شيء سمعته عن الأخرين عنها يؤكد هذا الإعتقاد . إنهم يتحدثون عن المدن الكبيرة كما لو أنها جنة رائعة حيث كل شيء جميل وإستثنائي وأكاد أشعر بما سمعته عنهم أن هناك أشخاص هم فعلا أكثر واقعية مما شاهدته حولي في بلدتي )) .

في عام 1934 ومع عمل (بلانكا) كمعلمة في مدرسة محلية ، (إليسا) التي لا تزال تعمل في مكتب البريد و (خوان) الذي توظف ، تحسّنت أحوال العائلة كثيرا . أما إيفا ماريا فقد بلغت الخامسة عشرة من عمرها وأصبح لها صديق في الحامية وهي تتوقع أن تعايش نمط الحياة الذي عاشته أخواتها ، حيث الرقص مع الموسيقى والتصرف المهذب للشباب ثم الزواج لاحقا مثل حالة (ماجور اريتا) الذي تزوج (بلانكا) أو (خوستو رودريغوز) الذي تزوج (إليسا) . كانت إيفا تلقي الشعر دائما في المدرسة وكلمات الأغاني المرتبطة بالوجدان . في إحدى أيام السبت ذهبت إلى إحدى محلات التسجيلات في البلدة وألقت قصائد عبر مكبرات الصوت . لقد أخبرت أمها بأنها ترغب في أن تكون ممثلة غير أن أمها لم تأبه لها غير أنها أصرّت على ذلك. في ذات مرة سمع (جون بيبي) إيفا وهي تمثل في البيت فقال بلهجته الرنانة (إن على الأباء أن لا يخنقوا موهبة أبنائهم) وواصل حديثه قائلا (إن تخفق فلا شيء يبعث على القلق وإن تنجح فإن ذلك الأفضل لها بكثير) .

لقد قيل بأنه بعد سنة من ذلك أدى مغنى التانغو (أوغستين ماقالدي) حفلا في مسرح (كريستال بالاس) في (خونين) وهو مغن ولد لعائلة فقيرة في (روزاريو) وكان يعمل في مصنعا للألعاب النارية حتى جاء يوم سمع فيه (كروسو) يغني في المذياع فبدأ في تمرين صوته الصادح مستلهما بـ (كروسو) . مع مرور الزمن جاء إلى (خونين) وهو في السابعة والثلاثين من عمره وكان وقتها الثاني من حيث الشعبية بعد المغني الكبير (كارلوس قارديل) . لقد بيعت أكثر من مليون نسخه من أخر تسجيلاته الذي حمل عنوان (المتشرد) . إن معظم الروايات عن (إيفيتا) تقول أنها وقعت في الحب مع الصورة الزاهية لـ (ماقالدي) ، أو أنها قررت إغرائه والإستفادة منه . في كلا الحالتين قدمت نفسها إليه ، طلبت منه أن يأخذها إلى (بيوينس أيرس) وحينما رأت تردده أقحمت نفسها في قمرته بالقطار ورافقته إلى المدينة وبالتالي تركت عائلتها لتصبح خليلة رجل متزوج . من جهتها تصر أختها على أن (دون بيبي) حثّ دونا خوان على أن ترافق (إيفيتا) إلى المدينة وحسب روايتها فإن الأم والإبنة داوما على زيارة محطات الراديو حتى وجدا برنامجا يحتاج إلى فتاة شابة . كانت إيفا تتلو شعرا يتحدث عن الموت وما يثير الشفقة ، مما حدا بمدير المحطة بإبرام عقد صغير معها ، ثم كان عليها أن تبقى في بيت بعض الأصدقاء ، بينما عادت (دونا خوان) إلى البيت حانقة على (دون بيبي) والعالم .

إن مغادرة (إيفا ماريا) لـ (خونين) هو في الواقع قليل الأهمية ، بجانب حقيقة فعلها لذلك . لقد كان لكثير من الفتيات (مشاعر أصيلة .. إحساس بإزدراء الظلم موجه لعائلاتهن وقراهن الباهتة وفقرهن) . كان الكثيرات منهن يرغبنّ في أن يكن ممثلات ، إلا أن معظمهنّ إتبعنّ رغبه أبائهن ، تزوجنّ بسلام وأستمرين بالعيش في الأقاليم والذهاب إلى السينما مرة في الأسبوع . لم تكن (إيفا ماريا) تملك المال : قليل من التعليم ومواهب لم تثبت بعد ، لكنها كانت ترغب في أن تقهر المدينة وتصبح نجمة . سواء غادرت مع أمها أو مع (ماقالدي) فقد إستقلت القطار إلى (بوينس إيرس) في الشهور الأولى من عام 1935 لتبدأ حياتها الخاصة وكانت وقتها في الخامسة عشرة من عمرها .




* نيكولاس فريزر وماريسا نافارو .



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1628

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد الســـيد علي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة