المقالات
منوعات
إيفيتا : السيرة الحقيقية (2)
إيفيتا : السيرة الحقيقية (2)
07-01-2016 01:04 PM

image


الفصـل الثاني
بيونيس أيرس

في ثلاثينات القرن الماضي كانت (بيونيس ايرس) لا تزال مدينة المهاجرين والعابرين . عند بداية القرن وحينما كانت تسمى (لا قران الديا) ، كان سكانها الذين يبلغ تعدادهم نصف مليون نسمة ، يعيشون في سلسلة من القرى : (باريوس) في الجوار المميز تعتز بهوياتها المستقلة ، (أراباليس) وهي مستوطنات نصف قروية حيث تتلاشى (باريوس) ويبدأ السهل ، غير أن المدينة مثل الريف عايشت تحولا ملحوظا . في عام 1914 زاد عدد سكانها إلى مليون ونصف نسمة وفي عام 1936 وهي السنة التي قدمت فيها (إيفيتا) إلى المدينة أصبح تعدادها أكثر من إثنين مليون ونصف نسمه . لقد أصبحت (بيونيس أيرس) أكبر مدينة في أمريكا الجنوبية وثالث أكبر مدينة في الأمريكتين بعد (نيويورك) و (شيكاغو) .

لقد كانت (بيونيس أيرس) ملتقى خطوط السكة حديد . هنا تذبح الماشية ، تجمد اللحوم وتشحن إلى أوروبا . هنا يجري الجدل في الكونغرس ، يقرر الرئيس وتتصرف البيروقراطية . كانت المصارف ، سوق الأسهم وصناعة النشر المزدهرة تقع كلها في (بيونيس أيرس) ، فيما تشكل سكانها من المهاجرين القادمين إليها عبر البحر : الإسبان ، الإيطاليين ، الإنكليز ، الأيرلنديين ، الألمان ، السوريين ، الأغاريق ، الأتراك ، اليهود البولنديين والروس ، الخ .... مثل نيويورك البوتقة التي إنصهرت فيها الأعراق . في ثلاثينات القرن الماضي لم يعد المهاجرون يأتون من الخارج ، بل من الداخل حيث المناطق الزراعية ، مثل (إيفا ماريا) وصلوا لكن ليس على أرصفة الموانيء بل إلى محطات السكك الحديدية . لقد كان سكان بيونيس أيرس يسمون أنفسهم (شعب الميناء) ويعيشون بعيدا عن ما يهم الأرجنتين . الريف الذي خلفهم ، مؤمنين بأن مدينتهم هي كل ما يهم الأرجنتينيين . لقد تطورت (بيونيس أيرس) بسرعة جدا لكن بروح بداية القرن الشاملة التي إحتكمت إلى (بارون هاوسمان) مؤسس باريس الحديثة . لقد كانت حضرية في معمارها مثل سكانها . في عام 1931 كتب الكاتب الأمريكي والدو فرانك : البيوت في حالة إرباك من حيث المعمار : إسباني ، كاريبي ، غوطي ، نمط أوروبي ، نمط مغربي ، كلاسيكي جديد ، جورجي ، فكتوري ، فرنسي في كل الحقب ، بيوت من طابق واحد كبيوت جنوب كاليفورنيا ، شوارع تحفها المباني مثل الطرف الشرقي للندن ، شوارع مثل (مينيلمونتانت) حيث صناعة المعجنات الإيطالية ، المستشفيات ، النوادي ، المباني العامة والخاصة . لقد كان الإنكليز هم الذين لعبوا دورا أكثر أهمية في تطوير الأرجنتين الحديثة ، لكن فيما يتعلق بإلهام الحضارة فإن الأرجنتينون كانوا يتطلعون إلى فرنسا أو الأصح إلى باريس .

لقد إندهش الفرنسيون الذين وصلوا إلى (بوينس ايرس) بتركيبة المدينة الحلم . بالنسبة للمتزمت (جورج كليمنصو) فإن التقليد ليس نجاحا كونه يتضمن كل نمط من المعمار ، لأنه يؤذي العين بشكل أساسي ، غير أن (أناتولي فرانس) كان له رأي أخر فهو يشعر بأنه في الوطن ، مع أنه لاحظ أن المدينة – بخلاف باريس – غير مبنية من الحجارة بل من أسمنت السهل الرمادي والذي أعطى بوينس أيرس لونها وطابعها المميز . لقد كانت مدينة (بوينس أيرس) مدينة التضامن ، الملائكة المنحوتة والزهور ، الأقواس والأسقف المائلة ، مدينة بأشجار عالية تبدو مثل باريس في أمطار الشتاء ، لكنها تحت شمس الأرجنتين الساطعة تبدو مصطنعة بشكل غريب .لقد تشكلت الطبقة الوسطى في البلاد من المهاجرين بشكل كبير الذين تدفقوا عليها في الثلاثين سنة الأخيرة من القرن التاسع عشر والثلاثين سنة الاولى من القرن العشرين من إيطاليا وإقليم الباسك . في (بوينس أيرس) فإن معظم المهاجرين كانوا يتحدثون الإيطالية ويرون أنهم أرجنتينيون ، لكن بجانب أرجنتين المهاجرين الجديدة هذه التي يتحكمون فيها بدرجة كبيرة ، كان هناك بلد مختلف وقديم .هذه الأرجنتين الأخرى كانت قائمة على ثروة الأراضي وأفرادها نخبة إستعمارية من ملاك الأراضي . تشعر هذه النخبة بأنها أرستقراطية الأرض ، مع أنه بحلول ثلاثينات القرن الماضي أصبح يطلق عليها بشكل عام (الأقلية) . لقد كانت ممتلكات الأراضي للأقلية ضخمة فقد قدر عام 1930 بأن هناك (1804) شخص يمتلكون ما يعادل مساحة هولندا ، بلجيكا وسويسرا مجتمعة . لقد تراكمت تلك الثروة بواسطة الأقلية خلال الحروب الأهلية أو الحروب الهندية ، حينما جرى مكافأة الأبطال العسكريين بهبات الأرض ، بعضها جاء من الأقارب الذين كانوا نشطاء بما يكفي لشراء أراض ضخمة من الدولة في أوقات الأزمة المالية . لقد كانت طريقة الحياة التي أنفقت فيها الأقلية أموالها مزيج ما بين الطريقة التي ينتهجها الإنكليز والفرنسيون .

لقد أنشئت القصور والحدائق في السهول وشيدت الفنادق في (بوينس أيرس) فباليرمو مثلا جرى تصورها تقديرا لـ (بويس دي بولوقني) حيث المناظر الطبيعية وأرصفة المشاه المحاطة بالشقق الفاخرة ، كالي فلوريدا النسخة الأرجنتينية لـ (بوند ستريت) أو (رو دي ريفولي) وهو شارع طويل ذو نوافذ عرض متألقة مليئة بالمنسوجات الصوفية ، العطور ، التحف الأوربية . عند (هيبودرومو) إلى الشمال من باليرمو هناك ملاعب البولو ومروج لعبة الكروكي (لعبة الكرات الخشبية) . كان للمدينة أندية للكبار بحماماتها التركية وصوالينها التي تجمع الفن والمكتبات . لقد كان لبوينس أيرس (هارودز) مثل تلك التي في لندن ، حيث يباع ما يباع في لندن وكل ما هو مطلوب لحياة الرجل المحترم . كان الموسم الإجتماعي للأرجنتينيين يبدأ في مايو أو يونيو حينما يفتح الأغنياء دورهم ويحضرون الـ (تيارتو كولون) . لقد كانت هذه الأوبرا الضخمة تباهي بعروضها كل الأعمال المحتفى بها ويزورها الفنانون من أمثال (كاروسو) و (بفالوفا) .

في نوفمبر كانت الموضات الفرنسية الآتية من الخريف الماضي ، ترتدى في الشوارع وأحيانا تجهز موضات الربيع القادم لتصل (بيونس أيرس) فتعرض وترتدى قبل باريس . خلال موسم الصيف يعمد الأرجنتينيون إما إلى العودة إلى الريف أو المغادرة في رحلات أوربية ، مصطحبين معهم سيداتهم ، خدمهم ، طباخيهم ، الخ.. . في العقود الأولى من القرن العشرين إرتفع الـ (بيسو) الأرجنتيني فوق أي عملة أوربية عدا الجنية الإسترليني فكان للأرجنتيني كامل الحرية في إختيار أيّ من البلاد الأوربية لكي يقضي الصيف فيها . لقد كانوا يذهبون للسباق في (لونقشامبس) أو (إيبسوم) وغالبا ما يجرون بخيولهم الخاصة ويشاهدون في الساحل اللازوردي ، البحيرات الإيطالية وبالطبع باريس حيث أصبح من الشائع سماع عبارة (غني كأرجنتيني) . لقد كان هؤلاء الأرجنتينيون يتصرفون كما لو أنهم أوربيون وكلما كانت العائلة أقدم كانت أكثر أوربية . إن هناك الكثير من الأرجنتينيين الأغنياء إختاروا أن لا يعيشوا في بلادهم أبدا وعلى إمتداد عشرينات وثلاثينات القرن الماضي إختار عدد كبير من الأرجنتينيين العيش في باريس . بقدر ما أن موضوع الأقلية مثير للإهتمام فإن الوجه الأكثر أهمية في تاريخ الأرجنتين هو تاريخ عوائلهم الخاصة . كانت (بيونس ايرس) مليئة بتماثيل أبطال حروب القرن التاسع عشر ، فيما كرّمت العائلات موتاها في (ريكوليتا) وهي مدفنة ضخمة ومتماسكة وتبدو كما لو أنها مدينة داخل مدينة . لقد كان تعريف المنتمي للأقلية والذي له الحق أن يسمي نفسه أرجنتينيا تعريفا مقيدا. في نواديهم وحتى في صحفهم كان الأقلية يسخرون من الرعاع الذين غزوا بلادهم ، مع أنهم أخذوا بعين الإعتبار الطبقة العاملة البريطانية الرزينة مقارنة بالإيطاليين والإسبان . في المقابل كانت الليبرالية التحررية لا تزال محتفظة بطابع القرن التاسع عشر . لكي تكون ليبراليا يعني الإشتراك في فصل الكنيسة عن الدولة والتمسك بمبدأ التجارة الحرة والإقرار بالأراء المبهمة إزاء الحكمة من تشجيع الهجرة الأوربية .
لقد نظر إلى التقدم في الأرجنتين على أساس الصادرات العالية للحوم البقر وتدفق الثقافة والسلع الأوربية إليها ، لكن ليس الديموقراطية السياسية المتنامية . مع أن البلاد كان لها دستور صيغ على نمط الدستور الأمريكي : رئيس ، مجلسين ونظام فيدرالي ، إلا أن الإنتخابات كانت تجري بشكل معتاد في جو من العنف أو التزوير وكانت الأصوات تشتري أو تسلم عند النقاط المسلحة . في عام 1912 وضعت مؤسسة الإنتخاب الشامل والإقتراع السري حدا لهذه التجاوزات . في الإنتخابات التالية فاز الحزب الراديكالي والذي كان يوجه خطابه للطبقة الوسطى بالإنتخابات بهامش كبير . لقد عايش بعض أفراد الأقلية حزنا كبيرا على الإصلاحات والنصر الشعبي الذي حققه الراديكاليون فكان أن إشتكوا من شرور السيادة الشعبية . لقد كانت الحرب العالمية الأولى جيدة بالسبة للأرجنتين ، كونها بعيدة عن كوارث أوروبا ، سعيدة بأن تبقى محايدة وأن تزيد من صادراتها من الطعام إلى إنكلترا وفرنسا اللتان كانت في حالة تعبئة. لقد إستمر الثراء الناجم عن الحرب حتى عشرينات القرن الماضي بشكل جيد ، قبل أن يتضح أن النظام الإنكليزي الذي نجمت عنه تلك الثروة واقع تحت الإجهاد . إن تلك السنوات لا تزال تعتبر في الأرجنتين كعصر ذهبي وهي الفترة التي حفلت بالنمو والثقة بالنفس وهو الوقت الذي جاء فيه العالم إلى (بيونس ايرس) وغادرها وهو مقتنع بأن المال يصنع هناك وأنها قطعا مدينة المستقبل . لم تكن هناك إنقلابات أو حروب للإقتتال مما أبقى الأرجنتين على الهوامش الإحتفائية للحياة الوطنية التي بدت داعمة لمزاعم الأرجنتينيين بالأوروبية المتفوقة . إن الإنهيار الإقتصادي عام 1929 وإنهيار الجنيه البريطاني والإنخفاض في قيمة الصادرات الأرجنتينية ، سدد ضربة مفاجئة للعصر الذهبي . لبرهة بدأ وكأن البلاد قد تقاعست عن أداء قروضها وأصبحت غير قادرة على الوفاء بخدماتها المدنية . كان وقتها الرئيس الراديكالي (هيبوليتو يرقوين) في الثماينات من عمره يخدم فترته الرئاسية الثانية . كان لا يفهم ما يقرأه ولا أحد يفهم ما يقول فقد بلغ به الخرف درجة مؤلمة .


في أوائل شهور عام 1930 كانت هناك أزمات حكومية وأقاويل ثم في السادس من سبتمبر ويعد أن غمرت المدينة مناشير ألقاها سرب من الطائرات ، غادرت فصائل صغيرة من الجيش ثكناتها متجهة نحو القصر الرئاسي في (بلازا دي مايو) وتلقت دعما ضمنيا من الأحزاب السياسية الأخرى ودعم قوى من المحافظين في الكونغرس . من جهته إستقال (يريقوين) الذي أخذ خارج المدينة بواسطة الجيش . أعقب ذلك قلاقل ومات مدنيون . نهب بيت الرئيس وقذفت ممتلكاته ومكتبته في الشوارع . مع أنه جرت إنتخابات عام 1932 نجمت عنها حكومة محافظة ، إلا أنها كانت تحمل قليلا من الشبه لتلك الحكومات الراديكالية فقد صادرت الشرطة دفاتر الإقتراع وجرى إحياء الموتى إنتخابيا وبالرغم من كل تلك الإجراءات ، إلا أن الراديكاليين نجحوا ، غير أن النتائج ألغيت وفرض المرشحون المحافظون على الناخبين . مع أن الحكومة قدمت نفسها للعالم كديمقراطية عالمية ، إلا إنها كانت بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية . خلف التعاقب المنتظم للحكومات كان هناك المؤيدون لبريطانيا والأقلية المحافظة والعداء ليس للأفكار الحديثة فحسب ، بل لكل شيء يفهم منه أنه يشكل تهديدا لمصالحهم . لذلك أبعد المخربون من الخدمة المدنية ومن النقابات ، بعضهم رحّل إلى سجون باتقونيا بالقطب الجنوبي . إن النظام الذي تباهت به الحكومة أمام الأجانب ، أدى إلى مزيد من المرارة المتراكمة ومزيد من الغضب . بالرغم من هذه العقبات فإن عام 1936 كان هو العام الذي لا يزال فيه سكان (بوينس أيرس) يفتخرون بمدينتهم وبكونهم أرجنتينيون ، فقد نهض فيها أطول مبنى في أمريكا الجنوبية (سيتي كافاناق) عاليا فوق (بلازا سان مارتن) تجاه النهر وأرصفة الميناء وشيدت مسلة ضخمة عند تقاطع كورتينيز ، ساحة المسارح ودور السينما وشارع 9 يوليو الذي يقال أنه أعرض شارع في العالم . عرف عام 1936 كذلك مصرع المغني المعروف (كارلوس قارديل) في حادث تحطم طائرة ، ذلك الرجل الذي لم يكن أعظم مغنيي المدينة فحسب ، بل كذلك النموذج الأكثر بروزا لنمطها الإجتماعي المميز . لقد جاء إلى جنازته مئات الآلاف من سكان (بوينس أيرس) الذين أحبوه لتألقه وأخلاقه وحبه لأمه ولأنه وبالرغم من شهرته العظيمة ، كان يشعر بأن (بوينس أيرس) مدينة مميزة . في (بوينس أيرس) وعلى إمتداد المدينة كانت هناك صالات الرقص ذات المنصات المخصصة للأوركسترا وفي غرف تناول الشاي كان سكان (بيونس أيرس) يستمعون أو يرقصون مع التانغو الذي بعد بدايته في مواخير ميناء بيونس أيرس وبعد التقدير المفاجيء الذي ناله في باريس ثم التبجيل في كامل أوروبا ، أصبح التانغو الموسيقى الأكثر شعبية في (بيونس أيرس) كونها الموسيقى الوحيدة التي تحمل السمة الأرجنتينية الأصيلة . تتحدث كلمات التانغو عن ضياع العالم أو عن ضياع إمرأة وحزنها والحنين إلى مدينة أهلها .

كان وسط المدينة القريب من الكونغرس مليء بالبنسيونات والنزل الرخيصة ذات الأسماء الغريبة ، بمداخل شوارعها المزدحمة ذات الردهات والغرف الصغيرة . إنها أحد الأماكن التي قضت فيها (إيفا ماريا) كثيرا من الأسابيع التالية عند مجيئها إلى المدينة وعانت من قلة المال والطعام . إستمرت (إيفا) في البحث عن العمل في المسارح في (كورينتيس) حتى نالت في أبريل 1935 دور خادمة مع شركة أرجنتينية تعمل في الكوميديا . قال عنها أحد النقاد أنها (كانت دقيقة جدا في ظهورها الموجز) . لقد كان لها أكثر من دورين مع هذه الشركة ، ثم فقدت وظيفتها وأصبحت بلا عمل أخرى ، غير أنها وجدت بعد ذلك عملا مع شركة مسرحية تطوف البلاد وكانت وقتها على وشك بلوغ السابعة عشر من عمرها . كانت المسرحيات تتناول سوء الفهم العائلي – الخلافات مع والدة الزوج ، التودد حينما لا يهتم الكبار ، الأبوة المزهوة بالغرور ، التأنق العبثي . من أعمال الشركة المسرحية كانت هناك مسرحية (القبلة القاتلة) وهي مقتبسة من عمل للدرامي الفرنسي (لويس دي مورافيه) وهي تتناول شرور الأمراض الإجتماعية وقد حققت هذه المسرحية نجاحا إستثنائيا للدرجة التي عرضت فيها أربعة مرات في اليوم وجرى الترحيب بها بشكل جيد . لقد لعبت (إيفا) فيها دور ممرضة تشرف على ضحية في مراحله الأخيرة من مرضه المرعب .

وفقا للناقد (إدميندو قويبورج) فإن الممثلين الذين كانوا في تلك الرحلات يتم نقلهم والإسراع بهم للعمل مثل تلقيمة للمدافع . كان الممثلون ذوو الأدوار الرئيسية هم وحدهم الذين يقيمون في فنادق حقيقية ، أما البقية فإنهم يقيمون في البنسيونات وحيثما لم تحقق الجولة نجاحا فإنه في الغالب يترك الممثلون بدون أجر ، إذ يتخلى المنتجون عنهم ببساطة ويعودوا إلى (بوينس أيرس) . لقد كان هناك القليل من الشركات الحقيقية التي تعمل في مسارح (بوينس أيرس) ، لكنها نادرا ما تكون قادرة على توظيف ممثلين ، إلا على أساس طاريء . كانت معظم الشركات تتكون من توحد مجموعة من الممثلين الذين يجتمعوا على عجل لإنتاج أعمال ثم الإنفضاض إذا فشل العرض . لم تكن البروفات تأخذ أكثر من أسبوع فالملقن تحت الطلب في الغالب ، فيما يعاد إستخدام أجهزة المسرح مرات ومرات . لقد كان هناك معهدا يدرس فيه التمثيل ، غير أنه لم يكن لديه أثر على كيفية توظيف المسرح . في ثلاثينات القرن الماضي كان هناك إقبال على (الرفّي) المؤلف من الإسكتشات ، النكات والرقص . للتنافس مع هذا الضرب من الفنون ، أنتجت المزيد من الأعمال ذات الصبغة الكوميدية لشخصيات مبتذلة لا تطلب سوى القليل .

كان الداعمون لهذه الإنتاجات يوزعون الأدوار على الأشخاص الذين يرغبون فيهم وغالبا ما يفضّلون خليلاتهم وأصدقائهم ، ثم يجيء الدور على الممثلين الرئيسيين الذين يختارون أقاربهم وأصدقائهم وفي النهاية يأتي المبتدئون مثل (إيفا) . كان من النادر أن تلج الفتيات من الأسر المحترمة عالم المسرح ، مالم تكن العائلة فقيرة جدا وحينما تفعل بناتهن ذلك تنتظرهن أمهاتهنّ أحيانا خلف المسرح ويرافقهن بعد إنتهاء العرض . في غرف الملابس السيئة كان الممثلين والممثلات ذوي الأدوار الصغيرة ينهمكون في القيل والقال ، لعب النرد أو العقدة . كان معظمهم ينال ما بين ستين إلى مئة بيسو شهريا ، فقط إذا ما أدوا عرضين في اليوم وثلاثة في أيام الآحاد والعطلات . كان عليهم أن يؤمنوا ملابسهم الخاصة ولم يكن هناك أجر للبروفات ولا يكافؤا إذا ما أفلست الشركة في الغالب . لم يكن لديهم ضمان أو نقابات ، لذا لم يكن من المستغرب أن يبحثوا عن سبل أخرى للعيش . كانت المسارح في (كورينتيس) تحفها المقاهي ذات الأسقف العالية والأرضيات الرخامية مثل (ريال) أو (ذا نوبل) حيث تفتح هذه المقاهي معظم اليوم وبجانبها مطاعم مثل (لوسي إينمورتيليس) ، (التروبيزون) ، (الباستير) حيث يصطحب الشباب الأنيقون خليلاتهن . كان (بابلو سيرو) هو أحد رواد كافتيريا (ريال) وهو ناقد وصحفي ومخرج ، إتخذ من إسم (ذا تواد) لقبا له . في ديسمبر 1936 أعطى (إيفيتا) دورا في مسرحيته (ساعة الأطفال) باللغة الإسبانية وهي مقتبسة من مسرحية (ليليان هيلمان) التي حققت نجاحا في (برودواي) ، لعبت فيها إيفا دور (كاثرين) التي تظهر في أول خمسة دقائق من المسرحية وهي تخيط وتقرأ كتابا مدرسيا ثم لا تعاود الظهور مرة أخرى . يقول عنها أحد الممثلين (أنها شابة جميلة ، جميلة جدا ، ذات عيون داكنة ، شفاه حمراء عميقة وبشرة بلون زهرة المغنولية ، ذات شفافية تامة ، تبدو مجسدة للبراءة وهذا ما هي عليه نقية في الداخل) .

في العامين التاليين كان هناك مزيد من الإحالات وكثير من الأدوار الصغيرة وربما الكثير من أعمال (سيرو) وأخرين ، لكن في تلك الفترة كانت (إيفيتا) بلا عمل ، غير أنه ليس من الواضح كيف كانت تعيش . لقد كانت لها وظيفة صغيرة في الراديو في برنامج عن الخيال العلمي إسمه (الذهب الأبيض) ، فيما مثلت دورا صغيرا في فيلم عن الملاكمة وجرى تصويرها فوتوغرافيا في سلسلة من الصور لصحيفة شعبية . على المسرح أعطيت إما أدوارا ثانوية أو أدوار صامتة مثل فرد في مجموعة أو خادمة حامل .لقد عاشت (إيفا) لمدة ستة أشهر مع ممثل شاب يرغب في الزواج منها . وفقا لإبن عم الممثل فقد كان لإيفيتا (شقة حقيقية ، مؤثثة وفيها كل شيء ، حياة حقيقية ومحترمة) ثم في أحد الأيام عادت إلى البيت ووجدته خاليا تماما . لقد وجد الممثل شخصية محترمة وهو الآن ماض في زواجها . لقد غادرا أخذا معه كل شيء لتعود (إيفيتا) مرة أخرى إلى غرف البنسيونات . بعد ذلك عملت (إيفيتا) في شركة حيث تعمل ممثلة رائدة هي (بيرينا ديلايسي) التي أحبت (إيفيتا) وعلّمتها كيف تتحدث على المسرح . إنها تتذكر أن (إيفيتا) كانت جائعة ، غير سعيدة وغير مهتمة بنفسها . لقد أصبحت تحصل على أجر أقل مما كانت تحصل عليه في الماضي ، فقط (180) بيسو في الشهر ومنها كانت ترسل بعض المال إلى عائلتها في (خونين) .

في مرحلة ما وخلال سنواتها الأولى في (بيونس أيرس) بدأت (إيفيتا) في تغيير طريقة لبسها وتقديم نفسها للعالم . إنه بعيد الإحتمال أن تكون قد فعلت ذلك بشكل مقصود ، أنها لم تكن تعبر عن نفسها أبدا ، غير أن المرارة التي تجرعتها والرغبة في تفادي الإهانة قد حسّنت من دفاعاتها . إن الأقاويل بأنها أصبحت قوية تعود إلى تلك السنوات . في عام 1937 أصبحت (إيفيتا) بالكاد ممثلة بشكل تام ، فتاة ترغب في التمثيل وتظهر على المسرح بما يكفي لإعطائها الأمل بأن تصبح ممثلة فقد تعلمت كيف تدار الأشياء . لقد بدأت تتردد على مكاتب مجلة الأفلام (سينتونيا) وهي المجلة التي كانت تقرأها بشراهة حينما كانت مراهقة ، باحثة (وفقا لصحفي يعمل هناك) عن ذكر لها في عمود القيل والقال ، مقالة أو صورة . كان (إيميلو كاريولويكز) رئيس تحرير المجلة ، رجل حسن الطلعة في الأربعينات من عمره ، يشارك في سباق السيارات . كانت (إيفيتا) تجلس في إنتظاره ، تطلي أظافرها وتدردش مع مساعديه وبحسب ما قيل في ذلك الوقت فقد إرتبط إسمها به . كذلك إرتبط إسمها مع (خوان لياورو) وهو مصّنع للمنتجات المنزلية و (هيكتور بلومبيرج) وهو شاعر في متوسط العمر ، يكتب نصوصا للراديو مقابل أن يعيش .

في أبريل 1939 تكونت شركة راديو جديدة لإذاعة أعمال (بلومبيرج) ، تراسها كل من (باسكال بيليكوتا) و (إيفا دوارتي) الممثلة الشابة والنشطة . قبل بلوغ (إيفيتا) سن العشرين أذيع مسلسل (الياسمين في الثمانينات) وهو مسلسل يدور حول قصة حب ، أعدت في باريس ونشرت عنها مقالات عديدة في المجلات ، بما في ذلك صور للغلاف تظهر فيها (إيفيتا) وهي ترتدي قبعة ، معطف فراء وصور لها بجانب الممثلين .لقد كانت هناك فترة ذروة للإذاعة في عشرينات القرن الماضي حيث كان رعاة البرامج يدفعون للفنانين والآن أصبحت الإذاعة الأرجنتينية ثاني أكبر شبكة تجارية في العالم بعد الولايات المتحدة والمصدر الأكثر ربحا بالنسبة للممثلين والمغنيين . كانت هناك في (بيونس أيرس) العديد من محطات الإذاعة وكان أكبرها هو (راديو الموندو) الذي إنتقل إلى مقره الجديد ذو الردهة الرخامية والإستوديوهات السبعة . كمحطة راديو ينطلق صوتها من (بيونس أيرس) ليصل إلى أقصى الأقاليم فإن المسلسلات الإذاعية لعبت دورا مميزا في حياة البلاد . في الصباح كان هناك التانغو ، البوليرو ، موسيقى لعاملات المنازل ، أما في الأمسيات فقد كانت هناك الموسيقى الخفيفة والأخبار والرياضة . عند الخامسة والنصف مساء تبدأ البرامج الموجهة للنساء للإستماع إليها وهن يتناولن الشاي في إنتظار أزواجهن وكان مسلسل (أقاويل الزمن الماضي) الذي هو عبارة عن ملحمة ريفية هو المسلسل الأرجنتيني الأول الذي حقق نجاحا إستثنائيا في ذلك الوقت .


في عام 1940 أسند لإيفيتا دورين صغيرين في فيليمين ، أحدهما كان عن إستقلال الأرجنتين وكانت ترتدي فيه شعرا مستعارا والأخر كان كوميديا ، غير أن أيّ من الفيلمين لم يحقق نجاحا . بالنسبة لـ (خونين) فقد عادت إليها (إيفا) مرة واحدة لرؤية عائلتها وذلك حينما علمت أن (إيرميندا) مريضة بذات الجنب (إلتهاب يصيب الغشاء المزدوج الذي يحيط بالرئتين والقفص الصدري) وكانت وقتها في جولة مع الفرقة . يومها طلبت منها والدتها البقاء غير أنها رفضت وحينما جاءت (إيرميندا) لاحقا طالبة منها ذات الشيء ، قالت بأنها يمكن أن تعود لبعض الوقت ولكن ليس عودة الفشل ، فقط حينما تقهر هذه المدينة (بيونس أيرس) . في المقابل جاء أخوها (خوان) إلى بيونس أيرس ليعمل في مجال المسلسلات وبذلك أصبح الشخص الأقرب اليها من أفراد العائلة في المدينة . كان عليه أن يقابل الكثير من أصدقاء ممثلاته عبر أخته . حتى ذلك الوقت كان المنتجون ومالكو محطات الراديو هم الذين أبدوا إهتمام بإيفا وشجعوها على تكوين شركة راديو – مسرح . لقد دفعوا لها راتبها وتعاقدوا مع العديد من الرعاة ، فيما عدل خوان الوضع بالإعداد لكل برامج (إيفيتا) للخمسة سنوات القادمة وذلك لكي يرعاها (قويرينو) صنّاع (راديكال سوب) الشركة التي عمل فيها (خوان) في (خونين) لأول مرة ، إلا أن ذلك لم يضمن دخلا لإيفيتا لأنه لا يحدد كيفية إذاعة تلك البرامج ، لكن قد تكون ناجحة لأن (قويرينو) يعلن بشكل كبير في الراديو .

بعد عام من ذلك إنتقلت الشركة إلى راديو الأرجنتين ، لتندمج في ذات العام مع شركة ناجحة أخرى وتنتقل إلى راديو الموندو المحطة الأكثر أهمية في البلاد . في عام 1943 وبعد عامين مع شركتها أصبحت (إيفيتا) تنال خمسة أو ستة الف بيسو في الشهر ، ما جعلها واحدة من أفضل ممثلات الراديو أجرا في ذلك الوقت وإنتقلت إلى شقة صغيرة بالقرب من محطة الراديو في واحدة من أفضل الأحياء السكنية في المنطقة : (باريو نورتي) . بمرور الوقت أصبحت (إيفيتا) تدرك أهمية المظهر فمثلا كان هناك مقهيان في صف إستوديوهات (راديو الموندو) وأعتاد الممثلون الذهاب إلى أرخصها بعد الإنتهاء من البروفات فأقترحت (إيفا) على شريكها في إدارة الشركة بأن لا يذهب كبار الممثلين إلى حيث يذهب كل شخص وأن عليهم أن يذهبوا إلى الكافتيريا التي في الركن لتناول الشاي بعيدا عن الدهماء . لقد شعرت أو رغبت في أن تشعر بأنها نجمة .



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1449

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد السيد علي
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة