المقالات
السياسة
المرض السوداني
المرض السوداني
07-01-2016 10:15 PM


المرض السوداني
عبدالغفار عبادي
قد يتعجب كثر من مصطلح " المرض السوداني " الذي جاريت به مصطلح " المرض الهولندي " لوصف و تجسيد الخراب و الدمار و التفكك الذي حل بالمنظومة الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و السياسية في الدولة السودانية ؛ لانه من الاجحاف بمكان تسميته "بالازمة" او "المشكل " لما في المصطلحين من تهوين و تقليل لبشاعة ما حدث و يحدث . في الطب يتم تعريف المرض المزمن بانه ما طال امده و تعسر شفاؤه من الامراض ... و على هذا يمكن لنا نصنف المرض السوداني طبيا كمرض مزمن (chronic disease ) فهو الذي جاوز القرن و جاوزت اوجاعه حد الاحتمال و التحمل .
كثير من المفكرين و الفلاسفة تقمصوا دور الاطباء و تسابقوا في تحليل و تمييز "المرض السوداني" او " ازمة الدولة السودانية " و تخمين و تقدير الحلول الملائمة لها , فكان منها ما لامس الجوهر و منها ما حام حوله و منها ما غرد في كوكب اخر .
المرض السوداني ليس سببه الانقلابات العسكرية المتكررة ، او الانظمة الشمولية الخارجة من رحمها ، و ليس المرض سببه التباين الاثني ولا الثفافات المتعددة ولا اللهجات و العادات الاجتماعية و الدينية المتباينة ، ولا الفوارق الاقتصادية و المعيشية على الرغم ان من انها جميعها لعبت دورا بارزا في تفاقم المرض و شدة اعيائه ، و احيانا يحاول البعض – بلا استحياء – الصاقه بالاستعمار البغيض و الذي رغم (بلاويه) و ويلاته بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب مما كسبته ايدينا و عبثت به عقولنا الساذجة .
بعد عناء و مشقة و استقصاءا للاثار و نبشا للافكار و الافعال المتراكمة في جعبة التاريخ توصلت لكل او بعض اسباب المرض و التي قد يصاحب الحقيقة بعضها و البعض قد يجانبها وهي :-
1- فقدان الهوية : نحن لازلنا نعيش سنوات التيه التي عاشتها بني اسرائيل في مسألة الهوية ، ولا زال السؤال "هل هي هوية عربية اسلامية ام افريقية علمانية ام سودانية ام غير ذلك ؟ " يحمل كم هائل من الاجابات المتباينة التي من المستحيل التوفيق بينها وجمعها في مسار وسطي يسلكه الجميع .
2- العنصرية و الجهوية : نحن من اكثر اهل الارض الذين اهلكتهم العنصرية و فتقت نسيجهم الاجتماعي و تحول الشعب الى مجموعات عرقية و جهوية متناحرة كل منها يزعم الافضلية في النسب و الثقافة و الاصالة و ان الاخرين دونه في كل شيء و واجب عليهم الاقرار بذلك ، و على الرغم من استفحال العنصرية و اثارها المدمرة الا انها لا زالت تنعم بالعيش في كهف المسكوت عنه و يجتهد الكل في غض الطرف عنها و عن انعكاساتها السيئة و تزييف الواقع بمصطلحات براقة كاذبة كالتعايش و السلام الاجتماعي و قوة الترابط الاجتماعي و غيرها من مصطلحات صوالين التجميل .
3- عدم القدرة على تجاوز الصراعات و المرارات التاريخية و التسليم بنهاية تلك الحقبة بخيرها و شرها و القناعة بان الاحفاد غير مكلفين بسداد فاتورة الاسلاف .
4- رفض المخالف بالكلية و تطبيق مبدأ " من ليس معي فهو ضدي " و مبدأ " ارائي صواب لا تقبل الخطأ و اراء غيري خطأ محض لا تقبل الصواب " ؛ فاصبح مجرد الاختلاف في الرأي صراع بقاء ضاري .
5- بداوة العقل الجمعي و سطحية التخطيط المستقبلي و عدم امتلاك بنية ايدولوجية قوية تعمل على تطوير متغيرات الحياة و بناء نمط حياتي حداثي قابل للتغير المستمر لملاءمة البيئة المحيطة .
6- الفهم الخاطئ للمعتقدات السيولوجية و و التمسك الاعمى بعادات و موروثات لم يعد لها موطئ قدم في العصر الحديث .
آخر الكلام
و كايمان مطلق منا بالهدي النبوي ( ان لكل داء دواء ) نجزم بوجود الترياق في مكان ما متواريا عن النخبة و لكن التسليم بوجود المرض و البحث عن الدواء هي بكل تأكيد نصف الطريق نحو التعافي و الشفاء التام .
الطريقة التي يتم بها التعامل مع المشكلات في بلادنا تعمل على مفاقمتها اضعافا مضاعفة .
تغييب الحقيقة و الغطس بعيدا من الازمات الطافية ليس باكثر من ترك منزل مشتعل للريح .
آخر الحكي
لو زادت عليك الهموم ... اوعاك تنوم

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2091

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالغفار عبادي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة