المقالات
السياسة
أساس الفوضى 18
أساس الفوضى 18
07-02-2016 08:26 PM


بسم الله الرحمن الرحيم

تناولنا علم الألويّات وقلنا إنّه معرفة الأهمّ ثمَّ المُهم ولكن للوصول لتفريق الأهمَّ من المهمِّ علينا باستخدام آلة العقل لاتّخاذ قرار. بمعني أنَّ آلة العقل، إذا سلَّمنا بأنَّها مكتملة ومؤهلَّة لأداء وظيفتها، هي الميزان الذي يزن الحيثيّات أو المعلومات المتوفِّرة قبل اتِّخاذ قرار وعليه فصحَّة الحكم في النِّهاية يعتمد على نوعيّة المعلومات وصحّتها.

وسنبحث في مسألة اتَّخاذ القرار والعوامل التي تدخل فيها بإسهاب لأنَّ هذا لُبُّ معضلة الإنسان في حياته وبه يُعمِّرها أو يدمِّرها.

وهناك ثلاث حالات تنطبق على المعلومات المُستقاة من مصدرٍ ما التي تدخل في اتِّخاذ القرار:
• فهي إما أن تكون صادقة وصحيحة،
• أو تكون كاذبة وغير صحيحة وهي تساوي الخطيئة،
• أو صادقة وصحيحة ولكن ناقصة أو خطأ بمعني صدق الناقل وخطأ المصدر.
فمثلاً عند المسلمين يُعتبر القرآن الكريم معلومات صادقة وصحيحة، فصدقها يعتمد على مصدرها وبما أنَّ مصدرها المُفترض هو الله سبحانه وتعالى الشيء الثاني هو كيف إذن تصل للنّاس؟ وتجيء الإجابة بأنَّه بلَّغها للناس بواسطة الرسول محمد صلي الله عليه وسلَّم.

والسؤال الناهض يكون: وكيف لنا أن نعرف أنَّ محمداً صادق في ادِّعاء الرسالة؟ والإجابة أنَّه عُرف قبل الرسالة "بالصادق الأمين" ثمَّ شاهد النّاس خوارق للطبيعة على يديه ممَّا يؤكِّد صدقه ولتثبيته على حمل الرسالة، ولكن ينشأ سؤال آخر وكيف لنا أن نعرف ذلك ولم نكن حضوراً؟ فالإجابة هي في التدوين أو صحَّة المصدر التاريخي وفي هذا احتمال لا يقين يُترك للمرء لاختيار أكثرهما رجحاناً، وهذا دليل صدقه الأوّل.

ولكن الدليل الثاني يأتي من صياغة القرآن الكريم وإجابة السؤال: هل يمكن لبشر أن يؤلِّفه؟

أمَّا الدليل الثالث هو في إثبات نقله كما هو عند نزوله وهذا يعتمد على عامل التاريخ مرَّة أخري. ولا يفوت علينا أنَّ المشكِّك يعتمد على عامل التاريخ لا غير، ويُسقط السؤال المهم عن مدي مقدرة البشر على تأليفه، وبذلك يهاجم عامل الصدق لا عامل الصحَّة.

وعندما يتحدّث الفقهاء عن الدليل اليقيني القطعي فهم يعنون أنَّ صدق مصدره قد تأكّد بتواتر المبلِّغين الصادقين ويبنون عليه صحّة محتواه إن كان يخصِّ القرآن الكريم، ولكن إن كان حديثاً مرويِّاً عن المصطفى صلى الله عليه وسلَّم فهم أيضاً ينظرون في محتواه ليروا هل يوافق القرآن أو الفطرة السليمة ومن ثمَّ يصدرون عليه أحكامهم من صحيح، وحسن، وغريب، ومنكر وموضوع.

أمَّا إذا ما تمَّ التأكُّد من صدق وصحّة النَّص فعليه لا يمكن معارضته أو تغييره وإنَّما القبول به كما هو، أمَّا إذا ما قالوا بدليل ظنِّي فهذا يحتمل الصدق والنقصان ويمكن للعقل أن يزنه.

المشكل يقوم عندما يساوي النَّاس بين النّص المنقول وفهم النَّص المنقول؛ وهو مجال الاجتهاد البشري، أو بين الممثِّل الشرعي للنَّص، والذي له الحقَّ المطلق لتفسير النَّص، وبين تحديد جماعة واحدة كالممثِّل الشرعي الوحيد للنَّص والمناط بها تفسير النَّص وتطبيقه مع نفي كامل للآخرين. أو يُلبس الناس رغباتهم الخاصّة الذاتيِّة، لشيء في أنفسهم عمداً أو جهلاً، ثياب الشرع أو العقل فيزيّنوها بآية أو بحديث مبتسر من سياقه وبذلك يوجبون ما لا يصحُّ شرعاً ولا عقلاً.

ولأنَّ عامَّة الناس لا وقت أو لا قدرة لها للتبحُّر في علوم الدنيا أو الدين يأخذون ممن يظنون صدقهم بلا تمحيص ويتبعون التقليد خاصَّة إذا كانوا قد نشأوا في محيط يُطبّق المنهج المعيَّن.

أمَّا صحّة القرآن الكريم فتعتمد على صحّة المعلومات الواردة فيه عن الماضي والحاضر والمستقبل، وعلى النتائج المفترضة الحدوث إذا طُبِّق المنهج المطروح أو لم يُطبَّق، وهذا هو العامل الأهم برغم أهميّة عامل الصدق، وهو المعجزة الحقيقيّة إذ لا يأخذ المشكِّك جهداً أكثر من أن يُعارض المنهج أو الطريقة المثلى المطروحة في القرآن الكريم ليري النتائج ولذلك يقول المولى عزَّ وجلَّ: " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ"، والحقُّ هو الصدق والصحّة.

ضربنا هذا المثل لحثِّ القارئ الكريم والقارئة الكريمة على التفكُّر في صدق وصحَّة المعلومات المتوفِّرة لهم قبل أن يُقرِّروا في الأمور صغيرها قبل كبيرها.

وبما أنَّ معظم المعلومات المتوفِّرة ناقصة، إذ أنَّ الإحاطة بكلِّ شيء مستحيل للإنسان، يجب التأكّد أولاً من المصدر وثانياً من الحقائق المطروحة حتى لا تكون مبنيّةٌ على الظن. وما سبيل الشورى إلا المنهج الذي يقلِّل فرصة الخطأ بتراكم المعرفة وكما قلنا من قبل في قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه حكمة: "اضرب الرأي ببعضه يتولَّد منه الصواب".

أمَّا المعلومات غير الصادقة وغير الصحيحة أو الناقصة أو المُحوَّرة لتغبيش الوعي فهي مكذوبة قيلت عن قصد لتحقيق فساد، وهي نوع المعلومات التي تعتمد عليها الطوائف بكافَّة أشكالها الدينيّة والعلمانيّة واللادينيّة والحكومات الديكتاتورية وتكون الأساس الذي يقوم عليه نظامها الشمولي.

فالطائفة تُبنى على افتراض قُدسيّة أو عبقريّة المؤسِّس، وعلى الالتفاف حوله وتمجيده، وعليه فكلامه يؤخذ كصدقٍ مُطلق، ومحتواه صحيح لا يمكن مراجعته أو نقده، وعلى التَّابعين "الإيمان" به بلا جدال والعمل بمحتواه بلا تردُّد، وبذلك يتمُّ التحكُّم في الأعضاء بسبل مختلفة منها غسيل المخ أو المال أو السلطة أو استغلال الحاجات الروحيّة والنّفسيّة والاجتماعيّة للفرد.
وشرط هذه المجموعات الوحيد هو الطاعة العمياء مثل مقولة "كالميت بين يديّ غاسله"، والمخالفون يُخوَّنون باسم الجماعة أو التنظيم أو الفكر أو القضيّة إذا ما اعترضوا ولو اعتراضاً يسيراً، وينالهم ترغيب أو ترهيب ويُعتبر خروج عضو من المجموعة بمثابة موته بل قد يؤدِّي لموته الاجتماعي أو تصفيته الجسديّة.

والتفسير النَّفسي لهذه الظاهرة هي استهداف الأشخاص الذين لديهم قابليّة على التأثُّر بآراء الآخرين، وحاجة نفسيّة للانتماء، أو لتحقيق ذاتهم من خلال تحقيق هدفٍ ذاتيٍّ أو سياسيٍّ، أو اجتماعيٍّ، أو روحيٍّ، ورويداً رويداً يتمُّ مسح ذاتيَّتهم وتذويبها في ذاتيّة المجموعة، ثمَّ في دائرة القيادة المتحلّقة حول الزعيم المؤسِّس وأخيراً في ذاتيّة المؤسّس النرجسيّة، حتى لا يُعرف نهاية أحدهما من بداية الأخرى.

فيصبح المؤسِّس بذلك هو ممثل الكل لأنَّه يمثِّل طاقم القيادة، والتي بدورها تُمثِّل المجموعة، والتي بدورها تُمثِّل الأفراد وهم يمثّلون عامّة النَّاس في امتلاك الحقيقة المطلقة.

والمؤسِّس يستخدم مجموعة الأفكار المغلوطة، مع قوّة الشخصيّة، وأساليب التّنويم أو الحثّ المغناطيسي التي يستخدمها أعضاء طاقم القيادة، مثل عزل الزعيم عن الناس، وتضييق فرص لقائه، أو المراتب المختلفة التي تُعطى للمنتمين وترقيتهم حسب كسبهم، واللبس المُعيَّن، واللغة المعيّنة للتخاطب باختيار ألفاظ تُميّزهم عن الباقين، وأساليب الإضاءة وما شابه لاستدراج واصطياد الضعفاء فكريّاً وأخلاقيّاً واجتماعيّاً ونفسيّاً.
وشخصيّة المؤسِّس تنحو نحو النرجسيّة والجبروت والطاغوتيّة كما شخصيّات الذين من حوله الذين يُغلِّفون مطامعهم الذاتيّة وأغلبها الاقتصاديّة والسلطويّة بأوراق المذهب لخداع التابعين بينما يسود الفساد المقنَّن بين المؤسِّس وطاقم القيادة.

ولذلك تمحيص المعلومات، إذا كانت عن شخص أو مذهبٍ أو أي أمرٍ آخر، لمعرفة صدقها وصحّتها هو المدخل الرئيس لاتّخاذ القرار والذي هو أساس الفعل.

فالإنسان الذي تتوفّر له "مُدخلات" هي عبارة عن المعلومات التي يبني على أساسها، بعد أن يُحيلها لمرحلة الدراسة، قراراً يكون بمثابة النّاتج، ثمَّ يتلو ذلك أثر النّاتج على الآخرين وهو مُحصّلة القرار.

ونلاحظ أنّ اتّخاذ القرار نفسه عمليّة "فعل"، بينما تطبيق القرار أيضاً "فعل" وذلك مصداق قوله سبحانه وتعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ"، وفي قوله تعالى الذي يربط القول بالفعل بالفلاح: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً".

ولنأخذ مثلاً حيّاً من حياة المزارعين؛ فهم بعد أن يزرعون القمح مثلاً ويحصدونه يأخذونه للمصنع. فالمُدخلات هي القمح قبل أن تتمّ دراسته في المصنع، ومصدره المزرعة والذي قد احتاج قبل جمعه لجهد فلاحة الأرض، وبذر البذور وسقايتها، ورعايتها حتى بلغت مرحلة الحصاد.
والمرحلة الثانية هي مرحلة دراسة القمح في المصنع وتنظيفه من الشوائب ومن ثمَّ فرزه، ومن بعد ذلك تأتي مرحلة تعبئة ناتج القمح في أكياس لعرضه وبيعه.
والمرحلة الأخيرة هي تفاعل النّاس مع القمح حسب نوعيّته فإن كانت نوعيّته ممتازة وسعره معقول فسوف يطلبه النّاس وبذلك تكون حصيلة كلّ العمليّة ناجحة وذات أثر طيّب ممّا تُؤدِّي لتكرير التجربة ونجاح المزارع والعكس هو الصحيح.

فالإنسان يتّبع نفس المنهج في اتّخاذ القرارات إذ يعتمد على "مُدخلات" المعلومات التي يستقيها من بيئته، ويبذل فيها مجهوداً لتحصيلها من والديه أو معلِّميه أو تجاربه وبحوثه أو دراسته المستقلّة تثقيفاً لنفسه، وبعد ذلك يُدخلها إلى "مصنع أفكاره" ويفرز منها ما يشاء ويُخرج لنا ناتجاً يُسمّي "فكراً"، والذي قد يحتفظ به أو قد ينشره، فإذا نشره فهو قد عرضه "للبيع"، وللجمهور أن يُقلِّبوا إنتاجه ليفحصوه، فإن كان ذا فائدة "اشتروه" وربحت تجارته، وإلا تركوه وكسدت تجارته.
وليس هذا بالمُستغرب إذ أنّ الإنتاج الفكري يُسمّي عند أهل البلاغة "بضاعة".
ولذلك تكثر المصادفة في اتّخاذ القرار إذا كانت معلوماتنا ومعرفتنا الأساسيّة ناقصة أو رديئة النَّوعيّة.

وقد وضَّح المولى عزَّ وجلَّ مفعول هذا النوع من المعرفة الرديئة التي تؤّدي للافتراء والكذب باسم العلم وهو ناتج عن جهل، وما تُنتجه من فسادٍ وفوضى وذلك بربطه بمجموعة الفواحش والكبائر: " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ".
ولذلك فالمعرفة الرديئة والناقصة هي مقياس لجهلنا، فكلَّما زادت معلوماتنا ومعرفتنا بموضوع ما كلّما قلَّت فرص المصادفة وازداد فهمنا للقضيّة المطروحة ممّا يُمكّننا من توقّع المسار المستقبلي للمسألة.

وكذلك تكثر المصادفة إذا كانت آلة عقلنا عاجزة عن فهم أو تحليل أو استنباط أو استقراء النتائج لأنَّ مدخلنا إليها غير علمي، ولا ينظر إلى الحقائق إلا من باب التَّعصُّب وإثبات أنَّ ما نحمله من علمٍ أو فكر هو الأصح مهما عُرض لنا من حقائق علميّة مخالفة.
+++
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالى
ودمتم لأبي سلمي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1437

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د عبد المنعم عبد الباقي علي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة