المقالات
منوعات
إيفيتا : السيرة الحقيقية (3)
إيفيتا : السيرة الحقيقية (3)
07-03-2016 12:28 AM

image

الفصل الثالث
الكولونيل والممثلة

مع إندلاع شرارة الحرب العالمية الثانية ونقل تفاصيل تطورات الحرب في الصحف ، بدأ الأرجنتينيون منهمكون في الأمر ومنقسمون فيه. كان هناك أرجنتينيون يؤيدون المانيا وإيطاليا ، كونهم ذوي أصل ألماني وإيطالي وتمنى الفاشيست والقوميون الهزيمة لبريطانيا . أما الذين في الجهة المقابلة فقد صفقوا للمقاومة البريطانية ودخول روسيا الشيوعية إلى الصراع . من جهتها حافظت الجكومة على الحياد كما فعلت في الحرب السابقة وكانت هذه السياسة جيدة لمصالح البلاد . البريطانيون أنفسهم شجعوا هذا الوضع لأنه يمكّن الأرجنتين من إرسال سلعها إلى بريطانيا بسلام. كان هناك القليلون من الأرجنتينيين الذي يرغبون في الإشتراك في الحرب لكن بقيت المسألة حول مستقبل الأرجنتين . لقد أدى ذلك إلى نوع من الصراع الصامت الذي عرّفه أحد المؤرخين بأنه مثل (حرب مدنية باردة).

في ذلك الوقت كانت هناك وجوه مختلفة في الحكومة ، غير أنها تبدو واحدة فالمحافظون زوّروا الإنتخابات عام 1932 وأعادوا التزوير في إنتخابات عام 1939 ومع أنه أصبح جليا أن سياساتهم لها تأثيرات هامة على البلاد – وإن بدت غير متوقعة – إلا يبدو أنهم أنجزوا القليل لكنهم إحتفظوا بأفكارهم القديمة كما هي . إنهم يمثلون الطبقة التي تمتلك الأراضي التي كان نشاطها دائما مع البريطانيين ويبدو أنهم يوافقون على كيفما يؤكد عليه البريطانيون . لقد وضعوا أقاربهم في مناصب السلطة وحينما تكون هناك فضائح – تتعلق بشراء أرض للقواعد العسكرية ، تنظيم المرافق العامة ، المضاربة في المواد الخام – فإنه يتم إخمادها داخليا . أما الأحزاب الأخرى فقد إنقسمت داخليا وفشلت محاولاتها للتوحد ، مع وضع الإعتبار أن كل المؤشرات تدل على أن الحكومة سوف تلجأ للتزوير في الإنتخابات القادمة .في عام 1943 بدأ مرة أخرى أن الجيش وحده يمكن أن يحل الأزمة ويعيد الديمقراطية . لذا فقد كانت هناك العديد من الخطط غير أنها لم تنجح : إما أن تكون الحكومة قوية ضمن نطاق الجيش وبالتالي تحبط محاولات الإطاحة بها أو أن ينقسم الجيش حول مستقبل البلاد بحيث لا يستطيع تأمين الحماية الكافية. لذا ووسط المواقف الشعبية بالغضب والسخرية ، شارف عقد الزمن سيء السمعة للأقلية على نهايته.

في يونيو 1943 جرى إنتخاب (روبستيانو باترون كوستاس) رئيسا قادما للأرجنتين بواسطة الحكومة. كان (باترون كوستاس) معروفا للعامة بأنه مالك مقاطعة في شمالي الأرجنتين تدعى (سالتا) ، أما مزرعته للسكر (التاباكال) التي مجّدها مؤيدوه كنموذج للرأسمالية الأبوية فقد إرتبطت في أذهان العامة بشرور إحتكار السكر – مخازن السكر التي تقيد العمال بديونهم والظروف المساعدة على الفحش والمرض. إنه شخص غني جدا وقد أصبح ثريا مع الزيادة الكبيرة في أسعار السكر خلال العام الماضي. مع أنه سيناتور ، إلا أن له القليل من الأراء المعبرعنها مثل إنحيازه إلى جانب التحالف ، مع أنه كانت لديه علاقات ممتازة مع السفارة الألمانية. في المقابل فإنه كان متمسكا بمبدأ تزوير الإنتخابات. بينما أظهرت الصحف التي يمولها أنه لا يؤمن بأن عمال (التاباكال) يجب أن يصوتوا سرا ، فيما دافع المرشحون عن التزوير الإنتخابي ، مهاجمين الأعمال الديماغوجية للأحزاب التي تخدع العامة بالوعود الزائفة . لقد كان ترشيح (باترون كوستاس) غير مقبول بالتأكيد لأكثر الأرجنتينيين تعليما وأكثرهم أهمية وغير مقبول كذلك للجيش.

في يوم الجمعة 4 يونيو 1943 وفي صباح يوم شتاء رمادي أغلقت المصارف والشركات أبوابها. كانت هناك إشاعات عن ثورة لكن لم تكن هناك قوات ، لا شيء في الراديو أو الصحف ، فقط الشرطة تجوب الشوارع. في وقت لاحق من ذلك اليوم سار ستة ألف جندي من القوات في المدينة وبعد خطأ أدى إلى تبادل الطلقات في الأكاديمية البحرية ، دخلت القوات (بلازا دي مايو) وأحتلت الـ (كاسا روسادا) عند الساعة 2:30 . أخذ أحدى التجمعات يحي تلك القوات وقام بتحطيم بعض البصات التي تعود إلى شركة النقل البريطاني. بحلول يوم السبت كان هناك رئيس جديد هو الجنرال / أرتورو راوسون الذي قاد الإنقلاب وأعلن أن حكومته تقف ضد التزوير والفساد ورأس المال الربوي. لقد أعلن أن الرئيس السابق (رامون س. كاستيلو) قد غادر ومعه كل وزرائه على ظهر كاسحة الألغام (دورموند) التي أبحرت تجاه الأوراغوي ، ثم عادت مرة أخرى إلى (لا بلاتا) جنوب شرق بيونس أيرس حيث ترجل كاستيلو وجرى إهانته قبل أن يقدم إستقالته. في يوم الثلاثاء كان هناك صمت في البداية ثم أعلن أن الجنرال (راوسون) الذي تولى الرئاسة ليوم واحد قد إستقال وخلفه الجنرال (بيدرو بابلو راميريز) . في المقابل فتحت البنوك والشركات أبوابها وأزيحت المركبات المحترقة في الشوارع وأنتهت ثورة 4 يونيو والعصر الذي حكمت فيه مصالح الأرض الأرجنتين.


لم تكن (إيفيتا) مهتمة بالسياسة غير أنها لم تبق غير مبالية بمضامين الحكومة العسكرية. كانت أحد مباديء الحكومة التي جرى التعبير عنها بشكل مبهم هو ضرورة تحديث البلاد وأن تدار بمثلما أتاح لها النظام السابق ذلك. لقد إمتد إيمان الحكومة بالتعديل إلى الراديو الذي كان مزدهرا قبل الثورة. لقد وضع الماجور/ البيرينو فاريس وهو إقليمي متجهم وثائر ، لكي يكون مسئولاعن الإتصالات وأمر بإستبعاد الفساد من محتويات الإعلانات والبرامج وكجزء من خطته لتهذيب راديو الأرجنتين حذف مشاهد المعارك ، الصفافير وبذاءات الأبواق ، كما منع تزويق الموسيقى الكلاسيكية ومنع الموسيقيين الأجانب من التحدث على الهواء بلغتهم الأم . كذلك وردت مذكرة تطلب إستبعاد كل الروايات أو القصص التي تميل إلى الإنتقاص من المعنويات. لقد جرى تفضيل الموسيقى الشعبية والتانغو . كذلك أصبح من الواجب تقديم نصوص المسلسلات إلى المفتش الجديد لإعتمادها قبل عشرة أيام على الأقل من إذاعتها. علاوة على ذلك جرى توجيه منشور إلى كتاب ومديري المحطات بضرورة تجنب قائمة من التعبيرات الحديثة والمبتذلة.

إذا ما صدقت مجلات السينما في ذلك الوقت فإن (إيفيتا) لم تكن تعمل عند وقت الإنقلاب ، لأنها لم تمنح دورا جديرا بها . لقد كان الكل يشتكي من الديكتاتورية التي فرضت على فن التسلية والمتعة : ممثلين وكتاب ومنتجين ، غير أنهم خضعوا بعد ذلك للوائح والنظم. إن كان عليهم أن يعملوا فإنه كان لزام عليهم أن يتقدموا بطلبهم إلى وزارة العمل. في السابق كان الرعاة أو الملاّك يحددون ما يمكن أن يذاع على الهواء ثم يقدم الممثلون حججهم ، لكن أصبح للملاك الآن سلطة قليلة مثل الممثلين. لم تكن للحكومة العسكرية خبرة في إدارة محطات الراديو ، فقط وصفات مبهمة ذات طابع معنوي . كان الكولونيل (أنيبال إيمبيرت) المسئول عن تخصيص الزمن على الهواء – الذي يرتدي الزي الرسمي في العمل ويجعل موظفيه يقفون إنتباها له في الردهات – شخصا يصعب الوصول إليه . لذا فإن الممثلين كانوا يذهبون إلى مساعده (أوسكار نيكيوليني). في تفسير نجاح (إيفيتا) في الوصول إليه ، قيل حديث غير صحيح من أن (نيكيوليني) كان محبا لـ (دونا خوانا) وأن إيفيتا لها شئون مع (إيمبيرت). ما حدث ببساطة أن (نكيوليني) أحب (إيفيتا) وكان مسئولا عن إعتماد (إيمبيرت) لمشروعها. ربما كان في المشروع مناشدة للكولونيل بضرورة ترقية جودة المسلسلات. لقد كانت هناك مسلسلات أخرى عن المحبين في التاريخ وهو ما أقترحته (إيفيتا).

حمل المشروع عنوان (بطلات في التاريخ) وهو يتناول المواضيع التاريخية والمعنوية السامية. كان كاتب نصوصها هو (فرانسيسكو خوزيه مينوز) وهو محام ومؤرخ طموح. في سبتمبر من عام 1943 أعلنت مجلة الإذاعة (أنتينا) أن (إيفيتا) الممثلة التي إكتسبت شهرة واسعة من خلال عملها في محطات الراديو ، سوف تبدأ هذا المسلسل قريبا. كان البرنامج الأول عن (مدام لينش) زوجة الثائر الباراغواني (كاوديلو) الذي خلفته في قيادة الجيش بعد موته والذي إنتحر مفضلا الموت على الوقوع في أيدي أعدائه. في المقابل إنقسمت الحكومة العسكرية – مثل البلاد ككل – حول مسألة الحياد وبالتالي أجبرت الحكومة على سياسة الحياد التي إتبعتها الجكومة السابقة. لم يكن لدى الحكومة إلتزام بإجراء إنتخابات ، فيما إستمر مسئوليها في إدارة البلاد بالمراسم. أما بالنسبة لأؤلئك الذين يأملون في حل مسألة الحياد أو الإنتخابات الحرة فقد بدأ الأمر كما لو أن الحكومة إستبدادية. لقد كان لها في الواقع القليل مما يجمعها بالديكتاتورية الأوربية، لكن تفسير ذلك كان سهل الفهم.

لقد كان هناك قصور شاذ في العلاقة بين أهداف الحكومة المزعومة وتطبيقاتها ، مما أعطى شعورا زائفا لدولة في حالة طواريء وهو أمر غير مبرر. أحيانا كان الفيتو يمارس على الأنشطة السياسية وأحيانا لا يمارس والشيء ذاته ينطبق على القيود على الصحافة. كان هناك أناس يتجسسون إنابة عن الحكومة لكنهم لا يعرفون ضد من يعملون . أحيانا تتخذ الإجراءات ضد الفاشيست أو القوميين وأحيانا ضد مؤيدي التحالف. تمثلت العلاقة الإقتصادية الملاحظة لتأثرات الحرب في النقص الشاذ في سلع المستهلكين مثل الإطارات ونيكلات الترام. عدا ذلك فإن البلاد كانت تعايش إزدهارها الأكبر ضخامة منذ عشرينات القرن الماضي. في مساء صيف ساخن من عام 1944 حدثت هزة خفيفة في المدينة ، كانت كافية لهز الثريات وخروج الناس للإستفسار عن الأمر. في الواقع كانت تلك هزة أرضية قوية ضربت ودمرت بلدة (انديان) الواقعة في مقاطعة (سان خوان) بالكامل. لبعض الوقت لم تكن هناك إتصالات بالمنطقة المنكوبة ، لكن في النهاية قادت الحكومة حملة من أجل الضحايا. إلى (سان خوان) ذهب الرئيس لتفقد الدمار ومن العاصمة (بيونيس أيرس) بدأت حملة تبرعات على إمتداد البلاد إنابة عن عائلات المفقودين الذين بلغوا ستة الاف. لقد رعى الكولونيل (خوان دومينجو بيرون) أمين وزارة العمل في الحكومة العسكرية تمويل (سان خوان) . كانت فكرته إقامة (مهرجان فني) يشترك فيه الممثلون والممثلات ، يرافقهم أفراد القوات المسلحة بالزي الرسمي ، يجوبوا فيه شوارع المدينة حاملين معهم صناديق تبرعات المال. في نهاية الأسبوع كان هناك إحتفال كبير شارك فيه مغنو التانغو والكوميديين بتذاكر غالية. بيرون نفسه سار عبر شوارع (كالي فلوريدا) مع مجموعة من الشخصيات المسرحية ، السينمائية والإذاعية . كان يرتدي بزة بيضاء وحذاء أسود طويل ويعتمر قبعة. كان الناس يستوقفونه ويضعون النقود في صندوقه.

في ذاكرة (إيفيتا) فإن المناسبة التي جمعتها ببيرون مثلت (يوما رائعا) ، أما بيرون فيورد في مذكراته كيف أن (إيفيتا) دخلت إلى حياته كأنما حملها القدر (إنه الزلزال المأساوي الذي ضرب مقاطعة سان خوان ودمر المدينة بالكامل هو الذي جعلني أقابل زوجتي). في وزارة العمل حيث جاء الممثلون لتحصيل صناديقهم المالية ، كان المشهد على النحو التالي: (كانت هناك إمرأة ذات مظهر هش ، ذات عينان متقدتان لها شعر أشقر يتدلى على ظهرها ولها صوت قوي. قالت إن إسمها إيفا دوارتي وأنها تمثل في الراديو وترغب في مساعدة سكان سان خوان . نظرت إليها وشعرت بأنها آسرتني بحديثها. كنت خاضعا تماما لقوة صوتها وشكلها . كانت إيفا شاحبة ولكنها حينما تتحدث كان وجهها يبدو وكأنه قد إشتعل بالنار. كانت يداها تحمرّان بالتوتر فيما تعقد أصابعها معا بإحكام. إنها كتلة من الأعصاب)). كانت (إيفيتا) تقف خلف بعض الممثلات غير أنها تقدمت لتقديم النصح. كانت مناسبات أعمال البر عتيقة النمط وكان على الممثلين أن يبقوا في أفضل أجزاء المدينة لإنجاز المهمة. قالت (إيفا) : (إن علينا أن نحصل على المال من الذين يملكونه) فرد بيرون (هذا جيد ، جيد جدا ، بما أن هذه فكرتك فعليك أن تنفذيها) وبناء عليه قامت بتنظيم كل شيء.

إن ذكريات بيرون ليست مصدرا يعتمد عليه لأؤلئك الذين يبحثون عن معلومات عن سيرته أو حياته الخاصة. على أي حال فإن ذكرياته في الغالب ضبابية وحيث أن أفعاله أصبحت مثارا للجدل فإنه في الغالب يكون مهتما بوضع نفسه في أفضل صورة. إن هذا الحال متى ما تحدث عن (إيفيتا) زوجته وأكثر مؤيديه السياسيين أهمية ، الشخصية التي منحت الحركة التي حملت إسمه هويتها. لم تكن (إيفيتا) شقراء في ذلك الوقت ولم تنظم تجميع الأموال ، لكنها كانت تسير في الشوارع حاملة معها صندوق التبرعات وتذهب إلى المهرجان في إستاد (لونا بارك) برفقة صديقتها المغنية (ريتا مولينا) وكانت تذهب إلى بيرون مثل سائر الممثلات لتحييه. كانا يجلسان ويتحدثان معه وعند إنقضاء الليل يغادر بيرون وإيفيتا الإستاد معا. كان (بيرون) أطول من معظم الرجال الأرجنتينيين ذو مظهر رجولي في بلد مفتونة بالرجولة ، ذو وجه عريض ،
شعر أسود بتسريحة إلى الخلف. كانت لديه إبتسامة ممثل سينمائي ، فم واسع وأسنان بيضاء. كان أرملا قد بلغ الثامنة والأربعين من عمره لكنه يبدو أصغر من ذلك بكثير. كان (بيرون) هو الوحيد من أفراد عائلته الذي إلتحق بالحكومة والذي برز كشخصية مثيرة لإهتمام العامة. كان رفاقه في العسكرية يتفادون الحديث للصحافة ومخاطبة العامة ، لكن (بيرون) كان جاهزا دائما للحديث والشرح. لقد أعطى الإنطباع بأنه يملك الإمتاع في السلطة وأنه يستطيع أن ينقل ذلك الإمتاع إلى الأخرين. كانت أخلاقه صريحة وودية.

في ذلك الوقت تولى (بيرون) حقيبتين مميزيتين في الحكومة في آن واحد : تولى مهمة أمين وزارة الحربية وهي تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد وزير الحربية وأمين وزارة العمل ، مع أن ذلك لم يمنحة رتبة في مجلس الوزراء. كان ينهض في السادسة صباحا وينال قيلولة عند الظهر وفي الأمسيات كان يعقد الإجتماعات غير الرسمية مع السياسيين المدنيين في شقته الصغيرة في (اريناليس) و(تورونيل دياز). في بعض من هذه الإجتماعات وبعضا من المهام كانت تصطحبه فتاة صغيرة يقول عنها إنها إبنته. قبل أيام قليلة كان بيرون قد أخذ الفتاة إلى العرض الأول لمسلسل في الراديو عند المحطة التي تعمل فيها (إيفيتا). في الواقع لم تكن تلك الفتاة إبنته بل خليلته. لقد قابلها في (ميندوزا) حيث كان يرأس وحدة التزلج في الجيش الأرجنتيني ويبدو أنه كان محتارا في أمرها ، غير أن (إيفيتا) حلت المشكلة ففي صباح يوم وبعد أن غادر بيرون إلى وزارة الحربية ، أجّرت شاحنة وحمّلت فيها أمتعتها وإنطلقت إلى شقة بيرون ثم طلبت من الفتاة العودة إلى (ميندوزا). عندما عاد بيرون إلى شقته وجد إيفيتا قد إستقرت فيها ، غير أنه لم يسألها البتة عن ما صنعت – وفقا لصديق لبيرون – ومن يومها بقيت (إيفيتا) مع بيرون. في ذلك الأسبوع ظهر (بيرون) مع (إيفيتا) معا في مكان عام للمرة الأولى وذلك عند إذاعة واحدا من برامج (إيفيتا) ، ثم إلتقط صورة فوتوغرافية لمجلة السينما ، ضمت كل من : بيرون ، إيفيتا وأصدقائه (دومينجو ميركانتي) ومدير المحطة (جيمي يانكيليفتش) في إشارة إلى أنه حان الوقت ليعرف الجميع.

كانت شخصية (بيرون) مثل شخصية (إيفيتا) مثيرة للجدل بشكل دائم في الأرجنتين. في الأرجنتين من الصعب العثور على أحكام مقنعة عن (بيرون) أو عن ما أنجزه. بالنسبة للذين يحبونه فهو : كريم ، إجتماعي ، جذاب ، ذكي ، أستاذ ومفكر ، له عبقرية سياسية تمكنه من السيطرة على التحالفات الهشة. أما أؤلئك الذين يكرهونه فيرون أنه في كثير من الأحيان : جبان ، نازي ، طاغية ، لا يتقن العمل ، مختلس ، رجل لا يحترم طبقته وأفلس بلده. إن مثل هذه الأراء لا تزال تتردد حتى بعد وفاة (بيرون). إن (بيرون) لم يكن شابا حينما أصبح فجأة شخصية هامة في السياسة الأرجنتينية عام 1943 وحينما عاد إلى الأرجنتين بعد أكثر من ثلاثين عاما لكي يصبح رئيسا كان متقدما في السن. إن أكبر الأخطاء المستمرة لأؤلئك الذين كتبوا عنه ، كانت تميل إلى رؤية (بيرون) كديكتاتور بشكل دائم ، حتى وإن جرى تصويره كديكتاتور أمريكا اللاتينية النموذجي ، فإن سجله الغامض لا ينطبق على هذا النوع من الوصف. لقد كان في الغالب شخصا لطيفا بشكل مدهش وقد أستحوذ على سلطة واسعة ، غير أنه لم يكن إستبداديا وكان تواقا للتخلي عن منصبه في السلطة لتفادي حمام الدم وفي هذا الصدد يمكن مقارنته بمن خلفوه. في المقابل رغب (بيرون) أن يظهر في مذكراته بصورة أفضل مما كان عليه.

لقد ولد (بيرون) في (لوبوس) في إقليم (بيونيس أيرس) في 8 أكتوبر 1895. هناك شك ما في عائلته نشأت في (سردينيا) أو إيطاليا وهو غموض أكده (بيرون) ففي شركة تعود لإسبانيين ذكر (بيرون) أن أسلافه إستقروا في سردينيا حينما كانت الجزيرة تحت حكم الإسبان وقد أطلق عليه إسم (بيرون) وليس (بيروني) وفي سؤال لصحفي إيطالي أصر على أن البيرونيين موجودين في جميع أنحاء (بيدمونت) وربما جاءت عائلته من هناك. كان جده من ناحية أبيه طبيبا مميزا ، غير أن والده كان يطمح لأن يكون مالكا للأراضي. لذا فقد إنتقلت العائلة إلى الجنوب. عمل (ملريو بيرون) في البداية مزارعا مستأجرا في (سانتا كروز) بالقرب من (ريو جاليجوس) ثم في (بيرتو كاميرونيس) . بعدها إمتلك مزرعة سمّاها (لا بورتينا). حينما ولد (بيرون) لم يكن والده قد تزوج بوالدته ، لكنه تزوجها حينما ذهب إبنه إلى الكلية الحربية وهو في السادسة عشر من عمره ، غير أن (بيرون) لم يكن منزعجا بمسألة الشرعية مثل (إيفيتا) ، مع أنه لم يتحدث عن ذلك مطلقا. حينما إلتحق (بيرون) بالجيش في عام 1915 كان لا يزال متأثرا بالروابط مع المانيا بشكل عميق. كان الضباط الألمان يأتون للأرجنتين للعمل كمدربين ، فيما يكمل الضباط الأرجنتينيون تعليمهم العسكري في المانيا. كان الجيش الأرجنتيني يتلقى الأسلحة من المانيا ، يكتب كتيباته بالأسلوب الألماني ، يرتدي الخوذات الألمانية ويمشي مشية الأوزة العسكرية. يزعم (بيرون) أن أفضل كتبه في الكلية الحربية هي : (الأحياء) لبلوتارك ورسائل اللورد شيسترفيلد إلى إبنه ، غير أنه على إمتداد حياته كان معجبا بالنظام ، الإلتزام بالرسميات ونوعية التدريب الذي تلقاه في المانيا. عند تخرجه أرسل (بيرون) إلى سلسلة من الحاميات العسكرية البعيدة في البلاد. كان يمارس المبارزة في الكلية الحربية ويركب الخيل كثيرا. كذلك إستنبط العاب وتسليات وجعل زملائه الضباط يشتركون فيها. بسبب علاقاته مع المجندين وخبرته المباشرة عن حياة الحاميات ورؤيته القريبة للفقر في الريف ، كان قادرا على فهم واقع الأرجنتين. لقد أدت الإضطرابات العمالية التي حدثت في عشرينات القرن الماضي وفي غياب الشرطة الكافي إلى إستدعاء الجيش لحفظ الأمن . في إضراب (لافوريستال) وحينما طوق خمسة الف عامل وحدة لمعالجة دبغ الجلود ، حث الليفتنانت (بيرون) الملاك على فتح مخازن الشركة وتزويد المضربين بالطعام والماء.

في عام 1926 جرى ترقية (بيرون) إلى رتبة كابتن وعاد إلى (بيونس أيرس) . كانت المؤسسة العسكرية تقع في أو حول العاصمة وبالتالي مارست (بيونس أيرس) هيمنة في الأمور العسكرية مماثلة لهيمنتها على الأمور الأخرى . كانت ثكنات باليرمو في الضواحي تأوي الفرقة الأولى ، الأكاديمية الحربية ، نادي الضباط . بعيدا وإلى الشمال الغربي كانت تقع الأكاديمية العسكرية ، قاعدة (كامبو دي مايو) الضخمة وقاعدة (البالومار الجوية). إن نجاح إنقلاب عام 1930 الذي نفذه تسعمائة رجل من ذوي الرتب الصغيرة ولعب فيه (بيرون) دورا ثانويا ، أقام للجيش علاقة جديدة مع السلطة السياسية. لقد كان الجيش يناقش في الغالب مستقبل الأرجنتين من خلال مطبوعاته ، أو في المحاضرات التي كانت تلقى في الدائرة العسكرية. بعد تدخل الجيش في السياسة الوطنية تكرر ذلك الجدل بشكل كبير. لقد قضى (بيرون) أربعة سنوات في الكلية الحربية العليا كطالب وفي عام 1930 عين كمحاضر في التاريخ العسكري. كان محاضرا رائعا وأكتسب سمعته من كونه باحث ، لكنه حتى ذلك الوقت سوى دور بسيط في تطوير أفكار الجيش ، أما فيما يتعلق بتدخلات الجيش في الشئون السياسية فإنه لم يعلن عن أفكاره على الملأ ، غير أنه في تحليل لإنقلاب 1930 وصف الجنرال / خوسيه ف. يريبورو بأنه (مؤيد لأرجنتين فاشية وبأنه رجل مثالي وشخص محترم حتى حينما يتآمر).

تزوج (بيرون) وهو في الثالثة والثلاثين من عمره بـ (أوريليا تيزون) وهي معلمة وكانت تعزف البيانو وتؤدي أعمالها المنزلية آملة أن تنجب الأطفال الذين لم يأتوا أبدا. رافقت (اوريليا) زوجها بيرون إلى شيلي حيث عين ملحقا عسكريا لبلاده في العام 1936 وبعد عودته إلى (بيونيس أيرس) عام 1938 ماتت (أوريليا) بمرض سرطان الرحم. في عام 1939 وقبل إندلاع الحرب العالمية الثانية أرسل (بيرون) إلى أوروبا لدراسة مناهج عمل القوات الإيطالية في جبال الألب. هناك مارس التزلج في جبال الألب وسافر إلى كل من المجر ، النمسا ، المانيا ، اسبانيا والبرتغال. بعد سنوات من ذلك زعم بأنه كانت له علاقة مع ممثلة إيطالية في إسبانيا وإكتشف لاحقا أنها أصبحت حامل ، إلا أنه لم يعثر عليها أو على طفلها. في المانيا كان لديه إحساس بأن مسار العمل كان مثل الالات التي تعمل بكمال مدهش حيث لا تضيع أصغر القطع. كان عليه أن يصبح نصيرا للأداء الحركي في السياسة والإحتفالات والجمهور فقد جذبه مشهد روما موسوليني.

يقول بيرون (إنني لن أغفر لنفسي أبدا أنني كنت في إيطاليا وأجهل رجل عظيم مثل موسوليني. لقد أعطاني الإحساس بالفخامة حينما إستقبلني في – بلازا فينيسيا – لقد ذهبت مباشرة إلى مكتبه ووقتها كان يكتب وحينما رفع رأسه ورآني جاء إليّ ورحب بي . لقد قلت له بأني أعرف أعمالك العظيمة ولن أعود إلى بلدي أبدا قبل أن أصافحك). لقد إتضح أن بيرون لم يقابل (موسوليني) أبدا. قبل نحو عشرين عاما أخبر مصوره بأنه رأى موسوليني مرة واحدة حينما أعلنت الحرب على فرنسا وبريطانيا وذلك بينما كان واقفا وسط حشد صاخب. في عام 1942 عاد (بيرون) إلى بيوينس أيرس متأثرا بالقوة الظاهرة للفاشية في وقت الحرب. في تلك المرحلة بدأ أنه مقتنعا – مثل كثير من الأوربيين – بأن الديمقراطيات الأوربية ، البريطانية والفرنسية في حالة إنهيار نهائي وأن الفرصة الحقيقية تقع بين الشيوعية والفاشية فهو كقومي يرحب بهزيمة بريطانيا ويأمل بأن تكسب قوى المحور الحرب. مع أنه لم يكن فاشيا بالمعنى الدقيق ، إلا أنه كان يطلق عليه في الغالب ذلك ، مثلما لم تكن (مجموعة الضباط المتحدة) التي ساهم في تأسيسها بعد وقت قصير إلى بيونيس أيرس ، مهتمة بالتطبيق الصارم للفاشية بجانب المانيا وإيطاليا. لقد كان أعضاء تلك المجموعة التي كان من ضمنها بيرون مهتمة في ذلك الوقت بما سيحدث بعد الحرب.

يعتقد (بيرون) أن ايطاليا موسوليني أثبتت أن مصالح رأس المال والطبقة العاملة يمكن أن توفق بواسطة الدولة وهذا هو المبدأ الذي كان يحث عليه زملائه ، لكن كان هناك ضباط لم يشاركونه هذه الأفكار وهو الذي أشار إليهم بيرون بـ (سكان الكهف) الموجودين بأعداد كبيرة في أي جيش. في الواقع فإن هؤلاء الأفراد كانوا مسئولين عن تعيين (بيرون) التالي كمدير لتدريب مركز الجبال في (ميندوزا) حيث قضى الكولونيل عاما يدرب المجندين على كيفية التزلج. بعد ثورة الرابع من يونيو التي لم يشارك فيها (بيرون) بشكل مباشر ، وجد بيرون نفسه في وضع قوي فقد إكتسبت مجموعة الضباط المتحدة ثقلا كبيرا في الحكومة. لقد كان له تأثير على الجنرال (ادميلميرو جي. فاريل) رئيسه في وزارة الحربية وبالتالي أصبح قادرا على إجهاض العديد من محاولات إسقاطه. كان الرئيس (راميريز) لا يحب بيرون ، متيقظا لتأثيره المتنامي ، لكنه كان غير قادرا على حشد الدعم الكافي داخل حكومته للتخلص منه. لقد كان يحذر وبشكل متكرر من الخطر الذي يمثله بيرون. لقد قيل أن زوجته كانت تتذوق قهوته كل صباح للتأكد من خلوها من أي مخدر. بمرور الزمن حاول (راميريز) الحد من سلطة بيرون بتأمين إستقالة مؤيديه في الحكومة ، عندها كان بيرون قادرا على الدعوة لإجتماع قادة الحاميات وتأمين دعمه. لقد قرر الرئيس عدم إعتقال بيرون وفي الواقع فإنه لم يعد يستطيع أن يفعل شيئا ، لأن القوات الموالية لبيرون أحاطت بمقر إقامته في اليوم التالي 4 فبراير 1944 ووقع الرئيس على خطاب إستقالة صاغة بيرون.

لقد كان (بيرون) بلا شك شخصا طموحا وهي صفة تؤكدها سيرته المهنية ، لكن الطموح لا يعني فقط ما فعله في إدارة العمل ، بل في كيفية تحويله كامل الرؤية عن النظرة تجاه الطبقة العاملة في الأرجنتين. لقد بدأ من حيث الوضع الذي كانت عليه النقابات فهي أما عاجزة بلا سلطة أو يسيطر عليها المتطرفون ، الإشتراكيون أو الشيوعيون ، لكنه عوضا عن ذلك توصل إلى أن الرد على كبت النقابات السياسية وفرض قيود على سلطتها ، يكمن في تشجيع إنشاء نقابات جديدة وتطهير القديمة من المتطرفين. لقد منح المتطرفين إمتيازات كبيرة وأعاد التأكيد لأؤلئك الذين إستفسروا عن هذه السياسة بأن هذه الإمتيازات تحدها سلطة الدولة. بناء على من كانوا يستمعون إليه فإن أحاديثه كانت تنطلق كما لو صادرة من رجل شرطة أو ثوري إجتماعي ، لأنه كان يؤمن بتعايش النظام وإمتيازات النقابات ، العدل والنظام. كانت سياساته تزعج الكثيرين من أعضاء الحركة النقابية والمجادلين ، لكنهم لم يكونوا يستطيعوا ليفعلوا شيئا سوى القليل ، حيث بيرون هو المتحدث الوحيد بإسم شئون العمال والذي يستطيع أن يفعل ما يريد.

كان لبيرون مساعدين غير أن أبرزهم كان المحامي / خوزيه فيفورولا الذي كان قد خدم في حكومة الديكتاتور الأسباني / بريمودي ريفيرا . لقد جاءت الدوافع الأكبر لهذه التغييرات من بيرون وطلبات النقابيين الأرجنتينيين . إنه بيرون الذي أحدث تغييرا في الأعراف بإستقباله شخصيا قادة العمال والإستماع إلى شكاواهم. لقد جرى منح معاش التقاعد في المهن ، يوم لم تتشكل نقابات وأبرمت إتفاقيات شاملة للعمال. مع إنشاء محاكم العمل توقفت قضايا نزاعات العمل التي كان يجري التعامل معها عن طريق الشرطة. مع إقرار قانون العمال الذي وقع في نوفمبر 1944 ، حددت الحكومة الحد الأدنى للأجور ، أيام العطلات المدفوعة الأجر ، الرعاية الطبية للمزارعين. مع أن هذا لا يبدو عملا ثوريا ، إلا أنه أثار إمتعاض كبار ملاك الأراضي الذين إعتبروا أن تدخل الحكومة في شئونهم ، هو تعد على الملكية الخاصة. قبل مجيء (بيرون) كانت القوى العاملة المنتظمة تحت النقابات تقدر بنسبة 20% فقط وتركزت تلك النسبة بشكل كبير في الصناعات القديمة مثل السكة حديد ووحدات معالجة الأغذية. كانت بعض تلك النقابات يقودها الشيوعيون أو الإشتراكيون ، مع أنها لم تكن مؤثرة مثلما شدد (بيرون). في المقابل فإن النقابات الموجودة لم تتوسع لتشمل عدد كبير من العمال الذين جاءوا إلى (بيونيس أيرس) في ثلاثينات القرن الماضي أو الذين تلوهم في المجيء. لم يفعل أي شخص لهم شيئا قبل مجيء بيرون ، لذا فقد أصبحوا هم أول المؤيدين لبيرون وظلوا الأكثر إخلاصا له بعد ذلك.

من جهة أخرى يقول بيرون في مذكراته أنه حينما جرى تحصيل أموال زلزال (سان خوان) طلب من (إيفيتا) أن تعمل معه في أمانة العمل. لقد كان يرغب في شخص يطور سياسة العمل للنساء وفوق ذلك يريد إمرأة تكون زعيمة للنساء في حركته وهو يعتقد أن (إيفيتا) لها صفات الإخلاص والمبادرة التي تتطلبها هذه المهمة. لذلك قال بأنها أخبرته بأن عليها أن ترتب أوضاعها في محطة الراديو ثم تجيء للعمل معه. لكن ذلك لم يحدث في الواقع فلمدة عام ونصف عاش بيرون وإيفيتا ليسا كمتعاونين بل حياة بين كولونيل وخليلته فقبل إنتقالهما إلى (كالي بوساداس) حيث أجرا شقتين في نفس الطابق بأبواب مشتركة ، كانا يعيشان في شقة واحدة حيث كانا يستقبلا الزوار ويعيشان معا بلا شك. في عملها في الراديو واصلت (إيفيتا) تمثيل دور الشخصيات المشهورة فلعبت دور (اليزابيث الأول ، ساره برنار ، الزوجة الأخيرة للقيصر) . لقد زادت شعبية راديو بيلقرانو بسبب هذه البرامج ليفسخ عقدها الحالي وتمنح عقدا جديدا بقيمة 35.000 بيسو كأكبر عقد في ذلك التاريخ في برامج الراديو مثلما شرحت ذلك إيفيتا في مقابلة وأعلن راديو بيلقرانو في حفل غداء خاص أقيم على شرف إيفيتا وحضره بيرون ، أن هذا العقد سوف يجدد سنويا.

كانت الأفلام تستورد أثناء الحرب من الولايات المتحدة التي كانت تضع قيودا على صادراتها للأرجنتين كجزء من السياسة الخارجية للولايات المتحدة ، أما المكسيك التي كانت تدعم السياسة الأمريكية فكان يخصص لها مجموعة أكبر من الأفلام ، مع أن صناعتها في السينما كانت أقل بكثير من الأرجنتين. ما كان يصل إلى الأرجنتين كان يأتي عبر الحكومة وبعد أن يدبر بيرون أولا ثم إيفيتا المتاح من الأفلام الذي تعلن فيه ستوديوهات (سان ميقويل) عن عقدها الجديد وإسناد دور لها في فيلم في طريقه للإنتاج. كانت تلك هي المرة الأولى التي تبيض فيها (إيفيتا) شعرها ، حيث وصلت الأستوديو برفقة سائق في سيارة الليموزين التابعة لوزارة الحربية. في مكان العمل كانت تتصرف بشكل مباشر وجعلت علاقتها مع الكولونيل واضحة : محاولة إختيار الممثلين والمخرج وواضع المشاهد الإجتماعية الواقعية بدعم من بيرون. كان فيلم (موكب السيرك) يدور عن فرقة من المغنيين المسرحيين في القرن التاسع عشر في الأرجنتين – حيث إرتداء الأزياء المزركشة والصاخبة هو السائد. كانت الممثلة (ليبرتاد لامارك) هي منافسة إيفيتا في الحب وفقا لحبكة الفيلم وهي التي جاءت من نفس الخلفية التي جاءت منها (إيفيتا) وكانت قد حققت نجاحا كبيرا في (ملكة التانغو) التي عرضت في المسرح أولا ثم على الشاشة وكانت تلعب دور المغنية والممثلة معا. لقد كانت تلعب دوما دور الفتاة الحلوة نظرا لصوتها الحاد ذو النبرة العالية ، شعرها المجعد وشكلها الممتليء. لم تكن ممثلة جيدة لكنها كانت تتصرف كما لو كانت كذلك. كانت تؤيد التحالف في الحرب ووجدت نفسها الآن تكره (إيفيتا) المدعومة من بيرون. في مرحلة ما من النقاش العادي تطور النقاش إلى صراخ أنهته (ليبرتاد) بأن وجهت صفعة إلى وجه (إيفيتا) . بالنسبة للذين يكرهون (إيفيتا) فإن ذلك الحدث وما تلاه كان داعيا للإحتفاء به.

في مايو 1944 أعلن بأن مؤديو المهن الإذاعية قد شكلوا نقابة تنسجم مع سياسة الحكومة في المهن الأخرى سوف يكون بذلك التنظيم الوحيد المسموح له بالعمل داخل هذه المهنة وأعلن أن (إيفيتا) قد أنتخبت رئيسة لهذه النقابة. ما حدث أن بيرون إقترح ذلك ووجد الممثلون ان من الحكمة إختيار خليلته رئيسة لهذه النقابة. لقد أضفى (بيرون) زخما على الحدث بإستقباله (إيفيتا) في مكتبه حيث قبل طلبها بشكل رسمي. بعد وقت قصير من ذلك أضافت (إيفيتا) إلى جدول برنامجها اليومي في (راديو بيلقرانو) برنامجا أخر يحمل إسم (نحو مستقبل أفضل). لقد سمع أؤلئك الذين يضبطون مؤشرهم على إذاعة الشبكة الوطنية في يوم 14 أغسطس 1944 عند الساعة 10:30 مساء برنامجا لمدة نصف ساعة يحمل إسم (ثورة الجنود سوف تكون ثورة الشعب) ومع صوت المارش العسكري كان ياتي صوت المعلق (( هنا في زحمة الشوارع حيث يتولد الإحساس الجديد بالهدف ، هنا ووسط الحشود الذين يعملون ، يعانون ، يفكرون ، أناس صامتون. هنا في وسط الإنهاك والأمل ، العدل والزيف ... هنا في وسط الحشود المشوهة ، القوة الموجهة ، مركز العصب ومحرك البلد الأمريكي الكبير .. هنا هي المرأة )).

كانت المرأة هي (إيفيتا) وكانت تتحدث عن الثورة الحديثة .. السيل الذي يصعب الصمود أمامه. كان هناك برنامج يأتي في شكل مسلسل ثم يتحول إلى دراما ، يكشف فيه الأطباء على المجندين ويقدم إحصائيات عن السل الرئوي ، الأمية ، سوء التغذية في الاقاليم. كانت النساء الثريات يتذمرن من خدمهن وصعوبة التعامل مع العاملين ، المستغلين الحرب بشأن تدخلات الحكومة ، ثم تأتي المرأة للتحدث مرة أخرى في نهاية البرنامج: (( الثورة لا تأتي بلا سبب. إنها تأتي لأن هناك شيء مؤلم ..لقد إزدادت القسوة في البلاد .. عميقة حيث الكراهية والإحساس بالظلم يجعلان الدماء تندفع للرأس واليدين. إن الثورة تصنع من أجل العمال المستغلين وبسبب خداع السياسيين المضللين وبسبب تجريد البلاد من المشاعر وإشرافها على الإنتحار. هناك رجل يستطيع أن يجلب الكرامة لمفهوم العمل ، جندي الشعب الذي يشعر بلهيب العدل الإجتماعي ، هو الذي سيساعد الشعب في ثورته بشكل حاسم )) ، ثم يعقب ذلك تسجيل لحديث لـ (بيرون) كتبه كاتب نصوص إيفيتا الخاص (فرانسيسكو منيوز ازبيري). لقد كانت تلك البرامج الليلية دعما للصيغ الرسمية للحقائق المعروضة من جانب الحكومة. في الواقع فإنها كانت تتناول بيرون بشكل منفرد والأحداث التي يتم تحريفها لجعل الأمور واضحة ، بحيث تنسب الثورة إلى (بيرون) فقط. لقد كانت هناك برامج إنتخابية مع أن الحكومة لم تعلن عن نيتها في إجراء إنتخابات. لم يكن لـ (إيفيتا) سابق خبرة في السياسة ، لكن فكرة هذه البرامج كانت من بنات أفكارها. لقد كانت تتحدث بلغة أكثر من عادية كإمرأة ترغب في أن يؤمن الناس بما تؤمن به عن (بيرون).

في تلك الأشهر كان هناك دائما أشخاص حول (بيرون) مساعدون في امانة العمل ضباط في الجيش ، سياسون مدنيون من الراديكاليين وكان للكولونيل معهم إتصالات. في الأمسيات كانت شقة (بيرون) مكانا لإجتماع مؤيديه. كان الزوار يؤخذون إلى غرفة المعيشة الصغيرة بنوافذها المطلة على الشارع بواسطة خادمة المنزل. أما (إيفيتا) فكانت تعود من الإذاعة ليقدمها (بيرون) بداية إلى زواره. كانت (إيفيتا) تبقى طوال الإجتماع ، تعد القهوة ، تفرغ أعقاب السجاير أو تراقب الضيوف في صمت. إن وجودها بين هؤلاء المتعلمين - خريجي الكلية الحربية ، أطباء من الجامعات ، أو سياسيين محاميين ، كان أمرا غير مفهوم تماما وكان يمكن أن يكون مقبولا إن كانت متزوجة من (بيرون). لقد نالت (إيفيتا) تعليما قليلا ونوع العمل الذي تعمل فيه في الراديو لم يكن يعتبر عملا محترما. إنه أمر جائز لبيرون أن يقول مثلما قال سابقا من أنها إبنته ويخفيها في الغرفة الخلفية أو يبقيها في الغرفة الصغيرة حيث كان يأخذها منها بشكل دوري لتناول العشاء ، لكن أن يسمح لها بأن تلعب دورا في حياته بهذه الطريقة فإن ذلك سيدمر حياته كجندي وسياسي. حينما سأل الضيوف القريبون من بيرون عن (إيفيتا) جاءهم الرد بأنها شخصية محدودة الأهمية والذكاء وأنها إحدى الفتيات التي تدور بأمل أن يعطيها شخص دورا .. إنها حماقة من الكولونيل.

لم تكن (إيفيتا) تقول شيئا في الأشهر الأولى. لم تكن تعرف شيئا عن السياسة وبالتالي لم تكن لها أرضية للجدل أو حتى النقاش بينها وبين (بيرون). لقد كانت ببساطة منهمكة فيما يفكر أو يعرف لتصبح بعد ذلك الداعمة الأولى والأكبر له. على ضوء الإجتماعات اليومية دخلت (إيفيتا) عالم السياسة بشكل مستقل. لقد أكد (بيرون) لاحقا أنه إختار (إيفيتا) ودرّبها بشكل واع ومتقن لتلقي أفكاره وليجعل منها بيرون أخر. في ذكرياته يقول (بيرون) : (كانت تتبعني مثل ظلي ، تستمع إليّ بإصغاء ، تستوعب أفكاري وتخرجها بطريقة تفكيرها الخاص. كانت تتبع توجيهاتي بدقة كبيرة ) لكنه لم يخمن كيفية الإستفادة منها على ضوء الإنتقادات التي طالت وجودها. هل سمح لها بأن تفعل ما تود لأنها تحبه ؟ أو أقحمها بشكل متعمد بين أؤلئك الذين حوله مثلما كان يفعل كثيرا مثل هذه الأشياء غير المتوقعة ؟ ربما كان التفسير أبسط من ذلك. لقد ولج (بيرون) عالم السياسة متأخرا وكان متحررا بشكل ملحوظ من الأفكار التي تفترض وجوب فعل الأشياء. لقد رأى بأنه لا ضرر إذا ما رغبت (إيفيتا) من أن تفعل وبالتالي جعلها تمضي معه.

في الأعوام 1944 و 1945 كانت هي السنوات التي زاد فيها نفوذ (بيرون) في الحكومة ، غير أنها كذلك كانت السنوات التي تنامى فيها العداء إليه داخل وخارج الجيش. حتى حينما أصبح نائبا للرئيس في يناير 1945 فإن منصبه لم يكن مؤمنا وكانت هناك مؤامرات متواصلة ومؤامرات مضادة كصراع مستمر على السلطة داخل الحكومة. بينما كانت أهمية (بيرون) تتنامى كان السؤال المطروح بشكل متزايد : من هو الذي مع بيرون ومن هو الذي ضده ؟؟ في المقابل كانت (إيفيتا) تتحقق ليلة بعد ليلة من الزائرين لمعرفة إلى أي معسكر ينتمون. كان ذلك هو أول شيء تعلمته في السياسة ، أن تكون على الدوام في حراسة (بيرون) وأن تكون جاهزة للهجوم قبل حدوث أي تهديد. لقد كانت تتمسك برؤية مميزة عن أهمية (بيرون). لقد قالت لاحقا أنها كانت مرعوبة دائما بظلم الثلاثينات ، غير أنها لم تكن تملك الشجاعة لمواجهته. مع أن حالتها مختلفة كونها ممثلة حققت نجاحا ، إلا أن ذلك لا يشبه تماما ما للجماهير التي يتحدث إليها (بيرون). لقد جاءوا أيضا من الداخل وجرى إستغلالهم وجاعوا. لقد كانت (إيفيتا) تفكر بنفسها كواحدة منهم. من ساعدها غير (بيرون) ؟ ومن أحبها غيره ؟؟ مع وجود (إيفيتا) المستمر في هذه الإجتماعات بدأت تسرى الإشاعات عن الزوجين. في عمل مسرحي سياسي عرض عام 1944 كان هناك مشهد هزلي للكولونيلين : بيرون وإيمبيرت الذي أشيع أنه المحب السابق لإيفيتا ، يقول فيه بيرون (إننا نخدم معا نفس الجسد).

في أوائل ربيع 1945 كانت هناك مظاهرات خارج شقتها في (كالي بوسا داس) حيث كان مؤيدو بيرون يهتفون (عليك أن تتزوج .. عليك أن تتزوج). في المقابل نفى (ارتورو جاوريتس) الذي زارهما في الشقة أن يكون بيرون وإيفيتا يعيشان حياة تشتمل على علاقة جنسية بل انهما يعيشان في حالة حب (ببساطة هما يعبران عن رغبتين مشتركتين وكلاهما يعبر بشكل عام عن عاطفتهما للسلطة). في ذلك الوقت كان هناك زعم بأن (إيفيتا) كانت بغي وهو زعم قائم على إفتراضات في ماض مجهول ويعكس كذلك الأساطير الجنسية المعاصرة. كانت (إيفيتا) تنفذ ثلاثة برامج في اليوم في الراديو وفي كل مرحلة كانت تصنع فيلما. كانت تذهب مع (بيرون) أو بدونه إلى المهرجانات ، إحتفالات منح الجوائز ، إجتماعات النقابات التجارية. في سبتمبر عام 1944 إنتكست صحتها وأجبرها طبيبها على أخذ راحة. في مقابلاتها مع الصحافة والتي أصبحت تتكرر كانت تصور نفسها على أنها سيدة محبة لبيتها ، مغرمة بالعائلة ، تتسوق وتتناول الشاي وتذهب إلى مشاهدة الأفلام الرومانتيكية (خاصة حينما يكون بطلها قرير قارسون ولاورينس اوليفر). تقول (في الأمسيات أقرأ ، أؤدي عملي الفني ، أتناول عشاء خفيفا وإذا لم يكن هناك أصدقاءأذهب إلى الفراش مبكرا) وأجابت مرة على إنتقاد متوقع (كما ترون فإنني إمرأة فقط بلا مزايا أو عيوب أنسب إليها) وخينما قال لها الصحفي أنها مختلفة تماما عن ما يشاع عنها ، أجابت عليه (إن حياتي واضحة كالنهار وسيرتي المهنية عادية).

إن الأكاذيب عن نجوم السينما أصبحت عادية ، بحيث أن هذه المقابلات غالبا ما تلفق بواسطة الصحفيين. بالنسبة لإيفيتا فإن هذه الأباطيل أصبحت جزء من الأكاذيب الكاملة عن حياتها. إن (إيفيتا) لم تحدث حتى (بيرون) عن أنها إبنة غير شرعية وهي الآن دفنت ماضيها التعيس في (خوانين) وكذا سنوات الإخفاق. إن الأكاذيب عن علاقتها مع (بيرون) كانت ببساطة إضافات سياسية إلى الذين أخبرتهم في الماضي. لم تقل إمرأة بأنها كانت خليلة سياسي وأنها تؤدي العمل السياسي نيابة عنه. كان يفترض أن يكون فيلم (إيفيتا) التالي هو (فجر على الأطلال) وهو فيلم ملحمي يتحدث عن زلزال (سان خوان) وتلعب فيه دور مشابه لتلك المرأة في برامجها الدعائية. في فبراير 1945 حصلت على مزيد من الأفلام عبر (بيرون) الذي أخذها إلى الأستوديو وطلبت دورا في فيلم جديد إسمه (المبذرة) . كان الدور موعودة به ممثلة أخرى هي (ميكا أورتيز) ، لكن مدير الأستوديو الذي كان يملك كازينو هام في (مار ديل بلاتا) والذي كانت الحكومة على وشك تأمينه ، أعطى الدور إلى (إيفيتا). خلفية الفيلم تعود إلى اسبانيا في القرن التاسع عشر ويتناول علاقة بين إمرأة جميلة متقدمة في السن ومهندس شاب يعمل في بناء أحد السدود . كانت المرأة تدعى المبذرة بسبب سخائها المفرط. من بيتها الكبير المعزول كانت تساعد وتحمي القرويين ومن ثروتها الضخمة كانت تنفق على الاعمال الخيّرة. كانت لها شخصية إنفعالية وقد عرفت بـ (أم الفقراء) أو (أخت الحزانى) ويعتقد أنها شخصية مقدسة. في نهاية الفيلم يتركها المهندس وتكتشف أن أرضها وبيتها قد رهنت مقابل أعمال الخير لتقتل نفسها.

في الواقع لم يكن هناك جدول تصوير للفيلم. قد كان للفيلم يصور متى ما كانت (إيفيتا) متحررة من عملها الأخر وبناء عليه فقد إستغرق الفيلم عدة شهور. حينما كانت تصور المشاهد الخارجية للفيلم أتى (بيرون) إلى (ميندوزا) وتجول بالسيارات في التلال مع (إيفيتا). لقد بدت (إيفيتا) في هذا الفيلم أكبر مما هي عليه وأدائها كان غير ذا أثر درامي ، صوتها كان رتيبا ، إيماءاتها منقبضة ، وجهها مع أنه جميل إلا أنه كان خاليا من التعبير. في إحدى المرات وفي الذهن فيلم (المبذرة) قالت (إيفيتا) للأب (هيرنان بينتيز) إن أدائها (كان سيئا في السينما ، متوسطا في المسرح ومقبولا في الرديو). لم يكن هناك أحد يعمل في السينما الأرجنتينية في أربعينات القرن الماضي يمكن أن يطلق عليها ممثلا جيدا. كتب (والدو فرانك) عن السينما الأرجنتينية (أن الممثلين والممثلات لم يتعلموا تكنيك الإفلام .. إنهم يتصرفون أمام الكاميرا مثل البشر في التعبير عن العاطفة ، الفكر،الصراع لأنهم لا يملكون القدرة على نقل ذلك إلى الوسط السينمائي . إنهم يبدون أمام الشاشة كحيوانات مدربة تتنقل عبر تحركات بشرية). إن (إيفيتا) لم تكن أبدا في جاذبية (تيلدا ثامار) القنبلة الذرية الأرجنتينية ، لكنها ليست أسوأ من كثير من الممثلات الناجحات. في سبتمبر 1944 كان هناك مختصر خام لفيلم (المبذرة). أحبت إيفيتا الفيلم وكذلك الصورة النمطية للمعاناة والتضحية الذي جسدته ، لكنه كان أخر فيلم ظهرت فيه (إيفيتا) قبل عرضه فمهنتها في التمثيل الذي أبتدأته في عام 1935 والذي كان حصيلته : عشرين مسرحية ، خمسة أفلام وعلى الأقل ستا وعشرين مسلسلا ، قد أنطوت بدخولها حياتها الأخرى ، حياتها السياسية مع (بيرون).


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2077

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد السيد علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة