المقالات
السياسة
المرحوم الطاهر إبراهيم: حبيبي جتتي تلهب مدينة الحديد والنار
المرحوم الطاهر إبراهيم: حبيبي جتتي تلهب مدينة الحديد والنار
07-04-2016 08:26 PM





لابد أن قراء "الرأي العام" على الإنترنت (بدايات هذا القرن) قد افتقدوا باب "حاطب ليل" الذي حرره الدكتور عبد اللطيف البوني. وقد اعتذر البوني عن كتابة بابه المحبوب لأنه ترأس تحريره جريدة نصف أسبوعية جديدة. كان بابه شغباً ومتعة ملتزمة جانب الشعب في عبارة شهيرة للمرحوم عبد الله رجب. وقد استعان البوني على الباب بطرائف ومجازات من أبلغ ما جاءت به قريحة العامة. وقد أسلست له هذه الثروة التعبيرية قيادها لطبعه الشعبي السمح، وخلطته السائغة مع الرِّجرجة والدَّهماء، وحسن الاستماع إليهم والأُنس بهم. لم يجعل من نيله الدكتوراه مناسبة للتنطع واللغو والصيد في بحر الاستيزار العكر. خلافاً لذلك، جعل البوني هذه الشهادة، التي أودت بوقار أكثر حملتها، ذلولاً للتعبير الدقيق اللماح عن مكنون عامة الناس. ولم يعتذر عن الإنتاج الفكري القيم بحيلة "دا بلد دي"، فقد صدرت له كتب أكاديمية حسان عن الدين والحكم في السودان. وما زلت استعطفه ألا تأخذه مشاغله العديدة عن نشر رسالته القيمة عن نشأة حركة مزارعي الجزيرة. (وأستاذنه في نشر طرف منها عن إضراب الثلاثة شهور لمزارعي الجزيرة في 1946 بمناسبة مرور ذكراه السبعين)

ومع ذلك "بهتني" البوني في عموده الوداعي قبل الأخير. فقد قال (أنا شاكر له وصفى بأستاذنا الكبير) أنني حيرته جداً حين وصفت شعر الطاهر إبراهيم بأنه سقالات للرقص والطرب. وقد رأى في ذلك ظلماً للطاهر الذي زكاه بأنه تمرد على الحقيبة وغنى الأغاني العِذاب التي لم يبلغها شعراء الحقيبة.

لم أقصد، والله العظيم، ظلم الطاهر. وعلى العكس أردت أن أُميِّزه وأجيِّهه وأضعه في خارطة الأغنية السودانية كشاعر حرر أرجلنا من قيد العجز الحضري ودفع بها إلى حلبة الرقص المبتكر. وقد أخذتنا غنائيته "حبيبي جنني"، التي غناها إبراهيم عوض في الخمسينات، أخذاً ساحراً إلى شرفات ذلك الرقص. وربما تأذى البوني من استخدامي لكلمة "سقالات" وظن بها الظنون لأن منها يفوح الحديد والطوب والأسمنت. وربما كانت غلطتي أنني كنت أترجم عن الإنجليزية وتعثرت في المقابل العربي الذي لم يستطبه البوني.

ومع ذلك، لو نظر البوني إلى كامل السياق الذي أوردت فيه كلمة "سقالات" الغليظة لرأى أنني أشاركه (إن لم أفقه) الإعجاب بشعر الطاهر إبراهيم. فقد جاء في كلمتي التي لم ترق البوني أن الطاهر شاعر عجيب منذ اقتحم الساحة بـ "حبيبي جنني" من نصف قرن مضى تقريباً فشعره، في رأيي، شبكة سقالات لعمارات من الرقص والإيقاع. شعر الطاهر قميص للرقص وغزوات للإيقاع. لا أكثر ولا أقل، إنني شديد الاعتقاد في متانة شعر الطاهر وقد وطنته حيث تنزل فينا: في خطونا على الأرض.

استعدت حين كتبت هذه العبارة عن الطاهر ذكرى انطبعت عندي منذ الخمسينات. وبقيت بها صورة الطاهر كشاعر تقطر أغنياته بالرقص الخطر الممشوق. فقد جاء إبراهيم عوض إلى عطبرة، ومعه الراقصة الإثيوبية "سيلاس" إلى المدينة لإحياء حفل بسينما عطبرة الجديدة. وكانت أغنية إبراهيم "حبيبي جنني" قد سارت بها الركبان واستولت على القلوب. ولم احضر تلك الليلة. غير أنه ما حل الصباح في مدرسة عطبرة الثانوية حتى رأيت عدداً من زملائي الطلاب قد جاءوا إلى المدرسة وعليهم أضمدة طبية على الرأس والأيدي والأرجل. وسألت فقيل هذه جراح نجمت عن حفل إبراهيم عوض. فلم تكد الراقصة سيلاس تتمخطر على إيقاع "حبيبي جنني" حتى استركب الجمهور، وغوى، وخاف، واضطرب، وهاج، وراح "يجدع" ملل الكراسي وزجاج الليمونادة صوب المسرح فيصيب من يصيب ويترك من يترك. وتلاشت سيلاس وإبراهيم عوض وانفضت الليلة ولم يزل الليل طفلاً. وكلما تذكرت هذه الواقعة المنسية من تاريخ الغناء عظم عندي شعر الطاهر وخطر إبراهيم عوض في ذوقنا وحياتنا الاجتماعية. أما عن سيلاس: ما منعونا الجماعة، والحمد لله.

أتمنى لدكتور البوني السداد في مخاطرته الجديدة بالقلم. وددت لو ودع "حاطب ليل" بغير أن "يبهت" أستاذه الكبير. ولكن المفارق عينو قوية. وددت لو حدثني عن مجلته الجديدة فهو يعرف أنني أحب له الخير وأدعو له به. ولكن شايب العرب يرعوه البهم. وسأسقط عفوي عليه إذا بعث لي بأعداد من مجلته الجديدة بواسطة الجماعة المعروفة التي على الطريق الشاقنو طلاب جامعة السودان (وكانت تقع هناك مكاتب الصحافي الدولي التي استودعها أشيائي).

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 3347

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1484215 [قنوط ميسورا]
0.00/5 (0 صوت)

07-05-2016 12:10 AM
أها جنازة تانية و عايزة لطم. بختك ماشة معاك زي ما ماشة مع ناس القوي الأمين

[قنوط ميسورا]

عبد الله علي إبراهيم
 عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة