المقالات
منوعات
إيفيتا : السيرة الحقيقية (6)
إيفيتا : السيرة الحقيقية (6)
07-05-2016 11:15 PM

image


الفصل السادس
أوروبــا

إنّ المقترح الذي يفيد بأن (إيفيتا) ربما تزور أوروبا قريبا ، كان قد طرح لأول مرة في الصحف الأرجنتينية في فبراير عام 1947 وذلك كإحتمال في تلك المرحلة. بعد أيام قليلة من ذلك ذهبت مجموعة من ربات البيوت اللائي ينتمين إلى الطبقة العاملة إلى مكاتب صحيفة (ديموقراسيا) طالبين رؤية (إيفيتا). حينما أخبرهم رئيس التحرير بأنها لا تعمل هنا ، تركوا رسالة إليها وهي أن عليها إن ذهبت إلى إسبانيا أن تكوم شعرها بطريقة تناسبها. بعد شهر من ذلك أعلنت الحكومة الأرجنتينية رسميا تسلمها وقبولها لزيارة (إيفيتا) لإسبانيا ، مما يشير إلى أنها سوف تزور إيطاليا كذلك لكن بصفة غير رسمية. بعد ذلك بشهر أضيفت فرنسا إلى برنامج الزيارة ، أما فيما يخص الأقاويل المتداولة عن زيارة لبريطانيا فإنها لم تؤكد أو تنفى ، مع أن مكتب الخارجية البريطاني أعلن في 2 يونيو أنه يتوقع مجيئها إلى بريطانيا وأنه سوف يرحب بها.

إن الهدف من توسيع برنامج زيارة (إيفيتا) لم يفسر أبدا من قبل الحكومة الأرجنتينية ، عدا ما يرد من تعابير عامة من أنها رسالة سلام لأوروبا ومد جسر من الجمال بين القارة الجديدة والقديمة. في الواقع فإن الرحلة أقترحت أولا بواسطة القائد العام فرانسيسكو فرانكو ، كما أن الدعوة لم توجه لإيفيتا بل لبيرون. إن لدى فرانكو الكثير من الأسباب الوجيهة للتشجيع على زيارة رسمية يقوم بها الرئيس الأرجنتيني الجديد. إن هزيمة الفاشية في أوروبا قد عزل إسبانيا دبلوماسيا وأستبعدها من العديد من المشاريع الإقتصادية التي مولتها الولايات المتحدة لإعادة بناء أوروبا. لقد كانت الأرجنتين هي البلد الوحيد الذي كان لا يزال يحتفظ بعلاقات ممتازة مع اسبانيا. في العام الذي سبق وقعت إسبانيا إتفاقية مع الأرجنتين ، تمنح فيه الأخيرة إسبانيا قرضا لشراء الحبوب من الأرجنتين. لقد كانت هناك أسباب وجيهة لعدم زيارة بيرون لإسبانيا. في العام 1947 وهو العام الذي خرجت فيه الأرجنتين من أجواء الحرب ، إستأنفت علاقاتها الدبلوماسية مع الإتخاد السوفيتي وأخذت الأرجنتين مقعدها في الأمم المتحدة وحسّنت علاقاتها مع الولايات المتحدة ، لذا فإنه يعتقد أن زيارة بيرون لإسبانيا يمكن أن تكون فيها مخاطرة لكل هذه الإصلاحات الكبيرة على وضع البلاد. يبدو أن (إيفيتا) قررت أنه إذا لم يذهب بيرون فهي ستذهب بالتأكيد.

حالما أتخذ هذا القرار ووافق عليه بيرون ، أصبح لزاما أن تزور بلادا أوربية أخرى ، خشية أن تبدو رحلتها مرتبطة بشكل أكبر بإسبانيا. لقد رغبت (إيفيتا) دائما أن تذهب إلى أوروبا وهي أول زوجة رئيس أرجنتيني توجه إليها الدعوة في زيارة رسمية بواسطة حكومة أجنبية ، فيما أثني على إمكانيات نجاح الزيارة. ربما كانت هناك روح للتحدي بأن تظهر لسيدات (الأقلية) ما يمكن أن تفعله. إن فكرة أن تزور بلاد أخرى غير إسبانيا هي فكرة تروق لإيفيتا. في المقابل ذهبت إيفيتا إلى صديقتها (ليليان قواردو) بهدف ان ترافقها في الرحلة. في البداية رفضت (ليليان) أن تترك أطفالها ، الأمر الذي جعل (إيفيتا) تلجأ إلى قواردو لتطلب منه إقناع زوجته لكنه رفض. عندها طلبت من بيرون أن يقوم بذلك نيابة عنها. عند قدوم قواردو وزوجته لتناول العشاء عند بيرون ، إقترب (بيرون) من (ليليان) وأخبرها بأن (إيفيتا) قد تلغي الرحلة إذا لم ترافقها وأخيرا وافقت (ليليان). بعدها بدأت (إيفيتا) و (ليليان) في شراء ملابس الأمسيات ،القبعات ، الأحذية والبدل. لقد أعدت (إيفيتا) مخصصا كبيرا لـ (ليليان) من المكتب الأجنبي ، الأمر الذي لم يرفضه (قواردو).

في معية (إيفيتا) كان هناك أخوها (خوان) كعضو في سكرتارية بيرون ، المزّين (خوليو الكازار) الذي إستنبط لها أكثر التسريحات تأنقا والذي عهد إليه كذلك الإحتفاظ بالمجوهرات في صندوق جلدي قدمه بيرون ، إضافة إلى صحفيين وكلاهما جرى تعيينه بواسطة الحكومة : فرانسيسكو مينوز لصياغة خطب إيفا بيرون (وهو الذي كتب لها المسلسل الإذاعي – بطلات في التاريخ) ومصور في صحيفة (ديموقراسيا) ، بجانب دبلوماسيين إسبانيين أرسلهما فرانكو لمرافقة (إيفيتا) إلى مدريد وبالطبع خدم لرعايتها شخصيا. الشخص الوحيد الذي لم يبارح (بيونس أيرس) مع (إيفيتا) كان هو الأب (هيرنان بينيتيز) الذي أرسل رأسا إلى روما وهو قديس يسوعي وصديق قديم لبيرون وهو الذي قام بأداء الطقوس لزوجته الاولى. لقد قابل (إيفيتا) حينما كانت لا تزال ممثلة وأصبحا صديقين قريبين. وفقا لبيرون وحينما سمع مالك السفن (البيرتو دوديرو) ان (إيفيتا) ذاهبة قال (حسنا ياراعية ، سوف أكون سكرتيرك لكنني سأدفع كل شيء). كن (دوديرو) يمتلك بيوتا في (بياريتز) وفي الساحل اللازوردي حيث يفترض أن يأخذ الوفد إليه. إنه ليس من الواضح كم دفع من الرحلة ، مع أن مساهمته تعتبر بلاشك كبيرة. كانت هناك إستقبالات وتجمعات تقديرا لإيفيتا. في حفلة الوداع التي أقيمت في وزارة العمل وصفها الوزير في خطابه بأنها:

(النموذج الأصلي للنساء الأرجنتينيات التي تظهر شخصيتها ليس بخيلاء الطاؤوس ولكن كتجسيد للأنوثة رفيعة التهذيب). في اليوم الذي قبله كانت قد غادرت إجتماعا سياسيا ، أعقبه إستقبال في الـ (سوسيداد رورال). عند الإستقبال قالت (إيفيتا) (أنها ذاهبة كممثلة للشعب العامل لطبقتي العاملة العزيزة).

في اليوم التالي 6 يونيو 1947 تجمع في المطار جميع أعضاء الحكومة وجمع غفير لوداع (إيفيتا) قبل إستقلالها الطائرة (دي سي 4) المهيأة بشكل خاص والمؤجرة لهذه المناسبة من قبل الحكومة الإسبانية. لقد جرى توديع (إيفيتا) وداعا لاتينيا دافئا كما لو انهم أفراد عائلة. لوحت (إيفيتا) بيدها وقبلت بيرون بينما كانت الجموع تحييها. وراء طائرتها كانت هناك طائرة إسبانية أخرى حملت ملابس السيدة الأولى وأمتعة الوفد. إن (إيفيتا) لم تغادر الأرجنتنين سوى مرة واحدة ولم تسافر من قبل أبدا بالطائرة ولم تبتعد عن بيرون ، إلا عندما كان محتجزا في (مارتين غارسيا). لقد كانت تخاف الطيران وهي الان تخاف وتغضب بسبب شيء يخص ماضيها كان قد ظهر في الأيام القليلة الماضية. لقد كتبت (إيفيتا) القليل من الرسائل وبالكاد بقي منها ، غير أن هذه الرسالة كانت قد كتبتها إلى بيرون في ليلة كانت فيها بغرفة الجلوس بالطائرة (دي سي 4):

((العزيز خوان .. أنا حزينة جدا أن أفارقك لأنني غير قادرة على أن أعيش بعيدة عنك. أحبك كثيرا بحيث أن ما أشعر به تجاهك هو نوع من الوله ، ربما لا أعرف كيف أظهره ، لكنني أؤكد لك أنني قاتلت بإجتهاد شديد في حياتي وبطموح أن أكون شخصا ما وقد عانيت في ذلك كثيرا ولكن حينما جئت جعلتني سعيدة جدا ، بحيث أعتقدت أن ذلك حلم وبما انني لا أملك شيئا لأقدمه لك سوى قلبي وروحي فإنني أمنحهما لك بالكامل. لكن في كل هذه السنوات الثلاثة من السعادة التي كانت تتعاظم يوما بعد يوم ، لم أتوقف أبدا عن الوله بك لساعة واحدة أو أشكر السماء على طيبة الرب الذي أعطاني هذه المكافأة المتمثلة في حبك وأحاول في كل الأوقات أن أكون كفؤا لها بجعلك سعيدا ولا أعرف إن كان بالإمكان تحقيق ذلك ، لكنني أؤكد لك بأنه لا يوجد شخص أحبك أو إحترمك أكثر مني. أنا مخلصة لك وإذا أخذني الرب بعيدا فإنني سوف ظل وفيه لك في مماتي وأهيم بك في السماوات.


عزيزي .. سامحني على هذه الإعترافات لكن عليك أن تعرف ذلك الان فأنا أغادر وأنا في عناية الرب ولا أعرف أن كان هناك شيء قد يحدث ليّ .. خوان .. عليك أن تطهرني ، أنا زوجتك بكل عيوبها ، لأنني أعيش بداخلك ، أشعر وأفكر من خلالك : إهتم بأمر الحكومة وأنت على صواب ، هو عمل غير مكافأ فإذا ما أتاح لنا الرب أن نفعل كل ذلك على نحو سليم سوف نتقاعد ونعيش حياتنا الخاصة وسوف أحاول أن اجعلك سعيدا بقدر ما استطيع لأن سعادتي هي سعادتك. خوان .. إذا مت فأرعى أمي فهي وحيدة وقد عانت كثيرا.. أمنحها 100.000 بيسو ، أما إيزابيليتا (إيزابيل إيرنست – معاونة إيفيتا في إدارة العمل) وهي المخلصة ولا تزال فأمنحها أفضل أجر وسوف أتابعكم من السماء. بالنسبة لمجوهراتي أرغب في أن تحفظها بحيث يمكن أن تتذكر محبوبتك التي أحبتك.. أطلب ذلك من أجل دونا خوانا لأنني أعرف أنك تحبها كما أحبها انا.. خوان أرجو أن تبقي (ميركانتي) دائما كصديق لانه يحبك وهو مخلص لك وسوف يعمل دائما معك. إهتم بـ (رودي) فهو يحب المعاملات .. لقد أخبرني كاسترو بذلك وربما يلحق بك كثيرا من الضرر وكل ما أسعى إليه هو أن يبقى إسمك نظيفا كما هو .. بجانب ذلك فإنه يؤلمني أن يقال ذلك ، لكن عليك أن تعلمه وما أعده ليحدث في خونين ، كاسترو يعلم ذلك جيدا وأقسم لك أنه عار – إن كل ما نسب إليّ هو كذب وهو ما عليك أن تعرفه عند مماتي – كل شيء مؤلم جدا أن تحب اصدقاء وأن تكافأ هكذا. لقد غادرت خونين وانا في الثالثة عشرة من عمري ، كم هو شيء مرعب أن يفكر بالحط من قدر فتاة. لا أستطيع أن أتركك تخدع هكذا. إنني لم أخبرك حينما غادرت لأنني كنت حزينة بما يكفي ولم أرغب في إضافة شيء لكل ذلك. لكن يمكنك أن تكون فخورا بزوجتك لأنها تطلعت لإسمك الجميل وأحبتك . كثيرا من القبل .. فقط كثيرا من القبل )).


إيفيتا
6 يونيو 1947

في ذلك الوقت كان (راؤول كاسترو) في مجلس وزراء بيرون و (رودي فريودي) الألماني الذي جعل بيته في (تيقري) متاحا لبيرون وإيفيتا. كان عضوا في السكرتارية الخاصة لبيرون ، لكن ما هي (المعاملات) وماذا (أعد لكي يحدث) في خونين ؟ لقد كان ذلك حول تفاصيل الميلاد غير الشرعي لإيفيتا الذي نشر لأول مرة ليس في الأرجنتين ، بل في مجلة التايم. ربما أشارت (إيفيتا) إلى ذلك من جانب أخر فإن (الحط من القدر) يمكن أن يشير إلى شيء أكثر خصوصية. في الواقع فإنها تركت خونين وهي في الخامسة عشرة من عمرها وليس في الثالثة عشرة ، فيما جرى تداول إشاعة (فريودي) عن مغني التانغو أو عن مجيئه إلى البلدة الصغيرة. إن ذلك يفسر هذه الكذبة الصغيرة . أيّا كان فإن (إيفيتا) شعرت بضعف الثقة في الوقت الذي كانت محتاجة فيه للشعور بجدارة تمثيلها لبيرون.

مثل مخرج يقف قبل العرض ، جمعت (إيفيتا) أؤلئك الذين معها وأخبرتهم بأن عليهم أن يسلكوا أفضل السلوك ، لأنهم سوف يكونوا تحت بصر العالم الذي سيراقبهم بعين دقيقة وكذا الصحافة والمعارضة في البلاد. تقول (إيفيتا) (هناك من ينتظرون أن نرتكب أخطاء بحيث ينتقدونا .. لذا دعونا لا نمنحهم الفرصة). في الصحراء الإسبانية وفي مطار (سيسنيروس) هبطت أولا طائرة (إيفيتا) ثم غادرت في اليوم التالي إلى مدريد مصحوبة بسرب مؤلف من واحد وأربعين طائرة من القوات الجوية الإسبانية . كان المطار مزدان بالصور ، الزهور ، الأعلام وحشد بلغ ثلاثة مليون مدريدي ينتظرون وصول (إيفيتا) . على المدرج وقف فرانكو وزوجته وإبنته ومجلس وزرائه. عند وصولها قبل فرانكو يدها وقدمها إلى الجمع الصغير الذي حوله ، ثم أطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة تحية لها ، ثم سارت متفقدة حرس الشرف حتى وصلت إلى حيث تقف سيارة ليموزين أقلتها مع فرانكو إلى داخل مدريد عبر (كالي الكالا) حيث زينت الشرفات وتجمع الناس الذين كانوا يهتفون بإسمها ، ثم مضت بها السيارة إلى بورتادي الاكالا ثم إلى قصر الباردو حيث أقامت هناك. هناك جلب لها الخدم أولى هداياها التي تلقتها من الحكومة الإسبانية :

نسيج مزدان بلوحة غريكو ، مروحة ذهبية وعاجية ، غطاء رأس يعود إلى القرن الثامن عشر ، قوارير من العطور ، صناعات يدوية مغربية ، حقيبة سفر مزينة بنقوش على يديها (الأرجنتين وإسبانيا). في ذلك المساء وبينما كانت (إيفيتا) تستعد للخروج من الليلة ، طلبت من (ليليان) أن تنام معها في غرفتها. مع أن هناك خدم وحرس ، إلا أنها كانت خائفة من أن يدخل شخص ما عليها. بعد دخول (ليليان) دفعت السيدتان بعض الأثاث نحو الباب وأغلقتا نفسيهما في الداخل. من ناحيتها لم تقدم (إيفيتا) تفسيرا أبدا لما كانت تخاف منه ، سواء أكان ذلك ناجم من الشعور المبالغ في التشريف ، أو أنها ببساطة حنت إلى الوطن ، لكنها طوال الثلاثة أشهر التي قضتها في أوروبا ، كانت (ليليان) تنام بجانبها كل ليلة. في الواقع فإنها نامت قليلا وعوضا عن ذلك فقد كانت تتحدث عن أحداث اليوم ، عن عملها وعن بيرون والأصدقاء والأعداء. لقد كانت تتحدث بالتحديد عن الأعداء الذين يمكن أن يستفيدوا من غيابها والتي تعتقد أن عليها أن تحمي (بيرون) منهم.


بالرغم من حرارة الصيف في مدريد إرتدت (إيفيتا) في اليوم التالي رداء من الفراء وهي في طريقها إلى القصر الملكي حيث تلقت من فرانكو (وسام إيزابيلا الرفيع). في تلك المناسبة قدم فرانكو حديثا موجزا ، مدح فيه مثاليات البيرونية وردت (إيفيتا) بحديث طنّان إجلالا لإيزابيلا ودعاية مرتجلة إنابة عن بيرون. تقول (إيفيتا) لقد عرفت الأرجنتين كيف تختار بين (الديمقراطية الزائفة والديمقراطية الحقيقية ، حيث الأفكار العظيمة لها أسماء بسيطة مثل الخبز الأجود ، السكن الأفضل ، الطعام الأفضل والمستقبل الأفضل). من جهتها أعلنت الحكومة الإسبانية عطلة مدرسية ومنحت العمال عطلة. إمتلأت الساحة بالجماهير الذين كانوا يهتفون (فرانكو وبيرون). أخذت (إيفيتا) المايكرفون وقالت (جنرال فرانكو في هذه اللحظة أشعر بذات الشعور حينما هتفت الطبقة العاملة بإسم بيرون). ثم رفعت يدها فيما وصفته الصحافة العالمية بأنها تحية فاشية ، غير أن ذلك لم يكن الواقع لأن تلك كانت إيماءتها العادية برفع يدها اليمنى فوق رأسها والتلويح بها. على شرف (إيفيتا) وطوال الخمسة عشر يوما عرضت المسرحيات وعروض الرقص الفلكلوري. حيثما ذهبت كانت هناك جموع وهدايا وخطب. لقد إرتدت (إيفيتا) معظم ملابسها ، فيما قدمت لها ملابس تقليدية في كل مقاطعة إسبانية.

في إحدى المناسبات حضرت متأخرة لمشاهدة مصارعة الثيران وكانت الجموع تواقة لمشاهدتها وفيما بعد إشتكى مصارع الثيران بأن كل شخص جاء لمشاهدة إيفيتا وليس لمشاهدته. في كل مكان كانت تذهب إليه كانت تحمل معها حفنة من الأوراق المالة فئة 100 بيزيتا والتي كانت تعطيها للأطفال الذين يتجمعون حول سيارتها. في الطريق إلى (توليدو) أوقف طفل سيارتها وحينما سلمته المئة بيزيتا أوضح أنه لا يريد المال بل الشارة التي على غطاءالسيارة فأعطته لها. في المقابل جرى إنتقاد الصحافة الإسبانية لأنها لم تناقش تكلفة الزيارة أو تبحث في الغرض منها ، غير أن مراسـل الـ (نيويورك تايمز) قدر تكلفة الرحلة بأربعة مليون دولار. مع أنه كان هناك نقص حاد في الكهرباء في اسبانيا أيم فرانكو ، إلا أنه جرى تشغيل النوافير وإنارتها في اليوم الذي وصلت فيه (إيفيتا) وبقيت كذلك على إمتداد زيارتها. في كل مدينة كانت هناك جموع ضخمة وتعابير قوية. إن للكثير من الإسبان أقارب هاجروا إلى الأرجنتين ونجحوا هناك.

لقد كانت (إيفيتا) تتصرف كملكة كما لو أنها تدربت على تعابير العاطفة والإحترام طوال حياتها. في إحدى الليالي سألت (إيفيتا) ليليان عن ما تريده في هذه الحياة فقالت (ليليان) سوف أكون سعيدة إذا ما أصبحت أما ناجحة لأطفاليّ. ردت (إيفيتا) بأن ذلك أمر جيد لكنها ترغب في أن تكون (شخص ما في التاريخ). في قصر بيدراليا وبعد أن تناولت العشاء مع الأب (بينيتيز) أخبرته بأنها تعاني نوعا من الإنقباض وبأنها لم تعد تطيق التعامل الصارم للبروتوكول. بالنسبة لفرانكو الذي لم يرافق (إيفيتا) إلى (جرانادا) أو (سيفيلي) فقد إنضم إليها هو وعائلته في (برشلونه). لقد نجم عن الزيارة عن هدية من (إيفيتا) عبارة عن باخرة محملة بالقمح. لقد ورد في مجلة (التايم) أن فرانكو كان يأمل في قرض وليس في هدية من هذا النوع. بدأ فرانكو راضيا فهو سيوقع في السنة التالية إتفاقية تجارية مع الأرجنتين وهو الأمر الذي كان قد سعى إليه. في 25 يونيو وبعد إطلاق المدفعية إحدى وعشرين طلقة كتحية ، إستقلت (إيفيتا) الطائرة مغادرة إلى روما. لقد سبق قدوم (إيفيتا) التقارير التي تناولت إقامتها في إسبانيا وإنتشرت شهرتها في كل أوروبا. في تلك الفترة من فقر ما بعد الحرب ، بدأ أن عرض الثروة الذي جسّدته رحلتها ، بدأ أولا عملا شائنا لكن أصبح جليا بعد ذلك أنها أثارت المشاعر الحقيقية للمصالح ، التعاطف والإرباك. في المقابل كانت هناك إحتجاجات على زيارة (إيفيتا) أتت من المجموعات الإشتراكية والشيوعية في إيطاليا وفرنسا ، لكن النقاش عنها كان أكثر كثافة في بريطانيا حيث تسيطر حكومة العمال.

كان هناك شك ما في عما إذا كان ستجيء إنكلترا أم لا. من جهته أكد قصر بكنجهام من الوهلة الأولى الصفة غير الرسمية لزيارة (إيفيتا) وذلك يفسر على إنها إشارة إزدراء كونها تعني وفقا للبروتوكول أنها أقل أهمية من (إليانور أيزنهاور) الزوجة الوحيدة لرئيس دولة التي زارت إنكلترا وأعتبرت زيارتها رسمية. حينما جرى التخطيط لأول مرة لزيارة (إيفيتا) أكدّ المكتب الخارجي البريطاني للحكومة الأرجنتينية أنها ستتناول الشاي مع ملكة بريطانيا وبدأ ذلك مرضيا للأرجنتين. لكن الآن قررت (إيفيتا) التأخر أسبوعين عن ما كان مخطط له ، مما يضع حفلة الشاي في مهب الريح فالعائلة الملكية في ذلك الوقت إعتادت أن تقضي صيفها في أسكتلندا وقد فهم من ذلك أن الملكة لا ترغب في رؤية (إيفيتا). مرّ أسبوعين دون أن يتخذ قرار التوجه إلى لندن. هناك في روما وعلى الطريق المؤدي إلى السفارة الأرجنتينية فيها جرى إعادة رصف الطريق بالرخام وأزيلت المبولات الخارجية التي على مسار المشاه. في الوقت الذي كانت فيه (إيفيتا) تقابل (كونت سوفراز) كان هناك حضورا وزير الخارجية وثمانون طفلا من أوبرا الأطفال وغطاء رأس أسود ووسام إيزابيلا مشبوك على صدرها. لقد منحت عشرين دقيقة وهي المدة المخصصة للملكات وفقا لبروتوكول الفاتيكان. بعد ذلك سارت حول القصر يرافقها ستة من نبلاء الفاتيكان الكبار وهم يرتدون عباءات ، أطواقا حول الرقبة وواقيات على الأحذية وبصحبة خمسة حرس سويسريون يرتدون الخوذات ويحملون سلاحا قديما. تخبر إيفيتا بيرون لاحقا (أنها عند دخولها ساحة القديس بطرس كان لديها شعور بأنها في كوكب أخر. لقد بدت روما بعيدة بالاف الكيلومترات فلا يسمع حتى الهمس البسيط. إن هذه الدولة الصغيرة أشبه ما تكون بقارة . لقد بدأ البابا كالطيف وصوته منخفضا وبعيدا كما لو آت من حلم).

لقد تسبب وجود (إيفيتا) في روما في حدوث العديد من المظاهرات وجرى إعتقال سبعا وعشرين ومن النافذة كانت تسمع أناشيد الشيوعيين وصرخات (فاشيست). لقد جرى التخطيط لهذه المظاهرات لتهديد زيارة (إيفيتا) بغرض أن تنجز القروض وتزيد حصة المهاجرين في الأرجنتين. في المقابل وجه الشيوعيون بمجموعة أخرى من العمال الذين تظاهروا إنابة عن (إيفيتا) بالهتاف بإسمها في إيقاعات مصحوبة بأناشيد عهد موسوليني.في السفارة الأرجنتينة في روما عقدت (إيفيتا) مؤتمرا صحفيا أعطت فيه أرائها عن الطلاق الذي لا توافق عليه ووقالت بأنها ليست سياسية لكن لونها المفضل هو الأحمر وحينها سألها أحد الصحفيين عما إذا كان ذلك يعبر عن خيار سياسي فأجابت لا ويبدو أنها إرتبكت. كانت المحطة التالية هي (لشبونه) حيث سجلت زيارة لـ (دون خوان دي بوربون) ، بالرغم من نصيحة مستشار في السفارة الأرجنتينية الذي حذرها من أن ذلك يبدو غير مناسبا لفرانكو ، غير أنها أجابت إلى أنها سوف تذهب إلى حيث تريد. من البرتغال طار الوفد إلى (باريس) حيث إستقبلها وزير الخارجية (جورج بيداول) . أستقبلت (إيفيتا) في (ريتز) وطافت حول المدينة بسيارة تعود إلى (ديغول) وكان قد إستخدمها (تشرشل) أثناء زيارته لفرنسا. تزامن وجودها في فرنسا مع التوقيع على إتفاقية تجارية بين الأرجنتين وفرنسا وفي الإحتفال قلدت وسام (جوقة الشرف) بواسطة جورج بيداول. لقد كانت (إيفيتا) تواقة لرؤية الملابس في كبرى دور العرض ، غير أن زوجة السفير أخبرتها بأن هناك عرض خاص سيقام لها في الفندق. في الفندق جرى تنظيم عرض لها ، لكن قبل وقت قليل من بدايته إنتابتها الشكوك ودعت الأب (بينيتيز) الذي رأى أن ذلك العرض ينظر إليه كـ (عبث غير مقبول) فعملت على إلغاء العرض فورا وهو أمر أزعج الكثيرين.

بالرغم من ذلك وقبل مغادرتها باريس تركت مقاساتها لدى (كريستيان ديور) و (مارسيل روكاس) اللذان صنع لها الكثير من ملابسها ، سواء بتقديم تصميمات ترسل لها عبر السفارة الأرجنتينية أو تصميم ما تشعر بأنه مقبول وذلك بإرساله مباشرة إلى (بيونيس أيرس). في مدريد وروما كانت (إيفيتا) قادرة على أن تفهم الإسبانية لكن في فرنسا إعتمدت على ترجمات (ليليان قواردو). من باريس ذهبت مع (دوديرو) إلى (مونت كارلو) حيث بقيت في فندق باريس. بعد وفاتها بسنوات أشيع أنها نامت مع أوناسييس وأعطاها بعد ذلك شيكا لواحدا من أعمالها الخيرية. هناك إحتمال أن يكون (أوناسيس) قد قابلها فهو يحمل الجنسية الأرجنتينية وصديق لـ (دوديرو)، لكن باقي القصة هي تلفيق يكشف إلى أي مدى صورت كرمز للجنس. أما أخر مكان زارته (إيفيتا) فقد كان (سويسرا) ، غير أنه لم يعلن بوضوح سبب ذهابهها إلى سويسرا. لقد إفترض البعض أن الهدف الحقيقي لزيارة أوروبا مع شقيقها هو إيداع المال لدى البنوك السويسرية. إن الأثرياء الأرحنتينيون يفعلون ذلك ولكن هناط طرقا أقل إنكشافا بدلا من مقابلة وزير الخارجية ومشاهدة مصنع للساعات. في (برن) جرى قذف سيارة (إيفيتا) ووزير الخارجية بالطماطم وفي (لوسيرين) كسر زجاج نافذة السيارة التي تقلها بحجر وأتضح أن المعتدي نشأ في الأرجنتين وخرج حديثا من مستشفى للأمراض العقلية.

في 10 أغسطس طارت (إيفيتا) من جنيف إلى داكار عبر لشبونه حيث إستقلت الباخرة الأرجنتينية (بيونس أيرس) والتي كانت تقل كذلك ثلاثمائة مهاجر إيطالي. خلال عبورها ريودي جانيرو خاطبت المهاجرين وحضرت المؤتمر الأمريكي للأمن والسلام والذي قدم إليه (ريكاردو قواردو) مصجوبا بالوزراء وأعضاء من أمانة صحافة بيرون ومعهم (50.000) شارة منقوش عليها صورة بيرون وإيفيتا وما يكفي من الملصقات التي تحمل صورة (إيفيتا). نقشت على الملصقات باللغة البرتغالية عبارة (إلى المرأة البرازيلية التي تحب المرأة الأرجنتينية وهي تقاتل من أجل العدل والعمل والسلام). هناك حضرت (إيفيتا) عددا من الولائم وأستمعت إلى خطاب (جورج مارشال) وزير الخارجية الأمريكي ، فيما تظاهر الرعاع خارج فندق قصر كوباكابانا. في مؤتمرها الصحفي ظهرت بصورة أفضل من ذلك الذي عقدته في روما. بعد ذلك سافرت (إيفيتا) في اليوم التالي إلى منتفيديو ، بعد أن شهدت المزيد من الإستقبالات وقابلت مئتان من قادة العمل وموظفين بيرونيين عبروا (ريو دي لابلاتا) للترحيب بها ، ثم إستقلت العبارة (سيداد دي مونتفيديو) متجهة إلى يونيس أيرس. حينما إقتربت العبارة من الميناء أحاطت بها قوارب صغيرة تطلق صفارات ترحيب ، فيما حلقت طائرة فوقها كتب على أجنحتها عبارة (أهلا وسهلا). في الميناء إصطف عدد كبير من الناس وتعجلت إيفيتا في الخروج لتلتقي بيرون ثم لتنفجر باكية وألقت خطابا مقتضبا وعدت فيه بمقابلة الجميع يوم الإثنين القادم في سكرتارية العمل .

في الأرجنتين إنتقدت المعارضة التكلفة الكبيرة للرحلة ، فيما هددت الحكومة تلك الصحف التي تواصل حملتها المشوهة ضد الرحلة بالإغلاق وفي حالتين تم تنفيذ التهديد. في الحالة الأولى أغلقت صحيفة لإعادة نشر تقرير عدائي في الصحافة البريطانية وفي الحالة الثانية تجرأت صحيفة على نشر رسم كاريكاتوري يصور (إيفيتا) في سويسرا وهي تحت وابل من الطماطم ، غير أن الإنتقادات جرى إخمادها وكان كثير من الأرجنتينيين سعيدين بتمثيل إيفيتا لهم في أوروبا. لقد كانت (إيفيتا) راضية عما فعلت. إنها سوف تميز لاحقا بين دورها كإيفا بيرون التي تتلقى التشريفات وتحضر مهام الدولة وبين إيفا التي تؤدي عملها الإجتماعي والسياسي. بعد رحلتها إلى أوروبا أصبح دورها كايفيتا بارزا. لقد كان التغيير تدريجيا. للبدء في التغيير كان عليها أن تبدو أقل تأنقا في لبسها وفي التخلي عن تسريحتها. بعملها كامل الوقت في الثلاثة سنوات التالية مع النقابات والنساء والفقراء ، فإن هذا العمل إنتهى بمنظمة سياسية فعالة وضخمة. بسبب النفوذ الذي مارسته (إيفيتا) شخصيا فقد أفترض دائما أنها مدفوعة بصفات شخصية كالنزوة والإنتقام وأن تأثيراتها كانت أقل من تضخمها ، غير أن ذلك ليست هو الواقع. لقد عملت (إيفيتا) دائما في السياق الذي نفذه (بيرون) وفي الفترة التي بدأت فيها قوية 1947 – 1950 وهي الفترة التي زاد فيها أيضا نفوذ بيرون وبدأ في تغيير الأرجنتين. لفهم تطور (إيفيتا) من الضروري التحول اولا إلى شعار بيرون (الأرجنتين الجديدة).


الفصــل الســـــابع
الأرجنتين الجديــدة

(في بيونس أيرس اليوم لا يمكن أن تصادفك الزخارف المألوفة للديكتاتورية) هكذا أبدى مراقب أمريكي رأيه ويواصل قائلا (ليست هناك قيود على السفر ، يتحرك الناس بحرية ، لا خوف لدى معارضي الحكومة من التحدث إلى الأجانب حيث يمكن أن يلتقونهم في الفنادق أو يدعونهم إلى بيوتهم ، ليس هناك معسكرات إعتقال أو سجناء سياسيين) ، غير أن هناك إكتئاب وإحباط يمكن الإحساس به وسط المفكرين أو السياسيين المعارضين ويعكس ذلك الرأي السائد على نحو واسع من أن البلاد أصبحت ديكتاتورية تحت بيرون ، بالرغم من الشكل الذي تبدو عليه. في الواقع فإن غياب هذا الرأي يزعج خصوم بيرون فالناس يتحدثون بشكل مبهم بناء على الأحلام أو التنبؤ.

في عام 1955 وحينما أخرج (بيرون) بشكل نهائي بواسطة القوات المسلحة ، كان بيرون قد فرض في الواقع ديكتاتورية على الأرجنتين ، غير أن هذه الديكتاتورية لم تكن هدفه حينما جاء إلى السلطة عام 1946. إذا حقق (بيرون) نبؤات خصومه فإنه قد فعل ذلك بعد أن جلب أول ديموقراطية ناجحة للأرجنتين منذ عام 1927 وبعد أن زادت مشاركة الأرجنتينيين في السياسة بشكل كبير. إن (بيرون) يذكر كديكتاتور لكنه أنتخب شعبيا وفرضا شكلا من السلطوية بدعم شعبي كاسح. إن إهتمامه الحقيقي كان يكمن في زيادة النفوذ ، فيما يستمد مصدر سلطته الرئيسي من شعاره (الأرجنتين الجديدة) ، غير أنه لم يحاول أبدا أن يدمر الأرجنتين القديمة ، بل تركها مثل خصم منافس آمنة ومزدهرة (ألا وهي الأقلية). لقد كان لبيرون أغلبية في الكونغرس الذي إستمر في البقاء وإجازة القوانين. إن القوة الفعلية للنظام كانت تكمن في مكان آخر ، في مؤسساته الجديده والدعم الجماهيري وفي العلاقة بين بيرون ، إيفيتا ومؤيدهم. كان (بيرون) في حاجة للسيطرة على مؤيديه المشاكسين. في عام 1946 جرى حل حزب العمل وفي السنتين التاليتيين أصبح لبيرون حزبه الخاص والذي كان قد حمل عدة أسماء: أولا (الجمهور العضوي) ثم (حزب الثورة الوحيد). في المقابل قبل بعض أعضاء حزب العمل قرار بيرون ، لكن هناك أخرون مثل (سيبريانو رييز) وهو أحد مؤسسي الحزب أعترضوا على ذلك. لقد رفض (رييز) الذي هو نائب في المجموعة الإستبدادية التي تدير الحزب وجلس بنفسه في الكونغرس وإستمر في إصدار صحيفة الحزب وحينما جرت مهاجمته عدة مرات في الشوارع ، ظهر في الكونغرس وعلى رأسه ضمادة.

في 20 سبتمبر أعلنت شبكة الراديو الرسمية عن إكتشاف مؤامرة لإغتيال بيرون وإيفيتا وكان من بين المتآمرين الذين زادوا على عشرين شخصا الملحق الثقافي السابق للولايات المتحدة في (بيونس أيرس) والذي إستقال من وظيفته وكان وقتها في عمل في (مونتفيديو) وكذلك (رييز) وأخوانه. كان هناك إضراب دعت إليه الحكومة يؤيد (بيرون). جرى إعتقال (رييز) ورفاقه لكنهم لم يحاكموا. لقد أطلق سراحهم عام 1949 ، غير أنه أعيد إعتقاله مرة أخرى وبقي في السجن حتى عام 1955 ، تعلم خلال فترة حبسه اللغة الإنكليزية وكتب رواية. قيل أنه جرى تعذيبه لكنه لم يتحدث عن ذلك أبدا. بعد ذلك تحرك (بيرون) لزيادة نفوذه على مؤيديه في الإتحاد العام للعمال. حينما أنتخب (لويس قاي) سكرتيرا عاما للإتحاد في نوفمبر 1946 ضد مرشح بيرون ، دعاه بيرون وأخبره بأن كل الصحف الهامة الصادرة عن إتحاد العمال ، يجب أن تحرر مستقبلا بواسطة (فريق خاص) في سكرتارية الرئاسة. حينما رفض (قاي) خدمات ذلك الفريق ، قدم له (بيرون) سلسلة من التعيينات المفيدة وبعد أن فشل في التأثير عليه تحرك لإبعاده. في يناير 1947 جاء أعضاء من منظمة العمل الأمريكية إلى (بيونس أيرس) بناء على دعوة من إتحاد العمال الأرجنتيني. كان (بيرون) معارضا للزيارة وحينما وصل الوفد الأمريكي رفض (بيرون) أن يتواصل مع إتحاد العمال وأتهم (قاي) ببيع المنظمة إلى الأمريكان. من جهته قابل (قاي) الأمريكان بشكل سري في جناحهم بالفندق ، الأمر الذي أغضب (بيرون) ودعا (قاي) للإجتماع معه وقال له بالحرف الواحد (عليك أن تقدم إستقالتك غدا أو سوف أكسر رأسك). كانت هناك سلسلة من الإجتماعات أكد فيها (بيرون) أن لديه دليل على خيانة (قاي) غير أنه رفض أن يظهره (بحسب قوله فإن الدليل في قيادة الجيش). في النهاية إستقال (قاي) وبعد سلسلة من التهديدات غادر (قاي) ييونس أيرس ، غير قادر على العثور على العمل أو العودة لنقابته القديمة.

في عام 1948 كان قد جرى إستبدال معظم إتحادات العمال ، ليس فقط الفوضويين والإشتراكيين الذين كانت السلطة في أيديهم في العام 1943 ، بل كذلك أخرين مثل (قاي) الذي ساعد بيرون في الوصول إلى السلطة. بتعيينه (خوزيه إيزبيو) كخلف لـ (قاي) فإن بيرون لم يبين نواياه بشكل واضح. لقد كان (خوزيه) بيرونيا ملتزما ومخلصا لإيفيتا وبيرون وكان يقود شاحنة لمؤسسة لتصنيع البسكويت. بالنسبة للصحف التي حرمتها الحكومة من الصدور فقد جرى التعامل معها بأشكال مختلفة. حينما نشرت صحيفة (لا رازون) وهي صحيفة مسائية محافظة عددا من المقالات الإفتتاحية ، إستقبلت سلسلة من الزيارات لمفتشي البلدية الذين إشتكوا من ضعف الوضع الصحي للعاملين ، عندها جرى تركيب المراوح ومغاسل دورات المياه الجديدة ، غير أن الزيارات والغرامات المستمرة ، أجبرت أصحاب الصحيفة على سحب المقالات الإفتتاحية وإستبدالها بالإعلانات. أما صحيفة الحزب الإشتراكي (لا فانقوارديا) فقد إنتقدت الإصلاحات الإجتماعية لبيرون وشنت هجوما على (إيفيتا). في أغسطس 1947 أغلقت الصحيفة على أساس أنها إنتهكت مراسم البلدية المتعلقة بمنع الضجة وأن شاحناتها ظلت توقظ الناس بالليل وأن غرف طبعها تفتقر إلى معدات الإسعاف الأولي المناسبة. في أغسطس 1947 توقفت الصحيفة عن الصدور وأجبر الحزب الإشتراكي على الوصول إلى أعضائه عبر المنشورات السرية.

في عام 1948 إحتكرت الحكومة حبر الطباعة ، مما أرهب باقي الصحف المستقلة. في أوائل خمسينات القرن الماضي حصلت (اليا إس إيه) التي يرأسها (كارلوس الوي) حاكم بوينس أيرس على ثلاثة عشر دورا للنشر ، سبعة عشر صحيفة ، ثلاثة محطات راديو وأربعة وكالات أخبار. كانت (اليا) مؤسسة خاصة من الناحية الفنية ، لكن مديروها كانو وزراء أو من مسئولي الحزب وهدفها بحسب الوي (تشكيل رأي عام). في عام 1950 كان (بيرون) لا يزال يخبر الصحفيين الزائريين بأنه لن تكون هناك رقابة ومراقب يجلس في مكاتب الصحف ، مثلما كان الأمر قبل الإنتخابات ، غير أن فهم بيرون لوظائف الصحافة لم يكن كفهم الصحفيين الزائرين. لقد خاطبهم قائلا (إن صحافتنا نقية .. لقد خضعت صحافتنا إلى عملية إستثنائية من التحسين .. لا توجد هناك صحافة عدائية بل صحافة نقية). إن أعمال (بيرون) القمعية قد نفذت بشكل متزامن مع البدء في إصلاحات إجتماعية ، بعضها كان له تأثير على جعل المؤسسات الأرجنتينية أكثر ديموقراطية. إن أغلبيته الكبيرة في الكونغرس وفي مجلس الشيوخ تعني أنه يسنطيع أن يمرر التشريع الذي يريده ، فيما كانت الحكومة السابقة تنجز عملها بالمراسيم ، غير أن كونغرس بيرون وبناء على توصيته كان يدفع ببرنامج طموح من التشريع الإجتماعي.


في عام 1947 وبمباركة (بيرون) أعطى الكونغرس النساء الأرجنتينيات حق التصويت. في الفترة ما بين 1911 – 1946 جرى تقديم خمسة عشر مشروع قانون خاص يتعلق بحق تصويت المرأة وفشلت كلها بسبب العداء أو الإهمال. لكن هذه المرة جاء (بيرون) إلى السلطة في الوقت الذي جرى فيه الإتفاق بشكل واسع على ضرورة منح المرأة حق التصويت. لقد جرى تقديم ستة مشاريع قوانين في الأسابيع الأولى من إنعقاد الكونغرس وأجيز واحدا منها دون إحتجاج. لقد نالت (إيفيتا) الإستحسان بشكل واسع على إعطائها حق التصويت للنساء الأرجنتينيات وذلك على أساس الدعوى من أنها (مناصرة مبكرة للحركة النسوية). في الواقع فإن أعمالها كانت محدودة لدعم المشروع ، إذا أنها أجرت عددا من اللقاءات مع صحيفتها (ديموقراسيا) تدعم فيها التصويت ، كما نشرت لها سلسلة مقالات تحث فيها البيرونيين الذكور على التخلي عن إضطهادهم للنساء. كان هناك إحتفاء بإجازة مشروع القانون رقم (13010) أمام (كاسا روسادا) وليس أمام الكونغرس حيث صدر المشروع. أمام القصر الحكومي كانت هناك الأعلام وشاحنة تحمل لوحة تصور تحرير المرأة بجانب صندوق الإقتراع. وقع (بيرون) على القانون وأذاعه وسلمه إلى (إيفيتا) مع الدوائر الإنتخابية الجديدة للمصوتات.


في المقابل كان هناك ضغط على وسائل الإعلام من خلال إنتقاد الحكومة حيث إزداد إحباط المعارضة البرلمانية للدرجة التي هدد فيها المتحدث بإسم المعارضة بتجريده من الحصانة وإبعاده من الكونغرس إذا لم يسحب كلماته ضد الحكومة وهذا ما حدث في أغسطس 1948 لـ (إيرنستو سامارتينو) وهو رئيس المجموعة الراديكالية في غرفة النواب بعد أن إنتقد سلسلة من المقالات كان قد كتبها بيرون في معتقله وبعد خطاب ناري في الكونغرس جرى إستبعاده ، هو ومؤيدؤه الإثنين وأربعين لكنهم عادوا في الشهر التالي. في الماضي جرى نقاش عن تعديل الدستور الذي جرى سنه في العام 1853م على أساس أنه لم يعد مناسبا لبلد ذو إحتياجات حديثة. مع أن ذلك لم يذكر أبدا إلا أنه أحس به في المادة (77) التي تحظر الرئاسة لأكثر من ستة سنوات في المرة الواحدة وبضرورة تغييره الآن. بينما كان الراديكاليون غائبون عن البرلمان كانت الخطوة الأولى لوضع دستور جديد قد أتخذت ، لكنهم حينما عادوا رأي ثلثي الأعضاء ضرورة الدعوة إلى إجتماع دستوري. من جهته أظهر (بيرون) لا مبالاته بالمادة (77). في الجدل الذي دار في الإجتماع جرى تبرير إزالة هذه المادة بحجة أن المادة في الوقت الحالي تعتبر معيقة للسلطة الشعبية ، كون أن المواطنين لا يستطيعون إنتخاب من يريدون. بإعتماده الدستور الجديد في 16 مارس 1949 بدأ أن بيرون أزاح العقبة الاخيرة لتمديد سلطته. لقد بدأ أنه هيمّن على كل مؤسسة أرجنتينية معارضة له وأنه ماض في السنوات التالية في إتجاه السلطوية التي تبناها.

إن موقفه تجاه صديقه القديم (دومينقو ميركانتي) كان مؤشرا على ماينويه بيرون. في إعتراف بولائه لبيرون في عام 1945 أعطي (ميركانتي) منصب حاكم بيونس أيرس وهو الذي أعتبر الأكثر ملائمة لخلافة بيرون فقد وضع قانون الإصلاح الدستوري لأنه كان وفيا لبيرون ولأنه كان يأمل في أن يكون نائبا للرئيس ولكن سرى في أحد الإجتماعات أنه قال أنه أسقط من الإمتياز. في المقابل بدأت (إيفيتا) في تجاهله في خطبها إلى أن تم إستبعاده من الحزب عام 1953 بسبب عدم الولاء. إن سقوط (ميركانتي) وضع نهاية المرحلة الأولى للمسيرة البيرونية لتجيء المرحلة الثانية حيث أصبحت (إيفيتا) مؤثرة بشكل حقيقي. في 2 يوليو 1949 إجتمع 6.000 عضو من الحزب البيروني في إستاد (لونا بارك) وبعد خطاب بيرون غادرت الوفود النسائية للإستماع إلى حديث طويل من (إيفيتا) التي تحدثت بشكل مثير عن ظلم النساء العاملات ن غير أن النقطة الرئيسية في حديثها كان عن وصفة الولاء المطلق والكامل لبيرون ، حيث قالت أنه لكي تكون المرأة بيرونية ، عليها أن تكون مخلصة ولها ثقة عمياء في بيرون. عليه وفي ظل بيرون ولكن بشكل منفصل عن النموذج الرجالي ظهر الحزب السياسي لإيفيتا. لقد هيمنت على الحزب وأنجبت جيلا كاملا من النساء البيرونيات المخلصات. في عام 1952 كان لها 500.000 عضو و 3.500 مقر. في الإنتخابات التالية كانت قادرة على زيادة أغلبية بيرون بإعطائه أكثر من 63% من أصوات النساء الجدد. لقد حققت نجاحا مدهشا في التنظيم ، لكنه بقي خاضعا لرغبات بيرون وتنظيمه الهرمي.

كانت بعض النساء اللائي عملن للحزب قد قابلتهن (إيفيتا) قبل سنوات وأسندت إليهن أعمال إجتماعية ، بعضهن تذكرتهن (إيفيتا) من مناسبات مختلفة والأن جرى توجيه الدعوة إليهن. في المقابل هناك أمثلة أخرى فقد أخبر (اتيليو رينزي) المشرف على المقر الرئاسي إيفيتا قبل فترة طويلة عن أخ وأخت يديران مخبزا في الجوار ويدافعان في جدلهما مع الزبائن بإستماتة عن بيرون وإيفيتافطلبت (إيفيتا) البحث عن الأخت. كذلك كانت هناك مغنية للتانغو تدعى (خوانا لارواوري) كانت من المؤيدين لبيرون عام 1945 وألفت أغنية تقديرا له ، تقربت إلى (إيفيتا) لاحقا طالبة عملا. لم تكن إيفيتا تحبها لكنها أوجدت لها عملا في (راديو بيلقرانو). لقد كنّ النساء يأتين إلى مكتب (إيفيتا) أو إلى المقر الرئاسي في مجموعات وينتظرن بصبر لرؤيتها. كانت تخبرهم بأنها تحتاج إلى بيرونيات صالحات ، مخلصات ومتعصبات للحزب ، يعملن حيثما كانوا ومهما كانت الظروف على تأسيس دور للحزب ، يديروا فيها عمليات التسجيل والتبشير بمباديء الحزب. في إحدى المرات ومن فرط تأثرها جثت إمرأة على ركبتيها أمام إيفيتا قائلة (إنه ليس خنوعا أو تزلفا لكني لم ألمس قط قديسة من لحم ودم .. دعيني أجثو أمامك وأقبلك).

في المقابل لم تكن هناك أعراف لعمل النساء. بالنسبة لإيفيتا فقد كانت منظمة رائعة في نفسها ، لا تكف عن تشجيع نسائها ودعوتهن في منتصف الليل للإستفسار عن مصاعبهم أو من أجل الإستشارة. تقول ديليا ديقليوميني وهي واحدة من اللائي تولين عملية الإحصاء عن إيفيتا (إنها كانت تقف طول الوقت من خلفنا وتدفعنا للأمام) وكان ديليا قد عهد إليها تنظيم عمل الحزب في مقاطعة سان لويس وقالت عن ذلك (حينما وصلت لم يكن هناك سوى خمسون خلية فقط ولكن بعد أن غادرتها بعد عام كانت هناك مائتان وخمسون خلية ، غير ان وزني إنتقص خمس وعشرون رطلا وظهرت ظلالاعلى رئتي). إن تأثير (إيفيتا) على وضع النساء في الأرجنتين وعلى حياتهن السياسية كان حاسما وما أنجزته في هذا الصدد و أهم ما أنجزته من أي شيء أخر فالنساء اللائي كنّ قليلا ما يلقين إهتماما بحقوق المرأة وغير مباليات بقضايا نساء الطبقة الوسطى ، دخلنّ عالم السياسة بسبب (إيفيتا). لقد كنّ أؤلئك أول النساء الأرجنتينيات اللائي كان لهن أثر فعال في الأمور السياسية ومنحن بيرون الغالبية الكبيرة في عام 1951 وبقوا مخلصين له ورأوا أن مباديء البيرونية تمثل طموحهم حتى بعد وقت طويل من وفاته.

لقد كانت تلك السنوات هي السنوات التي ظلت فيها (إيفيتا) حاضرة في أعين العامة بإستمرار ، حيث لا تمر مناسبة مهما كانت عادية كإفتتاح مسبح ، مصنع ، مبنى نقابة تجارية ، تقديم ميدالية ، غداء مع زوار أجانب ، لا وكان لإيفيتا حضور وإذا كان لشركة منتوج جديد فهي تدعى إلى رعايته وبالتالي موافقة الحكومة . كذلك إذا ما غادر أو عاد رياضي إلى البلاد سواء كان لاعب كرة قدم أو سائق سيارة سباق فإنه مطلوب منه أن يلتقط صورة مع (إيفيتا). قد كانت طقوس السياسة الأرجنتينية قبل قدوم بيرون وإيفيتا تتألف من إجتماعات رسمية مثل مآدب سياسية تدور فيها الأحاديث ، أما في الأرجنتين الجديدة فإن الأطفال يقبلون ، تقص أشرطة الإفتتاح وتقدم الميداليات ، غير أن هذه المناسبات كانت مختلفة في الأهداف لما يقابلها في الدول الأخرى. لقد قيل أن (الأرجنتين الجديدة) هي دعاية ، غير أن ذلك ليس صحيحا تماما بحسب صحفي أمريكي. إن جماهير بيرون وإيفيتا تعكس أصول تحركهم في 17 أكتوبر 1945 وفكرة الشرعية الشعبية التي كانت قائمة خارج التقليد القديم للحكم الشرعي. لقد كان اليومين العظيمين في التقويم البيروني هما : 1 مايو و 17 أكتوبر وفي كل يوم من هذين اليومين كان ينقل أكثر من مليون شخص إلى (بلازا دي مايو). في 1 مايو جرى نقاش جميل لتحديد (ملكة العمل) ، حفلة في الهواء الطلق بواسطة أوركسترا لوكون وفي عام 1949 جرى تكوين باليه بفكرة رئيسية مستعارة ، لكن 17 أكتوبر كان تحفة الطقوس البيرونية فقد إمتلأت المدينة بالبصات والشاحنات والطبقة العاملة ، يحملون الرايات الضخمة ويعيدون تمثيل المدينة البرجوازية على نطاق يتجاوز نطاقها الأول.

ما حدث في 17 أكتوبر كان عفويا بشكل كبير وإن قورن بحشد فاشستي ، إلا أنه تحقق جزئيا لتهديد أعداء النظام والحب الذي يعلن في كل 17 أكتوبر أمام الجموع الحاشدة ، يمكن أن يبرر بالعداء الذي ظهر في الخارج.في السنوات الأولى تحدث (بيرون) إلى الشعب لوحده ، لكن في عام 1948 كانت (إيفيتا) قد حصلت على موقعها في الإحتفال. كانت هناك مسيرة يطلق عليها (الأولاد البيرونييين) لكن الآن إختلفت الكلمات ولكن بذات النغمة:

نحن النساء البيرونيات ..
سوف نحتفل مع إيفيتا ..
ومعها سنخلص ..
حياتنا لبيرون ..
يحيا بيرون .. يحيا بيرون ..
من أجل بيرون ومن أجل إيفيتا ..
نرغب في أن نهبهم حياتنا ..
من أجل إيفيتا رباننا ..
من أجل بيرون قائدنا ..

إن تاريخ 17 أكتوبر قد كتب ليقدم دورا في الثورة لإيفيتا كشخصية رئيسية ، مخلصة وداعمة روحية للبيرونية. لقد كان لإيفيتا الكثير من الألقاب مثل (سيدة الأمل) ، (أم الأبرياء) ، (حاملة لواء البدون قمصان) ، غير أن أكثر ما أستخدمته في هذه المناسبة هي عبارة (جسر الحب). حيثما كان بيرون يوجه خطابا يتناول فيه أمور السياسة أو يشرح عقيدته الفكرية أو نظريات عن القيادة ، كانت (إيفيتا) تتناول ذلك بشكل جوهري مع نفسها ، مع بيرون ثم مع البدون قمصان. كانت تتحدث إلى الجماهير إنابة عن بيرون أو إلى بيرون إنابة عن الجماهير ثم إلى نفسها ، أي الشخص الذي يجمع القائد والشعب معا. لقد كانت (إيفيتا) متحدثة للعامة ، عالية النغمة لكن بشكل رتيب ، لكن في عام 1948 إكتسبت قدرة بارعة على نقل العواطف بشكل علني ، بل حتى أؤلئك الذين عارضوها أقروا لها بذلك. عادة ما كانت تبدأ خطبها بـ (الأعزاء البدون قمصان) وكانت تتحدث عن الأيام السوداء للأقلية ، الماضي الذي كان الحدث الوحيد الهام فيه هو ثورة 17 أكتوبر والذي جرى وصفه اليوم بالتهديدات والغدر من قبل الأعداء الأنانيين والخائنين ، فقط مع بيرون عرفت الأرجنتين (العدل الإجتماعي). كانت (إيفيتا) تتحدث بسرعة وبشكل مثير وعاطفي وفي الغالب كانت تتخلى عن النص وترتجل كلماتها الخاصة وفي وسط حديثها كانت تتحدث من قلبها. لقد عمل بيرون للشعب لأنه أحبهم وهم أظهروا إمتنانهم له بتحريره من السجن وهاهي (إيفيتا) وبإمتنان أعطت نفسها أولا إلى بيرون ثم إلى الشعب.

لم تكن (إيفيتا) تتعامل مع المصطلحات السياسية ولكنها تتعامل بالعواطف. كانت لغتها تأتي من مشاعرها الخاصة ومصطلحات المسلسلات التي خبرتها وتجعل فكرة الحب لبيرون مفعمة بالحيوية وملحة. لقد كانت تلك أمور هامة في الحركة البيرونية لأنها بالنسبة للكثيرين تمثل مضمون البيرونية ، لكن الجماهير لعبت دورا كبيرا في الإرتقاء ببيرون إلى مكانة مقدسة. تقول إيفيتا (أحيانا أشعر بأن بيرون كفّ عن أن يكون شخصا عاديا وأصبح تجسيدا مثاليا) وتقول في مناسبة أخرى (بيرون هو كل شيء ، هو الروح ، هو العصب ، الأمل وواقع الشعب الأرجنتيني. إننا نعلم بأنه الشخص الوحيد في الحركة الذي يمثل مصدر الضوء. إننا كلنا ننهل من ضوئه). في ظل هذه الحقيقة الظاهرة لا يمكن بأي حال وجود أرضية لمعارضة بيرون أيّا كانت ، بحيث بات لا بديل للتعصب أو العلمانية التي وضعتها إيفيتا كمعيار للعمل السياسي. إن هذه التعابير قد جاءات من مفردات الميلودراما التي في الإذاعة ، لكنها كانت في سياق سياسي لقوة عظيمة وحشود ضخمة وحديث من زوجة الرئيس بحيث إكتسبت معان مختلفة:

(تقول المعارضة أنها تعصب وأنني متعصبة لبيرون والشعب ، ذلك أنني خطرة لأنني علمانية ومتعصبة جدا لبيرون ، غير أني أرد عليها مع بيرون : التعصب هو حكمة الروح ، ما الأمر إذا كان المرء متعصبا .. إن كان في مؤسسة الشهداء والأبطال .. على أي حال إن الحياة لا قيمة لها حينما تعاش بروح الأنانية ، أن تعيش فقط لنفسك، لكن حينما تسلم نفسك بشكل تام لفكرة مثالية لها قيمة أكبر من الحياة نفسها فإني أقول نعم .. أنا متعصبة لبيرون وللطبقة العاملة للأمة).


[email protected]




تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2403

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد السيد علي
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة