المقالات
السياسة
ثقافة السلاح الأمريكية والتعديل الثاني للدستور
ثقافة السلاح الأمريكية والتعديل الثاني للدستور
07-08-2016 01:16 PM


نص التعديل الثاني والخلافات حول تفسيره
دورة الصراع حول التعديل الثاني بعد اورلاندو
ثقافة العنف الأمريكية: حقيقة أم اختلاق؟
القتل الجماعي أقل حقول الموت خطراً
الكتلة الحاسمة: لكل حق حدود مهما يكن

دخلت أمريكا بعد مأساة أورلاندو، التي قتل فيها الأمريكي من أصول أفغانية مسلمة عمر متين 49 مرتاداً لنادي للمثليين بالمدينة، في طور جديد من النزاع فيها حول التشريع لتقنين حمل السلاح للمدنيين. ويدور هذا النزاع بسبب انقسام الرأي بين المحافظين الجمهوريين والليبراليين الديمقراطيين حول تفسير التعديل الثاني من وثيقة الحقوق للدستور الأمريكي الخاص بحق المدنيين في اقتناء السلاح وحمله.
نص التعديل الثاني والخلافات حول تفسيره
صدر هذا التعديل ضمن 10 تعديلات في وثيقة الحقوق الأمريكية في 1791. وجاءت هذه التعديلات في أعقاب اصطراع للمشرعين الأمريكيين حول وجوب صدور وثيقة للحقوق المدنية بعد إجازة دستورهم في 1788 تضمن للناس ألا تستبد الحكومة عليهم. وغلب من رأوا بوجوب مثل هذه الوثيقة. ومن أشهر هذه الحقوق بالطبع ما جاء في التعديل الأول الذي منع الدولة أن تتبني ديناً أو أن تمنع متديناً من ممارسة دينه. وكفلت حق التعبير وحرية الصحافة والاجتماع السلمي للاحتجاج ورد المظالم.
ونص التعديل الثاني موضوعنا كالآتي:
"لما كانت المليشيا حسنة التنظيم ضرورية لأمن الدولة الحرة، فعليه لا يجوز مصادرة حق الناس في اقتناء السلاح وحمله".
وذهب الأمريكيون في تفسير هذا الحق مذاهب. وهي المذاهب التي من وراء الصراع المتكرر حول التشريع لتقنين حيازة المدنيين للسلاح. فمنهم من قصر الحق في حمل السلاح على الولايات المكونة للاتحاد الأمريكي. وإليهم ينتمي الليبراليون الديمقراطيون بصورة عامة ليومنا. فقالوا إن الآباء المؤسسيين أرادوا أن تتمتع بهذا الحق الولايات المكونة لأمريكا الفدرالية حتى لا تطغى عليهم بجيشها المحترف. وهذا ما عُرف بالتفسير الجماعي للحق. وهناك أصحاب التفسير الفردي لهذا الحق. فهم يرون أن من حق المواطن حيازة السلاح وحمله بإطلاق. وإلى هؤلاء ينتسب الجمهوريون الذين يرون في كل تشريع يضيق على هذا الحق لضرورة ما خرقاً للدستور.
دورة الصراع حول التعديل الثاني بعد اورلاندو
تمثل هذا الخلاف بين الجماعيين والفرديين مرة أخرى في مساعي التشريع الجارية لضبط حيازة المدنيين للسلاح وحمله منذ مقتلة أورلاندو. فمن رأي الجماعيين من الديمقراطيين أنه استجدت حقائق في السياسة تستوجب إعادة النظر في الحق المطلق للفرد لتلك الحيازة، بينما يتمسك الجمهوريون بحرفية الحق الفردي الدستوري.
فاجتمع مجلس الشيوخ الأمريكي في 20 يونيو الماضي في أعقاب مقتلة أورلاندو ليناقش إجراءات لضبط ملكية السلاح الناري. وتداعوا إلى هذا الاجتماع بعد "فلبستر" قام بها كرستوفر ميرفي الشيخ الديمقراطي من ولاية كونتيكت. وكانت الولاية شهدت في ديسمبر 2012 إطلاق نار جماعي بمدرسة ابتدائية أزهق 26 شخصاً منهم 20 تلميذاً. والفلبستر هو حيلة برلمانية يفرض بها البرلماني على مجلسه أن يطرح للنقاش موضوعاً ظل يجرجر قدميه إليه. ومن ذلك وقوف الشيخ ميرفي يخطب عن وجوب ضبط حيازة السلاح لمدة 15 ساعة بحضور زملائه من الحزب الديمقراطي. واستجاب الشيوخ الجمهوريون للفلبستر ووافقوا على النظر في مشروعات ظلت عاطلة على جدول أعمال مجلسهم. وما دفع ميرفي للفلبستر قوله إن أمر السلاح قد بلغ الزبى. فقد وقعت 20 حادث قتل جماعي منذ حادث ولايته في 2012 ولا حياة لمن تنادي.
وسقطت مع ذلك مشروعات القرارات كلها حين عرضت على مجلس الشيوخ يوم 20 يونيو. وكانت دوائر الرأي توقعت هذه النتيجة لشدة الاستقطاب الحزبي حول المسألة الذي يضري ناره لوبي منظمة السلاح الأمريكي (National Rifle Association, NRA) بعقيدته المتطرفة عن الحق الدستوري في حيازة السلاح، وبنفوذه الغالب على الحزب الجمهوري وتمويل مرشحيه في سائر مستويات الانتخابات.
ومتى نظرنا في نص المشروعات تبين لنا أنه بينما أراد الديمقراطيون بها تقييد حق حيازة الأفراد للسلاح للضرورات المستجدة تجد الجمهوريين مستميتين في الدفاع عنه. وقد يأخذون ببعض قيد الديمقراطيين على تلك الحيازة جدلاً ولكنهم يضيقونه فيفسدون أثره. فتقدم الديمقراطيون بمشروعيّ قرار لمجلس الشيوخ. جاء في المشروع الأول منع كل من هم على قوائم الإرهاب التي بيد مركز التحقيقات الفدرالي، وأي قوائم وطنية أخرى، من شراء السلاح. أما المشروع الثاني فسعى إلى سد الثغرات الحالية في إجراءات التحقق من خلفيات طالبي شراء الأسلحة. وصوت الجمهوريون ضد مشروعات قرارات الديمقراطيين. وقدموا بالمقابل مشروعاتهم التي جاء في أولها أن يقتصر المنع على من بقائمة المحظورين من السفر. وهي قائمة حوت عدداً أقل من قوائم الإرهاب التي جاءت في مشروع الديمقراطيين (بها 109000 ألف محظور شملت 2700 أمريكياً فقط). فهم يرون أنهم سيحجبون أفراداً كثرين من ممارسة حقهم الدستوري في حيازة السلاح إذا أخذوا بقائمة الإرهاب الوسيعة لدى مكتب التحقيقات. أما مشروع الجمهوريين الثاني، رداً على الديمقراطيين لجهة سد ثغرات التحقق من خلفية مشتريّ السلاح، فهو منح السلطات 72 ساعة فقط لتقرر إن كان هناك ما يحول دون الفرد وشراء سلاح لشبهة إرهاب. كما اشترط المشروع أن يكون هذا الشخص مقيداً في قائمة الإرهاب لمدة 5 سنوات للتأكد أنه مستحق للحظر. وأراد الجمهوريون من كل هذه التحفظات استلال حق حيازة السلاح الدستوري من المجلس بأقل "الخسائر" التي أراد الديمقراطيون إنزالها به.
وما فرغ التصويت بهذه النتيجة المخيبة للآمل حتى تلاقي جمهوريون معتدلون وديمقراطيون حول مشروع قرار لمجلس الشيوخ حفظاً لماء الوجه التشريعي. فكل استطلاعات الرأي حتى بين أعضاء في منظمة السلاح القومية أشارت إلى وجوب عمل شيء ما لمنع الإرهابي من شراء السلاح. فاتفق الشيوخ من الحزبين على مبدأ "من حُظر سفره بالطائرة لا حق له في شراء السلاح" وبمقتضاه تمنع السلطات من اقتناء السلاح كل من هو على قائمة الممنوعين من السفر، أو من يخضعون لتدقيق كثير قبل الإذن لهم بالسفر. فضيّق هذا الحل الوسط على السلطات نطاق من تحظرهم من شراء السلاح بينما أراد الديمقراطيون أصلاً منع ذلك الحق من كل من هو في قائمة الإرهاب الوسيعة لدى مكتب التحقيقات الأمريكي. ومن الجانب الآخر أسقط هذا الحل الوسط شرط الجمهوريين الذي أعطى السلطات 72 ساعة فقط لتقرر بشأن حق من هو في قوائم الإرهاب في شراء سلاح.

ثقافة العنف الأمريكية: حقيقة أم اختلاق؟
يحتاج أمثالنا في العالم الثالث لوعي أفضل بمسألة ثقافة العنف الأمريكية لأنها تطالنا مهما ناءت ديارنا عنها. وذاعت مؤخراً أفكار عن هذه الثقافة قلبت العقائد الوطيدة عنها رأساً على عقب. فطعن كتاب صدر حديثاً في عقيدة أن السلاح هوية أمريكية جوهرية عززها الدستور. كما خلصت تحقيقات صحفية أخيرة إلى أن القتل الجماعي رشاً بالرصاص هو أهون جوانب ثقافة العنف الأمريكي.
فصدر للمؤرخة باميلا هاق كتاب عنوانه "بندقة أمريكا: تجارة السلاح وثقافة السلاح في أمريكا" (2016). ناقشت فيه ولع أمريكا بالسلاح من زاوية مبتكرة. فمن رأيها أن خطاب السلاح الأمريكي السائد يأخذ بزاوية المستهلك له، أي الزبون ودوافعه. ولذا تجدنا نولى الاعتبار لدافع هذا المستهلك في حماية نفسه والتمسك بحقه الدستوري. ولكن المؤرخة قلبت الآية وأخذتنا لننظر للمسألة من زاوية صناعة السلاح التي طبعت الزبون بهذا الولع، ثم روجت له باعتبار أنه جزء لا يتجزأ من الهوية الأمريكية. ومن رأي المؤلفة أن الولع الأمريكي "الغريزي" بالسلاح مجرد زعم تجاري وترويجي. فلا هو في منشأ الأمريكي السياسي ولا في جيناته الدستورية والأخلاقية لأنه ببساطه تسويق رأسمالي بحت. فثقافة السلاح المزعومة للأمريكيين مختلقة ولا أساس لها في التكوين الأمريكي الفطري.
القتل الجماعي أقل حقول الموت خطراً
ومن النظرات المبتكرة الساعية لفهم أفضل لعنف السلاح في أمريكا سلسلة تنشرها القارديان البريطانية على أيامنا هذه. فتوصلت الجريدة من فوق إحصاء دقيق لقتلى عنف السلاح بعامة إلى أن القتل الجماعي في مثل أورلاندو مثير ولافت للحكومة والناس والإعلام. ولكن سيقصر فهمنا لثقافة العنف الأمريكي متى ركزنا عليه مستبعدين أوضاع أخرى أحرج لعنف السلاح. فالرش الجماعي بالسلاح هي أدني مشاكل العنف الأمريكي. فيموت بالسلاح 33500 فرداً في كل عام منهم 22 ألف انتحاراً والبقية (11 ألف) قتلاً بالسلاح الناري. وبالمقابل يموت نحو 24 شخصاً فقط سنوياً بالقتل الجماعي. ومتى ما ركزنا على هذا الموت الأخير غابت عن نظرنا حقول الموت في أحياء الفقر والفصل العنصري بنسب عطالتها العالية، ومدارسها دون المستوى، وسوء الظن بين أهلها والشرطة. فتجد 15 أمريكياً أسود بين صرعى السلاح من بين 30 صريع بالرصاص كل يوم. بل مات في أحياء السود بشيكاغو 46 شخصاً بالرصاص خلال ثلاثة أيام سبقت يوم الذكرى لقدامى المحاربين (30 مايو 2016). فمتى ما أخذ القتل الجماعي بلبنا انصرفنا عن العلم الاجتماعي الحصيف بهذه الحقول الواسعة للموت.
ومن نواقص التركيز بحسب القارديان على الموت الجماعي أنه يفرض علينا التركيز على الأسلحة الهجومية ذات الطابع العسكري والمطالبة بسحبها من سوق السلاح. وهذا ضلال. فهذه الأسلحة الهجومية لم توظف إلا في 3% من جرائم القتل في 2014. ووقع الجزء الأكبر منها بالموت بالأسلحة الصغيرة. ومن مضار هذا النهج أيضاً أنه يدفعنا للتركيز على الإرهابيين وذوي الأمراض النفسية بينما حصاد العنف أوسع من ذلك كثيراً.
الكتلة الحاسمة: لكل حق حدودا مهما يكن
تلوح البوادر هذه المرة أن أمريكا ربما كانت بصدد تغييرات ملموسة للتفسير الفردي للتعديل الثاني الذي يعتقد بحق الفرد في حيازة السلاح وحمله بغير تعقيب من الدولة. فتجمعت بعد أورلاندو دوائر كتلة تاريخية حاسمة حول تقييد هذا الحق. وهي الكتلة التي تأذن في عقيدة الأمريكان، متى تجمعت أطرافها، بتغيير أزف. فالجمهوريون لن يصموا آذانهم في عام انتخابات دون مطلب شعبي غلاّب بتقييد حمل السلاح. فقال سناتور ليندس قراهام، الشيخ الجمهوري من ولاية ساوث كروالينا للوبي السلاح: "أعرف شاغلكم ولكن لكل حق حدوداً مهما يكن".

[email protected]



تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2547

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1485576 [امبكول نفر نفر]
0.00/5 (0 صوت)

07-09-2016 12:35 PM
ماسمعت بسلاح الجنجويد وكلاب امن سفاح كافورى يا قنوط يا coilles molles

[امبكول نفر نفر]

#1485419 [هبة النور]
0.00/5 (0 صوت)

07-08-2016 11:30 PM
طبعاً سلاح حميدتي دا ما تخصصك يا بروقيسور

[هبة النور]

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة